آخر الأخبار

برنامج بدعم من الاتحاد الأوروبي يجمع شبابًا من المغرب وأوروبا لمكافحة خطاب الكراهية عبر الذكاء الاصطناعي

برنامج بدعم من الاتحاد الأوروبي يجمع شبابًا من المغرب وأوروبا لمكافحة خطاب الكراهية عبر الذكاء الاصطناعي

رصد المغرب 

يشهد العالم اليوم، والمغرب من بينه، تحديًا متزايدًا يتمثل في انتشار خطاب الكراهية على الإنترنت، وما يخلّفه من آثار سلبية على التعايش الاجتماعي والقيم الديمقراطية. فمع توسع استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت المعلومات المضللة والسرديات السلبية تجد طريقها بسهولة إلى الناس، فتغذي سوء الفهم والانقسام داخل المجتمع. ويقع الشباب في قلب هذا المشهد، فهم الأكثر تفاعلاً مع العالم الرقمي، لكنهم أيضًا الأكثر عرضة للتأثر به، سواء عبر التلاعب بالمعلومات أو الانجراف وراء الأفكار المتطرفة. ومع ظهور تقنيات الذكاء الاصطناعي، أصبحت الصورة أكثر تعقيدًا، إذ بات من الممكن إنتاج محتوى رقمي يبدو حقيقيًا لكنه في الواقع مفبرك ومضلل، مما يفتح الباب أمام موجات جديدة من التضليل وخطاب الكراهية.

لكن رغم هذه التحديات، يظل الذكاء الاصطناعي فرصة كبيرة إذا استُخدم بطريقة مسؤولة. فهو قادر على المساعدة في رصد المحتوى الضار، وتعزيز التفكير النقدي، ونشر الوعي الرقمي بين الشباب. ومن خلال تعلم كيفية التعامل الواعي والأخلاقي مع أدوات الذكاء الاصطناعي، يمكن للشباب تحويل التكنولوجيا من وسيلة للانقسام إلى وسيلة للتواصل والتفاهم والمواطنة الفاعلة. ومن هذا المنطلق، جاءت مشاركة يورو ميد إيف المغرب (Euromed EVE Morocco) في المبادرة الدولية “الذكاء الاصطناعي التوليدي – تحديات القطاع الشبابي وتأثيراته”، التي تهدف إلى تحويل الذكاء الاصطناعي إلى أداة لبناء ثقافة رقمية أكثر وعيًا ومسؤولية.

تسعى هذه المبادرة الرائدة إلى الجمع بين العمل الشبابي والتكنولوجيا الحديثة والمشاركة الديمقراطية، من خلال تمكين الشباب والعاملين في المجال الشبابي من اكتساب مهارات رقمية وأخلاقية تساعدهم على التعامل بذكاء مع عالم رقمي سريع التغير. فهي تشجع الشباب على التفكير النقدي، وكشف السرديات المضللة، ونشر ثقافة الاحترام والتنوع على الإنترنت. وبهذا، لا يقتصر هدف المشروع على محاربة خطاب الكراهية فقط، بل يتجاوز ذلك إلى بناء جيل يؤمن بالحوار والانفتاح، ويملك أدوات المواطنة الرقمية الواعية. كما يواكب المشروع التحولات في سوق العمل، عبر تعزيز المهارات الجديدة المطلوبة لمواجهة التضليل الإعلامي وصناعة محتوى إيجابي يكرّس قيم التعايش والسلام.

وقد انطلقت هذه الرؤية رسميًا في بروكسيل – بلجيكا خلال الاجتماع الافتتاحي للمشروع الذي عُقد من 16 إلى 19 فبراير 2025، وهو لقاء جمع ممثلين عن ست منظمات شريكة من حوض المتوسط. كانت أجواء اللقاء مليئة بالحماس والتعاون، حيث عملت الفرق المشاركة على وضع خريطة طريق واضحة لمشروع “الذكاء الاصطناعي التوليدي – تحديات القطاع الشبابي وتأثيراته”، ضمن برنامج إيراسموس+ لبناء القدرات. وعلى مدى يومين من النقاشات الثرية، ناقش الشركاء أفضل الطرق لمواجهة التضليل الرقمي وخطاب الكراهية، وتعزيز الاستخدام الأخلاقي والمسؤول للتكنولوجيا بين الشباب.

وقد شارك في الاجتماع ممثل عن برنامج إيراسموس+، الذي قدّم إرشادات مهمة حول سير الأنشطة وأكد على ضرورة أن تكون كل الابتكارات التكنولوجية موجهة بقيم إنسانية وأخلاقية. ومن خلال هذا التعاون البنّاء، وُضع جدول زمني لأنشطة تدريبية وتنقلات شبابية في المغرب وفرنسا والأردن وإيطاليا، إلى جانب خطة تواصل واضحة لضمان وصول المشروع إلى أكبر عدد من الشباب. كما تم الاتفاق على استخدام أدوات رقمية ومنصات تعليمية تفاعلية تدعم التعاون بين الثقافات وتشجع التعلم المشترك عبر الحدود.

ولم يكن هذا اللقاء مجرد انطلاقة إدارية، بل كان بداية لمسار مشترك يجمع بين منظمات تؤمن بأن الشباب هم المفتاح لبناء عالم رقمي أكثر عدلاً وإنسانية. فالمشروع يجمع بين ست مؤسسات شريكة هي: يورو ميد إيف تونس ، منتدى الابتكار الشبابي الأردني ، يورو ميد إيف بلجيكا ، AVEC فرنسا ، كالييدوسكوبو إيطاليا ، ويورو ميد إيف المغرب ، لتشكّل معًا شبكة متوسطية نابضة بالحياة تسعى إلى تحويل التحديات الرقمية إلى فرص للتعلم والحوار وبناء السلام.

أما بالنسبة لـ يورو ميد إيف المغرب، فلهذا المشروع أهمية خاصة. فهو امتداد لالتزام المنظمة المتواصل بتعزيز الحوار بين الثقافات والمشاركة المدنية والاستخدام الأخلاقي للتكنولوجيا. ومن خلال دمج مفاهيم الذكاء الاصطناعي في برامج التكوين الشبابي، تسعى المنظمة إلى تمكين الشباب من فهم التأثير الاجتماعي للتواصل الرقمي وتشجيعهم على بناء ثقافة رقمية قائمة على المسؤولية والاحترام. وتعمل أنشطة المشروع أيضًا على تطوير مهارات التفكير النقدي والذكاء العاطفي، إلى جانب تعزيز قيم المواطنة والانفتاح والتعاون، وهي ركائز أساسية لبناء مجتمع ديمقراطي قوي ومتوازن.

وفي زمن تتزايد فيه الانقسامات والمعلومات المضللة، تذكّرنا مبادرة “الذكاء الاصطناعي التوليدي – تحديات القطاع الشبابي وتأثيراته” بأن التكنولوجيا ليست عدوًا للإنسان، بل يمكن أن تكون أداة للخير حين تُستخدم بوعي وإنسانية. فالتعليم والتعاون الدولي والابتكار الأخلاقي هي مفاتيح تحويل الذكاء الاصطناعي إلى قوة إيجابية تُسهم في خلق فضاءات رقمية أكثر أمنًا وعدلاً ورحمة.

وفي الختام، يواصل يورو ميد إيف المغرب وشركاؤه المضي قدمًا في هذا المسار الطموح لبناء مستقبل رقمي يقوم على قيم التسامح والتفاهم والاحترام المتبادل. وسينتقل المشروع في مراحله المقبلة إلى تنفيذ أنشطته الميدانية من تدريبات وتبادلات وورش عمل إبداعية في مختلف بلدان المتوسط، لتمكين الشباب من أن يكونوا فاعلين في تشكيل عالم رقمي أكثر وعيًا وإنسانية. وستتابع المقالات القادمة توثيق هذه الرحلة، ومشاركة قصص الشباب وتجاربهم وإنجازاتهم في مواجهة خطاب الكراهية، وبناء فضاء رقمي يقوم على التعايش والسلام.

إرسال التعليق