حين تركض وزيرة احتراما للوقت فإنه درس ياباني في ثقافة المسؤولية
رصد المغرب / عبد الكبير بلفساحي
في مشهد لافت انتشر بسرعة عبر منصات التواصل الاجتماعي، ظهرت وزيرة الأمن الاقتصادي اليابانية أونودا كيمي تركض مسرعة نحو مقر اجتماع وزاري، حيث لم يكن المشهد عاديا، لأنه ليس من المألوف أن يرى العالم وزيرة تركض بهذا الشكل وكأنها في سباق أولمبي. لكن خلف تلك اللحظات القصيرة قصة تعكس ثقافة كاملة تقوم على احترام الوقت والشعور العميق بالمسؤولية العامة.
كان من المفترض أن يبدأ الاجتماع الوزاري عند الساعة الثامنة وعشرين دقيقة صباحا، لكن الوزيرة وصلت إلى المكان في الثامنة وخمس وعشرين دقيقة، أي بعد الموعد بخمس دقائق فقط. في كثير من البلدان قد يعد الوصول بعد الموعد بدقائق أمرا طبيعيا، بل وحتى مقبولا تماما. لكن في اليابان، حيث تعد الدقة في المواعيد قيمة اجتماعية وثقافية راسخة، كان ذلك بالنسبة لها سببا كافيا للشعور بأنها تأخرت.
لم يلفت الانتباه مجرد سرعة ركض الوزيرة، بل ما حدث بعد ذلك. فقد وقفت أمام الصحافة وقدمت اعتذارا علنيا للشعب، مؤكدة أن مسؤولية المنصب تفرض على المسؤول أن يكون قدوة في احترام الوقت والانضباط. هذا الموقف البسيط ظاهريا أثار إعجاب الكثيرين حول العالم، واعتبره عدد من المتابعين نموذجا لما ينبغي أن تكون عليه علاقة المسؤول بالمسؤولية التي يحملها.
في اليابان، لا ينظر إلى الوقت باعتباره مجرد عنصر تنظيمي، بل بوصفه قيمة أخلاقية. التأخر عن الموعد لا يفسر غالبا كخطأ تقني فحسب، بل كنوع من عدم احترام الآخرين. ولذلك يصبح الاعتذار العلني أمرا طبيعيا عندما يشعر المسؤول بأنه لم يكن على مستوى التوقعات، حتى وإن كان الخطأ بسيطا.
هذا المشهد أعاد طرح سؤال يتكرر كثيرا في النقاشات العامة في العديد من الدول، وهو متى يشعر المسؤول بضرورة الاعتذار للرأي العام؟ وما الحد الذي يجعل التأخر أو التقصير شأنا يستوجب اعتذارا رسميا؟ لكن في مجتمعات تعلي من شأن المساءلة والشفافية، يصبح الاعتذار جزءا من ثقافة الحكم الرشيد. لأن المسؤول، مهما كان منصبه، يظل خادما للمصلحة العامة، ومسؤوليته لا تقتصر على اتخاذ القرارات، بل تمتد أيضا إلى احترام المواطن ووقته وثقته.
ربما لا يتعلق الأمر بالركض في حد ذاته، فالمشهد الرمزي لوزيرة تركض نحو اجتماع ليس هو القضية الأساسية. الرسالة الأهم تكمن في الوعي بأن المنصب العام تكليف قبل أن يكون تشريفا، وأن احترام الوقت والاعتراف بالخطأ—مهما كان بسيطا—هو ما يعزز ثقة المجتمع في مؤسساته.
هكذا تحولت دقائق معدودة وركضة قصيرة إلى درس عالمي في الانضباط والمسؤولية، لأن هذا الدرس يذكرنا بأن احترام الوقت قد يكون في بعض الأحيان مؤشرا على احترام أعمق، وهو احترام المواطن نفسه.
إرسال التعليق