إقصاء جماعي يهز الوسط الجامعي

رصد المغرب / سالم الطنجاوي


في سابقة أثارت جدلا واسعا في الأوساط الجامعية والحقوقية، أقدمت جامعة ابن طفيل بمدينة القنيطرة على إصدار قرار يقضي بالإقصاء النهائي من الدراسة في حق 21 طالبا وطالبة، ينتمون إلى الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، على خلفية ما وصف بأنه تحركات نضالية للمطالبة بجملة من الحقوق الطلابية.

هذا القرار، الذي وصف من طرف متابعين بـ”غير المسبوق”، أعاد إلى الواجهة نقاشا قديما متجددا حول حدود السلطة التأديبية داخل المؤسسات الجامعية، ومدى انسجامها مع الضمانات الدستورية والحقوقية، وعلى رأسها الحق في التعليم وحرية التعبير والتنظيم، فهل هذا صمت محسوب؟ أم غاب الفاعلون؟

أول ما يثير الانتباه في هذه القضية هو ما يعتبره كثيرون غيابا أو ضعفا في تفاعل عدد من الفاعلين المؤسساتيين والمدنيين. فأين الأحزاب السياسية من قضية تمس شريحة واسعة من الشباب؟ وأين النقابات التي يفترض أن تكون في طليعة المدافعين عن الحقوق الاجتماعية؟ ثم ماذا عن جمعيات المجتمع المدني، وخاصة الجمعيات النسائية، في ظل كون القرار طال أيضا طالبات؟ تساؤلات مشروعة تطرح نفسها بإلحاح، خصوصا في سياق يفترض فيه أن تلعب هذه الهيئات دور الوساطة، والترافع، والتنبيه إلى أي اختلال محتمل في احترام الحقوق.

فبين التأديب والعقاب الجماعي من زاوية قانونية وحقوقية، يطرح قرار الإقصاء النهائي إشكاليات متعددة، أبرزها مدى احترام مبدأ التناسب بين الفعل والعقوبة، وكذا ضمانات المحاكمة التأديبية العادلة، من قبيل حق الدفاع والاستماع والتعليل. كما يثير الطابع الجماعي للقرار مخاوف من كونه يندرج ضمن ما يعرف بـ”العقاب الجماعي”، وهو مفهوم غالبا ما ينتقد حقوقيا لكونه لا يميز بين المسؤوليات الفردية، وقد يؤدي إلى المساس بحقوق أساسية دون تقييم دقيق لكل حالة على حدة.

في المقابل، تدافع إدارات المؤسسات الجامعية عادة عن مثل هذه القرارات باعتبارها ضرورية للحفاظ على السير العادي للدراسة وضمان الأمن داخل الحرم الجامعي، خاصة إذا ارتبطت الأحداث بأعمال تعتبرها الإدارة إخلالا بالنظام. فهل ذلك يجعل الحق في التعليم على المحك؟ لأن الحق في التعليم يبقى أحد الحقوق الأساسية التي يكفلها الدستور والمواثيق الدولية، وأي قرار يؤدي إلى حرمان الطلبة منه بشكل نهائي يفرض نقاشا عميقا حول مبرراته وحدوده. فالإقصاء النهائي لا يعني فقط إنهاء المسار الدراسي داخل مؤسسة معينة، بل قد تكون له تبعات نفسية واجتماعية ومهنية طويلة الأمد على المعنيين، وهو ما يستدعي دعوة إلى التوضيح والحوار.

فأمام هذا الوضع، تبدو الحاجة ملحة إلى توضيح رسمي من إدارة الجامعة يشرح حيثيات القرار وأسانيده القانونية، مقابل فتح نقاش عمومي هادئ ومسؤول يوازن بين ضرورة احترام القانون داخل المؤسسات، وضمان عدم المساس بالحقوق الأساسية للطلبة. كما أن انخراط الفاعلين السياسيين والنقابيين والمدنيين في هذا النقاش يظل ضروريا، ليس فقط لاتخاذ مواقف، بل أيضا للمساهمة في بناء جسور الثقة وتفادي مزيد من الاحتقان داخل الفضاء الجامعي.

قضية طلبة القنيطرة ليست مجرد واقعة معزولة، بل اختبار حقيقي لقدرة المجتمع ومؤسساته على التوفيق بين منطق النظام ومنطق الحقوق. وبين هذين الحدين، يبقى صوت الحوار والمسؤولية هو السبيل الأمثل لتجاوز الأزمات وضمان جامعة تؤدي أدوارها في التكوين والتأطير، دون التفريط في كرامة وحقوق منتسبيها.

Share this content:

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *