“ثوار الجنوب” قوة غامضة تعيد خلط الأوراق في جنوب ليبيا
رصد اامغرب / أحمد خيا
شهد الجنوب الليبي خلال الأيام الماضية تطورا لافتا تمثل في بروز قوة جديدة تطلق على نفسها اسم “ثوار الجنوب”، في خطوة أربكت المشهد الأمني والعسكري في منطقة تعد من أكثر المناطق حساسية في البلاد، حيث ظهور هذه القوة لم يكن رمزيا فحسب، بل جاء مصحوبا بتحركات ميدانية سريعة قلبت معادلات النفوذ القائمة.
البداية كانت ذات دلالة سياسية واضحة، مع تداول صور ومقاطع تظهر تمزيق صورة قائد القيادة العامة “خليفة حفتر” في عدد من مناطق الجنوب، حيث سرعان ما تحول هذا الفعل الرمزي إلى تحرك عملي سيطرت خلاله المجموعة على عدد من المنافذ والنقاط الاستراتيجية، أبرزها كوداي بغرارة، ونقطة سلفادور، وصولا إلى منفذ التوم الحدودي مع دولة النيجر، الذي يعد شريانا حيويا للحركة التجارية والأمنية في المنطقة.
وبحسب مصادر محلية، رافقت هذه التحركات عمليات أسر لعناصر أمنية تتبع قوات حفتر، وصفت بأنها مقربة من الدوائر المدعومة إماراتيا، ما أضفى على الحدث أبعادا إقليمية تتجاوز كونه اشتباكا محليا محدودا.
تقدم مجموعة “ثوار الجنوب” نفسها باعتبارها كيانا يضم عناصر عسكرية وقوى مدنية من مختلف مكونات الجنوب الليبي، في محاولة لإظهار طابع جامع عابر للقبائل والانتماءات الضيقة. إلا أن هذه الرواية لا تزال محل تساؤل، في ظل غياب قيادة معروفة أو برنامج سياسي معلن، واقتصار خطاب المجموعة على شعارات عامة تتعلق بـتحرير الجنوب ورفض الهيمنة الخارجية.
هذا الغموض فتح الباب أمام عدة فرضيات حول طبيعة هذه القوة وخلفياتها، حيث ثمة من يرى أنها تعبير عن حالة احتقان محلي متراكمة في الجنوب التي تشعر قطاعات منها واسعة بالتهميش وبتحويل المنطقة إلى ساحة صراع بالوكالة، دون عائد تنموي أو أمني حقيقي. في المقابل، لا يستبعد مراقبون أن تكون هذه القوة مدعومة من طرف ليبي داخلي يناصب حفتر العداء، ويسعى إلى استنزافه في خاصرته الجنوبية.
أما الفرضية الأكثر حساسية، فتتعلق بإمكانية وجود دعم خارجي، خاصة في ظل التنافس الإقليمي على النفوذ في ليبيا ومنطقة الساحل. فالجنوب الليبي، بحدوده المفتوحة وتشابكاته مع دول الجوار، يعد ساحة مثالية لتوجيه رسائل غير مباشرة وإعادة رسم خطوط النفوذ، لا سيما إذا كان الهدف إضعاف الدور الإماراتي الداعم لحفتر.
في المحصلة، يعكس ظهور مجموعة “ثوار الجنوب” هشاشة الترتيبات الأمنية في جنوب ليبيا، ويؤكد أن السيطرة العسكرية القائمة هناك لا تزال عرضة للاهتزاز. وبينما تلتزم الأطراف الرسمية الصمت أو تكتفي بتصريحات مقتضبة، يبقى هناك سؤالا مفتوحا، وهو هل نحن أمام فاعل محلي عابر، أم بداية فصل جديد من الصراع على الجنوب الليبي بتشابكاته المحلية والإقليمية؟
إرسال التعليق