رصد المغرب / التنسيقية المغربية لقدماء المعتقلين الإسلاميين بالمغرب
في الكلمة التي ألقاها وزير العدل المغربي عبد اللطيف وهبي أمام اللجنة المعنية بحالات الاختفاء القسري في جنيف، حاول تسويق صورة المغرب الحقوقي الجديد الذي قطع مع ماضيه الأسود، إلا أن التدقيق في تفاصيل الكلمة ومقارنتها بواقع المعتقلين الإسلاميين يكشف عن فجوات صارخة، فبينما كان الوزير يتحدث عن طي ملف الماضي وحظر الاختطاف دستوريا، كانت الوقائع على الأرض تسجل استمرار سنوات رصاص من نوع آخر بدأت منذ عام ألفين واثنين، ولم تنته فصولها بعد، لقد ادعى الوزير أن الاختفاء القسري في المغرب أصبح أعدادا محدودة ومرتبطا بحقبة تاريخية ولت، لكن الحقيقة الموثقة تشير إلى أن ما بعد أحداث مايو ألفين وثلاثة شهد حملات اختطاف واسعة، طالت أكثر من ألفي شخص تقريبا من التيار الإسلامي نقلوا إلى معتقل تمارة السري ضواحي الرباط، هذا المركز الذي ظل خارج رقابة القضاء لسنوات، كان مسرحا لعمليات اختفاء قسري مؤقت، حيث يحتجز المعتقل لأسابيع أو أشهر دون علم ذويه، وهي وقائع وثقتها منظمات دولية مثل “هيومن رايتس ووتش” و”أمنستي” بل واضطرت الدولة للاعتراف بوجوده تحت ضغط حراك فبراير ألفين وأحد عشر.
وعندما تفاخر الوزير بجبر الضرر وصرف ملايين الدولارات كتعويضات، فإنه تعمد إغفال أن هذه التعويضات كانت انتقائية سياسية بامتياز. فقد استفاد منها ضحايا الحقبة اليسارية بينما تم استثناء آلاف المعتقلين الإسلاميين الذين تعرضوا للتعذيب الممنهج في سجن سلا والقنيطرة وتيفلت بعد عام ألفين وثلاثة. إن مئات الحالات لمواطنين أطلق سراحهم بعد سنوات من السجن دون ثبوت تهم الإرهاب ضدهم أو قضوا عقوبات بناء على محاضر تمارة لم يتلقوا أي اعتذار أو تعويض، بل وجدوا أنفسهم أمام تهميش اجتماعي ممنهج يمنعهم من العيش الكريم مما يجعل المصالحة مجرد شعار للاستهلاك الخارجي، أما الحديث عن حظر التعذيب والمحاكمة العادلة فيصطدم بواقع محكمة الاستئناف بسلا، حيث ترفض المحاكم بشكل شبه دائم طلبات إجراء الخبرة الطبية للمعتقلين الذين تظهر عليهم آثار التنكيل وتعتمد بدلا من ذلك على محاضر المكتب المركزي للأبحاث القضائية كحقائق مطلقة.
إن استمرار سياسة العزل الانفرادي الكاشو في سجون مثل مول البركي بآسفي وتيفلت والزاكي وحالات الإضراب عن الطعام التي خاضها معتقلون احتجاجا على الحرمان من الحقوق الأساسية تؤكد أن الضمانات الدستورية التي ذكرت في جنيف تظل حبرا على ورق أمام المقاربة الأمنية الصرفة. إن خطاب الوزير وهبي في مارس ألفين وستة وعشرين لا يعدو كونه محاولة لتجميل الواجهة الدولية عبر تكرار أرقام هيئة الإنصاف والمصالحة القديمة، في حين أن جبر الضرر الحقيقي يبدأ بالاعتراف بضحايا الحقبة الإسلامية التي تلت عام ألفين واثنين، وفتح تحقيق مستقل في انتهاكات مراكز الاحتجاز وضمان ألا يعامل السجين الإسلامي في المغرب كمواطن من الدرجة الثانية خارج نطاق الحماية القانونية والدولية.
إرسال التعليق