آخر الأخبار

بيان تمارة بين مناهضة الإمبريالية وإعادة تموضع اليسار المغربي في سياق التحولات الدولية

بيان تمارة بين مناهضة الإمبريالية وإعادة تموضع اليسار المغربي في سياق التحولات الدولية

 رصد المغرب

 

يأتي بيان فرع تمارة لـ الحزب الاشتراكي الموحد في لحظة إقليمية ودولية شديدة التوتر، تتداخل فيها الحرب في أوكرانيا مع تصاعد الصراع في ما يُعرف بالشرق الأوسط، خصوصاً في ظل استمرار الحرب في غزة وتعقّد علاقات القوى الكبرى بالمنطقة. في هذا السياق، يعكس البيان تموقعا سياسيا واضحا ضمن تقليد يساري مناهض للهيمنة الغربية، مع إعادة صياغة خطاب “مناهضة الإمبريالية” بلغة محدثة تستحضر تحولات النظام الدولي دون أن تتخلى عن مرتكزاته النظرية الكلاسيكية.

فاللغة المعتمدة تحيل إلى قاموس اليسار التاريخي، من قبيل “العدوان الإمبريالي” و“الهيمنة” و“محور المقاومة” و“إسرائيل الكبرى” و“النظام الدولي القائم على القواعد”. وهو اختيار دلالي ليس بريئا، بل يندرج ضمن رؤية تعتبر أن ما يجري ليس مجرد توترات متفرقة، بل تعبير عن صراع بنيوي على إعادة ترتيب موازين القوى العالمية. ضمن هذا المنظور، تقدم الولايات المتحدة والغرب باعتبارهما فاعلين يسعيان إلى تحجيم القوى المناوئة، وعلى رأسها إيران، التي لا تُستحضر في البيان فقط كدولة ذات مصالح، بل كرمز في معادلة “المقاومة” في مواجهة إسرائيل، في مقابل تصور يرى أن هذه الأخيرة تمضي في مشروع توسعي مدعوم غربياً.

البيان يربط بوضوح بين الحرب في أوكرانيا، والصراع في فلسطين، والتصعيد ضد إيران، مقدما إياها كحلقات ضمن مشروع واحد لإعادة هندسة المجال الجيوسياسي للمنطقة. هذا الربط يعكس تصورا شموليا للصراع، يعتبر أن الأحداث ليست معزولة بل مترابطة ضمن استراتيجية كبرى لإعادة تشكيل الشرق الأوسط وضبط توازناته بما يخدم مصالح القوى المهيمنة. كما أن انتقاد “النظام الدولي القائم على القواعد” يتجاوز مجرد الرفض الخطابي، ليعبّر عن تشكيك في شرعية احتكار الغرب لتعريف القواعد ذاتها، في مقابل التشبث بمرجعية ميثاق الأمم المتحدة ومبدأ سيادة الدول.

ولا يقف البيان عند حدود التحليل الدولي، بل ينتقل إلى المستوى الوطني، حيث يندد بمنع الوقفات الاحتجاجية في الرباط وطنجة، ويشير إلى ما يعتبره انخراطاً مغربياً في أطر إقليمية بديلة عن الأمم المتحدة، فضلاً عن انتقاد التطبيع الضمني مع إسرائيل. بهذا المعنى، يتحول البيان إلى وثيقة سياسية موجهة للداخل المغربي أيضاً، تؤكد تموقع الحزب داخل معسكر المعارضة المناهضة للتطبيع والمدافعة عن الحريات العامة، وتربط بين الموقف من القضايا الدولية ومطلب صون حرية التعبير والاحتجاج السلمي داخلياً.

ويستند البيان إلى مرتكزات القانون الدولي لتعزيز منطقه السياسي، من خلال الدفاع عن حق الدول في التكنولوجيا النووية السلمية، ورفض الكيل بمكيالين في ملف السلاح النووي، وإدانة الاغتيالات السياسية، والتشديد على حرية التعبير والتظاهر. هذا البعد القانوني يمنحه غطاءً يتجاوز الطابع التعبوي، ويضفي عليه مسحة معيارية تستند إلى مفاهيم السيادة وحق الشعوب في تقرير المصير، بما يسمح له بتقديم نفسه كخطاب حقوقي بقدر ما هو خطاب سياسي.

مع ذلك، يطرح البيان بعض الإشكاليات المحتملة، من بينها اعتماد توصيفات قطعية قد تُفهم كاصطفاف غير نقدي مع إيران، في ظل غياب أي إشارة لتعقيدات الداخل الإيراني أو لتوازنات إقليمية أخرى. كما أن ارتفاع منسوب اللغة التعبوية قد يحدّ من قدرته على مخاطبة جمهور أوسع خارج القاعدة اليسارية التقليدية، خصوصاً في سياق مغربي يتسم بتعدد الحساسيات السياسية وتباين المواقف من التحالفات الدولية.

في المحصلة، يعكس البيان محاولة واضحة من الحزب الاشتراكي الموحد لإعادة تثبيت هويته كقوة يسارية مناهضة للإمبريالية والتطبيع، ومدافعة عن الحريات العامة، في لحظة دولية مضطربة تتسم بإعادة تشكيل التحالفات والاصطفافات. إنه بيان تموقع سياسي بامتياز، يعبّر عن استمرار حضور خطاب الصراع الكوني في وعي جزء من اليسار المغربي، ويكشف في الآن ذاته عن التوتر القائم بين اعتبارات السيادة الوطنية ومسارات الانخراط في تحالفات دولية جديدة، بما يجعل منه نصاً سياسياً يعكس تعقيدات اللحظة أكثر مما يقدم أجوبة نهائية عنها.

إرسال التعليق