يمتد تأثير أي تصعيد عسكري بين الولايات المتحدة وإيران إلى ما هو أبعد من المجال الجغرافي للشرق الأوسط، ليطال بنية الاقتصاد العالمي وشبكات الطاقة والتجارة، وهو ما يجعل دول شمال إفريقيا، وفي مقدمتها المغرب والجزائر وتونس، عرضة لتداعيات مركبة تتداخل فيها العوامل الاقتصادية والجيواستراتيجية. فهذه الدول، بحكم اندماجها النسبي في الاقتصاد العالمي واعتمادها بدرجات متفاوتة على واردات الطاقة والأسواق الخارجية، تجد نفسها متأثرة بشكل غير مباشر ولكن عميق بمسارات هذا الصراع.
في الحالة المغربية، يتجلى التأثير أساسا عبر قناة الطاقة والتضخم المستورد. فالمغرب، الذي يعتمد بشكل كبير على استيراد النفط ومشتقاته، يتأثر سريعا بأي ارتفاع في الأسعار العالمية نتيجة التوتر في الخليج، خاصة إذا استمرت الملاحة في مضيق هرمز متوقفة. هذا الارتفاع لا ينعكس فقط على كلفة المحروقات، بل يمتد إلى أسعار النقل والإنتاج، مما يخلق ضغوطا تضخمية قد تؤثر على القدرة الشرائية والاستقرار الاجتماعي. كما أن الميزان التجاري المغربي، الذي يعاني أصلا من عجز هيكلي، قد يتفاقم تحت ضغط فاتورة الطاقة، وهو ما يضع تحديات إضافية أمام السياسات المالية والنقدية.
في المقابل، تبدو الجزائر في موقع مختلف نسبيا، باعتبارها من الدول المصدرة للنفط والغاز. فارتفاع الأسعار العالمية قد يوفر لها مداخيل إضافية تدعم الميزانية وتخفف من الضغوط الداخلية. غير أن هذه الاستفادة تظل مشروطة بعدم تحول التوتر إلى اضطراب واسع في الأسواق أو تراجع في الطلب العالمي. كما أن الاعتماد الكبير على الريع الطاقي يجعل الاقتصاد الجزائري عرضة لتقلبات السوق، ما يحد من الأثر الإيجابي المستدام لأي ارتفاع ظرفي في الأسعار. وفي هذا السياق، قد تجد الجزائر نفسها أمام فرصة لتعزيز موقعها كمورد بديل للطاقة نحو أوروبا، خاصة في ظل سعي هذه الأخيرة لتنويع مصادرها وتقليل اعتمادها على مناطق النزاع.
أما تونس، التي تعاني من هشاشة اقتصادية ومالية، فإنها تعد من أكثر الدول تأثرا سلبا بارتفاع أسعار الطاقة. فزيادة كلفة الواردات الطاقية تضغط على المالية العمومية وترفع من عجز الميزانية، في وقت تواجه فيه البلاد تحديات في النمو والاستثمار. كما أن أي اضطراب في سلاسل الإمداد العالمية، سواء في الغذاء أو الأسمدة، قد يفاقم من الأوضاع الاجتماعية، خاصة في ظل حساسية السوق التونسية للتضخم.
إلى جانب الطاقة، يشكل الأمن البحري عاملا حاسما في نقل آثار الصراع إلى شمال إفريقيا. فالتوتر في الخليج قد يدفع إلى إعادة توجيه مسارات الشحن العالمية، مما يزيد الضغط على ممرات بديلة مثل قناة السويس والبحر الأحمر. وهذا بدوره يرفع تكاليف النقل والتأمين، ويؤثر على تدفقات التجارة بين آسيا وأوروبا، وهي تدفقات تعتمد عليها اقتصادات شمال إفريقيا سواء في التصدير أو الاستيراد. كما أن أي تعطل في هذه المسارات قد ينعكس على سلاسل التوريد الصناعية، خاصة في قطاعات تعتمد على المدخلات المستوردة.
على المستوى الجيوسياسي، قد يفتح انشغال القوى الكبرى بالصراع في الشرق الأوسط المجال أمام إعادة ترتيب النفوذ في إفريقيا. فشمال إفريقيا، بحكم موقعه الاستراتيجي، قد يصبح مجالا لتنافس متزايد بين القوى الدولية الباحثة عن الاستقرار الطاقي أو النفوذ السياسي. وفي هذا الإطار، قد تسعى دول المنطقة إلى إعادة موازنة علاقاتها الخارجية، سواء عبر تنويع الشراكات أو تعزيز استقلالية القرار الاستراتيجي.
على المدى المتوسط والبعيد، يمكن أن يشكل هذا النوع من الأزمات حافزا لإعادة التفكير في النماذج الاقتصادية. ففي المغرب، قد يتسارع الاستثمار في الطاقات المتجددة لتقليل التبعية للخارج، بينما قد تجد الجزائر نفسها أمام ضرورة تسريع تنويع اقتصادها لتفادي مخاطر الاعتماد على المحروقات. أما تونس، فقد تحتاج إلى إصلاحات هيكلية أعمق لتعزيز قدرتها على امتصاص الصدمات الخارجية.
في المحصلة، يكشف تأثير الحرب بين الولايات المتحدة وإيران على شمال إفريقيا عن ترابط عميق بين الجغرافيا السياسية والاقتصاد العالمي، حيث لا تبقى النزاعات محصورة في نطاقها الإقليمي، بل تمتد عبر قنوات الطاقة والتجارة والأمن لتعيد تشكيل التوازنات في مناطق بعيدة نسبيا. وتبقى قدرة دول مثل المغرب والجزائر وتونس على التكيف مع هذه التحولات رهينة بمدى مرونة سياساتها الاقتصادية ونجاعة استراتيجياتها في إدارة المخاطر الخارجية.
إرسال التعليق