الى كل من يهمه أمر المحاماة (إلى أين تسير ؟)
الى كل من يهمه أمر المحاماة (إلى أين تسير ؟)
رصد المغرب / حسن حلحول المحامي بهيئة الرباط
ثوابت المحاماة قوة ذاتية .
سمعنا ونسمع كل يوم نحن معشر المحامين كلاما مفاده،أن المحاماة لم تعد كما كانت شكلا ومضمونا، وانها تعيش مرحلة مفصلية و مخاضا عسيرا، قد يفضي عدم فهم واستيعاب الطفرة التي تعرفها والتحولات الجوهرية التي تطرأ عليها والتغييرات الجذرية التي تنسخ الأعراف والتقاليد، إلى محاماة جسد بلا روح صورة بلا جوهر عمل بلا أنسنة، جزء من أسرة القضاء بلا انتماء جنتك. وما يزيد الوضع أكثر ترديا عندما يسحب بساط تكوين المحامين المتمرنين من الهيئات المحامين التي تشرف عليها ،والتي يختص قيادمتهم في هذه الفترة التكوينية بالقاء دروس ومحاضرات عن الأعراف والتقاليد وفي شتى النصوص القانونية ،وفق ما يتماشى وعقل المحاماة الذي يختلف عن عقل القضاة لأن النظر الى القضية الواحدة يختلف فيها بين القاضي والمحامي،كل طرف ينظر من الزاوية التي يمارس فيها عمله ويتأثر بها، ولم يستوعب القضاة هذا الفرق إلا بعد التحاقهم بالمحاماة وهذا ما شهد به شاهد من أهلهم وهم مجمعين على ذلك، إذ بدأوا يبذلون مجهودا كبيرا للتأقلم مع جديد مهنتهم ، ومن ثم عندما سيصبح معهد أو معاهد لتكوين المحامين الذي ستتحكم فيها وزارة العدل التي ستحدد برامج التكوين والأطر المكونين لهم، فإن على الهيئات في شخص نقباء المحامين بتنسيق جمعية هيئات المحامين أن تبادر قبل فوات الأوان إلى اتفاق أساسي لا تنازل فيه على أن تكوين المحامين شأن داخلي من اختصاص هيئات المحامين محض، فإذا كان في إمكان الوزارة العدل أن تحدث معهد او معاهد جهوية ، فإنها يسلم تدبيرها وتسييرها إلى المحامين والا سيلقن للمحامي ما لا يلزم تلقينه عن طريق تمرير ما يجعل شاق عليه ممارسة مهنته بحرية واستقلالية لأن مفهوم هذا الأخير يختلف مفهومه بين المحامي و القاضي لكل واحد منهما مرجعيته ومصادر. إن ندوات التمرين جد مهمة في المسار المهني للمحامي لا يمكن الاستغناء عنها ولا يجوز تسليم مقاليد تدبيرها أو تسييرها إلى غير المحامين ،لن يسمح لنا التاريخ اذا ما فرطنا فيها وخرجت من صلاحيات جبة المحامين.كما قال السيد الفاضل رئيس النيابة العامة في كلمته الفاضلة الذي بين دور ندوة التمرين في تكوين المحامين وحث على السير على منوال سلف المحامين ونهل من معين الشرافاء واقتفاء آثارهم وطريقهم. وقد قال “إن فترة التمرين ليست مرحلة عمرية ماضية أو وقتا مهنيا عابرا، وليست انضباطا لقواعد سلوكية فحسب، بل هي الأساس التي ستتشكل وفقه شخصيتكم المهنية إنها مساحة وحقل تغرس خلاله بذرات وشتائل تكوينكم فيه توقظ المنافسة لصقل مهارة التدريب واكتساب أصول المهنة … التمرين مرحلة أساسية في مساركم المهني ففيها ترسم ملامح المحامي الناجح والمتميز وتذكروا جيدا زملائي زميلاتي…” إن كلام الرائع والراسخ للسيد الرئيس هو محوري وارضية وقاعدة للهيئات المحامين لجعل ندوة التمرين متصلة بالمحامين اشرافا وتدبيرا مرتبطة ارتباطا غير قابلة للفصل عنها ولا فطمها، وأن تلقين أصول المهنة لا يمكن أن يقوم بها غير المحامي ولن يطلع بها سوى المحامين، وأن المعهد هو عبارة عن معبد يدرس فيه عقيدة المحاماة ولايملك ناصيتها و يتقنها إلا هم وليس سواهم ، كما هو الحال بالنسبة للمعهد العالي للقضاء لا يلقن فيها الدروس للملحقين القضائيين سوى قضاة القادمة
منهم لهم من الخبرة والتجربة ما يخلوهم ذلك.
ولهذا عندما طرحنا السؤال إلى أين تسير المحاماة؟ كان سؤالا محوريا لفهم المرحلة التي نعيشها في خضم هذه التناقضات الثانوية والرئيسية ،الناتجة عن العوامل الداخلية والخارجية، التي يجب على كل محام أن يخوض فيها لتفكيك هذه الإشكالية، وتحديد ازمة المحاماة والإكراهات الآنية المتمثلة في مشروع تعديل قانون المنظم لها، والإكراهات المستقبلية المتمثلة في الذكاء الاصطناعي الذي يهدد كيانها الكينوني.
كما أن ثمة سؤال آخر في غاية الأهمية وهو ماذا نريد نحن من المحاماة قبل غيرنا؟ إن الجواب عن هذا السؤال بكل موضوعية دون اقحام ما هو إيديولوجي فيه ودون استحضار ما هو شخصي الترفع عن ذاتية ، واحتقار كل مخالف في الرأي واقصاءه ، من شأنه أن يجعل مستقبل المحاماة قلعة محصنة بالوعظ من حكمائها وإرشاد من نبهائها وصمود شبابها، إن ما نريد من المحاماة هو أن تبقى شامخة ابية كريمة كما كان عليه السلف، غير متأثرين بالقرارات الجوفاء والصراعات الفئوية التي تضعف وحدة وجودها.
الثابت والمتحول في المحاماة:
إن مهنة المحاماة تأرجحت في تاريخها المعاصر بين المد والجزر بين الثابت والمتحول حسب الظروف المحلية و العالمية، لقد تمحورت في سياقات فكرية وأيديولوجية وسياسية مختلفة وكان لها
دور طلائعي في التفاعل مع الأحداث والوقائع الاجتماعية ، فكان تأثيرها في الأحداث كبير ورئيسي وشخصية المحام لها وزنها ومؤثرة في المجتمع بشكل فعال ثقافيا سياسيا اجتماعيا اقتصاديا قانونيا،بل إليها يرجع الفضل في كثير من الأحداث غيرت مجرى البنية السياسية، وهذا ما جعل وجود الوجداني للمحاماة له كثير من الاعتبار، ويمكن تمييز بين ثلاث مدارس المكونة لشخصية المحامي وهي المدرسة التاريخية (الاصيلية )والمدرسة التقليدية (المحافظين) والمدرسة العصرية (الحداثيين )
– أولا المدرسة التاريخية:
إن المقصود هنا بالمدرسة التاريخية أي المدرسة الاصيلة المكونة من المحامين المغاربة الأصليين الذين عاشوا مخضرمين إبان الاستعمار وما بعد الاستقلال هي النواة الاولى التي تعزوا إلى إعطاء مؤسسة النقباء ومؤسسة رئيس جمعية هيئات المحامين دورا حاسما في نشوء ظاهرة الأعراف والتقاليد التي عرفت تراكمات تاريخية، التي كانت لها تأثيرا كبيرا على سلوك المحامين ، أي أن سلوك المحامين مماثلا للجميع أو ما يمكن أن نسميه” توجه الفعل الجماعي ” هذا التأثير المباشر للمدرسة التاريخية كان يستمد قوة تأثيرها في المشهد العام المكون في السلطة القضائية والسلطة السياسية والسلطة التنفيذية والسلطة الإعلامية ، واترجم ذلك بالأرقام لتقريب الفكرة أكثر فكانت نسبة التأثير مباشر وغير مباشر للمحامين في مصادر القرار يصل الى 60 % في سن تشريع للمحامين ، تأثير السلطة التنفيذية ممثلة آنذاك في وزير العدل تصل الى 30% والسلطة القضائية كانت ممثلة في الرئيس الأول للمجلس الأعلى سابقا والوكيل العام ب 10% لا تعدوا أن تكون سوى استشارية،اما الان العكس فإن ضعف مؤسسات الرسمية للمحامين جعل أن ينقلب ميزان القوى إلى السلطة القضائية (بجناحيها) التي تؤثر في صياغة التشريع بنسبة 40% ونسبة تأثير وزارة العدل 35% ونسبة تأثير جمعية هيئات المحامين ب 25%, مع الأسف وإن كان وزير العدل ينتمي إلى جسم المحامين ومهني قح ومن أطيب الخلق سلوكا ومعاملة، إلا أنه تنكر لبني جلدته وانسلخ عنهم ، ويرجع هذا الى تعصب سيادة الوزير لافكاره ولا يقبل أن يتراجع عنها معتقدا أنه المطلق لا نقول هذا ضدا له وانما هو الواقع وقد يصل إلى ادراك هذه الحقيقة عندما تنتهي مهمته ليس بالضرورة أن يرجع لممارسة المحاماة، وإنما عندما يراجع نفسه بالنقد الذاتي ،
حينئذ سيقول ما كنت اقصد ذلك وإنما نيتي حسنة وما حسبي إلا الإصلاح، والشيء الآخر قد يكون عاملا من عوامل تطرفه لأفكاره قد يرجع إلى أنه أخذ إصلاح قانون المحاماة والقوانين المرتبطة بها ، مأخذ تحدي مع المحامين وبالضبط مع بعض النقباء السابقين حتى ولو كان مخطئ في توجهه العام بل يمكن القول بأنه شخصن الأمور معهم فعمم وجعل من كل من خالفه عاداه ،لم يؤمن بالحوار إلا عند الضرورة الذي تم عليه الضغط بواسطة الوقفات والاحتجاجات، ولم يكن يوما مرنا في التعامل مع المحامين منذ البداية ،مما جعله أن يفتح عدة معارك تخص الحياة المهنية.
يمكن القول أن هذه المدرسة التاريخية، أسست للمحاماة مبادئها وخانها الزمان عندما لم تفكر في دسترة مهنة المحامين وفي سن قوانين أكثر تحصينا ،خصوصا وأن الفرصة كانت تسمح بذلك، وإن كان الظروف السياسية والصراع حول السلطة الذي عرف بسنوات الرصاص في المغرب، لم يكن تفكير منصب على هم المهني بالشكل الذي نجده في المرحلة اللاحقة عليها.
-ثانيا مدرسة التقليدية أو المحافظين :
إن جيل المحامين المنتمين لمدرسة المحافظين التي جاءت لاحقا للمدرسة التاريخية الأصيلة، تتمثل من جيل المحامين الذين جاؤوا ما بعد الاستقلال سميتهم بالمحافظين، لأنهم كانوا أشد حرصا للبقاء أوفياء لتعليم المدرسة التاريخية و المحامين الشرفاء الذين هم عنوان الشموخ والرفعة والصدق والتفاني لتحقيق رسالة المحاماة النبيلة المفرطة في الإنسانية .
إن المقصود من المحامين الشرفاء هنا، هم المحامون المحافظون يوصفون بهذه الصفة، أكثر من سابقيهم لأنهم حافظوا على تقليد سلفهم في كل شيء، المحامون هنا لا تفيد المعنى القانوني لها، الذي يدافع عن حقوق الأفراد وواجباتهم ، بل نعني به في هذا المقام الولاء والانتماء إلى مهنة عريقة،ليس إلى سلطة أو محكمة بل إلى الأنسانية وضميرها لذا فهي مع سياقات تعتبر المحاماة بوصفها شعورا وإدراكا وسلوكا وتصورات إيجابية.
وكلمة الشرفاء تعني عندهم القيم السامية والصدق المتعالي والأمانة والالتزام الأخلاقي العام وقول الحق، وتحقق هذه القيم لمن تمسك بها مكانة رفيعة بين الناس ،وتحدد علاقتهم به ومواقفهم منه ، وهؤلاء المحامون المنتمين إلى هذه المدرسة وضعوا في مرتبة التقدير والإجلال والتوقير داخل المجتمع، لأنهم حافظوا على الأعراف والتقاليد بل شدود على احترامها إلى درجة التقديس.
بيد أن هذه المدرسة بالرغم قوتها المستمدة من احترام والتقدير الذي كانت تحظى به ، إلا إنها لم تستوعب ما كان يطرأ من التحولات حولها ،فهي غالت في تقديس مؤسسة النقيب ورئاسة الجمعية ،واخفقت في الرفع من مستوى المهنة وتحصين مكسبها في محطتين تاريخيتين أساسيين لن تتكرر ابدا.
المحطة الأولى: عبد الرحمان اليوسفي الوزير الأول 1998 -2002:
تعتبر فترة اشتغال عبد الرحمن اليوسفي رحمة الله عليه منصب الوزير الأول، فرصة ذهبية لرفع من مستوى تحصين قانون المحاماة ،وذلك بإصدار قانون المهنة متقدم وكذا قوانين المرتبط بالمحاماة من قانون المسطرة المدنية والجنائية، خصوصا وأن الرجل محامي ويحب المهنة إلى حد الهيام ، فضلا على أن وزير العدل في حكومته أيضا كان محامي فكانت فرصة ليس لها مثيل ، لكن المحامين المحافظين لم يلتفتوا إلى الشأن المهني ، واهتموا بدل ذلك بالسياسة العمومية علما ان المحامين من هذا الجيل كان الاتحاد الاشتراكي يشكلون أغلبية ومن بينهم الاستاذ المقتدر عبد الكبير طبيح الذي كان يترأس لجنة التشريع وغيره كثر من المحامين في قطاع المحامين الاتحاديين.
المحطة الثانية: تعديل الدستور 2011 : تعد هذه المرحلة مفصلية ولا تعوض وما اعتقد ان تأتي فرصة مثيل لها ، لأن هذا الدستور جاء في ظروف مواتية إذ لأول مرة في تاريخ تعديل الدفاتر في المغرب، يسمح بفتح النقاش العمومي في الشارع العام ،كما طلب من المجتمع المدني والمهني إلى تقديم المقترحات، إلا أن لم يكون المحامين المحافظين في المستوى الدفاع مع العلم أنهم أهل في الدفاع ويتفننون فيه وجزء من شخصية المحامي.
ثالثا المدرسة العصرية (الحداثيين):
جيل هذه المدرسة هم الشباب يضاف إليهم شباب جيل z الذي عرفوا بتمردهم على كل ما تقليدي ،فظهرت منظمات الشبابية موازية تتخذ القرارات مستقلة عن النقيب ومجالسها بل أحيانا تسبق القرارات هيآتهم ، هذا شيء طبيعي هي شيمة الشباب الذي يطبع بالاندفاع، هذا الجيل في تواصله مع شباب المحامين في كافة ربوع المملكة ، يتواصل معهم مستخدما وسائل التواصل الاجتماعي مما يشكل قوة ضاغطة تتدخل في القرارات النقباء المصيرية فما فتئت تطلب أن تخبر بجميع الاجتماعات سواء المتعلقة لجمعية هيئات المحامين أو ما يتعلق بالهيئات النقابية ، هذا التمرد الشبابي وصل بعض الأحيان إلى الاصطدام مع نقباء هم ، بل إن هؤلاء الشباب لم يعودوا يتمسكون بالاعراف والتقاليد التي يرون فيها نوع من الوصايا وإقصاء لحقوقهم المشروعة، ويطلبون بأن يكون قانون المهنة الذي هو بصدد عرضه ،أن يتضمن نصوص متقدمة حداثية
تستجيب للتطورات والتحولات العالمية ،تخرجهم من دائرة الوصاية إلى دائرة الاستقلالية دون الاعتبار لا إلى مؤسسة النقباء أو المجالس.
نحن نسير إلى مرحلة ما بعد مؤسسة النقباء إلى مرحلة يكون فيه اتخاذ القرارات تشاركية،
يكون فيها الطابع الحداثي والفكر تسييري منفتح أكثر على القاعدة الانتخابية الشبابية.
-*عقلانية المحاماة المشروعة:
إن عقلنت المحاماة يعني الكثير ويمس هيكلها في صميم، عقلانية المحاماة هو تجديدها من الداخل وبناءها بناء قويا،وذلك بإعطاء الأولوية للعقل وتغلبه على العواطف والأحاسيس التي تعد المركز في بناء الأعراف والتقاليد.
إن تقليص سلطة الأعراف والتقاليد في مهنة المحاماة واستبدالها بكل ما هو عقلاني في بناء العلاقة المحاماة بمؤسساته المهنية من النقابات ورئاسة جمعية هيئات المحامين وكذا مع جميع السلطات التي تحيط بالمحاماة، معطى تفرضها التحولات التي عرفها الجهاز القضائي الذي مازال مؤسساتنا تستعمل أساليب التقليدية في التعاطي معها، علما إنها تجاوزت الفكر الكلاسيكي في التعامل معها، هذا النموذج التفاوت بين المحاماة وبين وزارة العدل من جهة وبين السلطة القضائية من جهة أخرى، ظهرت الكاريزمات الشبابية تتعارض مع الكاريزمات جمعية هيئات المحامين زاعمة وقف كل مقدس ليتم فسح المجال للحوار في إطار التشاركية في اتخاذ القرار مع احترام والتقدير كل رموز اعتباريا فحسب.
هل المحاماة تسير مع التطور الذكاء الاصطناعي وتوسع قاعدة الشبابية التي لم تعش عصر الذهبي لمهنة المحاماة، إلى فقدان هيئاتها السيطرة ،على أفعال المحامين ولن يكون لها أي تأثير مادي عليهم سوى ما يتعلق بالتأثير الرمزي نقط.
إرسال التعليق