عندما تهزم صحفية منظومة كاملة “جولي ك. براون وقضية إبستين”
رصد المغرب / عبد الكبير بلفساحي
ليست قصة جيفري إبستين مجرد حكاية عن ملياردير منحرف، بل شهادة دامغة على كيف يمكن للمال والنفوذ أن يشوها العدالة، وأن يفرغا القانون من معناه، لولا صحافة شجاعة قررت كسر الصمت، حيث
لأكثر من عقد، ظلت قضية إبستين مثالا صارخا على العدالة الانتقائية، وعشرات الفتيات القاصرات اتهمنه بالاستغلال الجنسي، وأدلة الشرطة في بالم بيتش كانت كافية لإحالته إلى محاكمة فيدرالية قاسية. لكن ما حدث كان العكس تماما، فهناك صفقة سرية، وعقوبة هزيلة، وحصانة غير مسبوقة امتدت لتشمل شركاء محتملين لم يكشف عن أسمائهم حتى اليوم.
هنا لا يمكن الحديث عن “خطأ قضائي” عابر، بل عن منظومة حماية كاملة فعلت لصالح رجل واحد، فقط لأنه يملك المال والعلاقات، حيث المدعي العام الفيدرالي آنذاك، ألكسندر أكوستا، لم يخفِ دوره في هذه المنظومة، بل وافق على صفقة انتهكت القانون الفيدرالي ذاته، حين حرمت الضحايا من أبسط حقوقهن، وهي المعرفة والمشاركة.
وسط هذا الصمت المريب، برز دور الصحفية الاستقصائية جولي ك. براون، والتي لم تكن قاضية ولا مدعية عامة، بل صحفية طرحت سؤالا بسيطا، وهو كيف نجا إبستين؟ حيث هذا السؤال وحده كان كافيا لفتح ملف أغلق عمدا، كذلك براون لم تكتف بالوثائق، بل ذهبت إلى الجرح مباشرة، واستمعت إلى النساء اللواتي كسرن نفسيا واجتماعيا، لأنهن اللواتي عشن سنوات من الخوف والعار، فيما كان المعتدي حرا طليقا، كما كشفت كيف استخدم القانون كسلاح ضد الضحايا، وكيف تحولت مكاتب النيابة من حامية للعدالة إلى درع يحمي النفوذ.
إن قيمة هذا التحقيق لا تكمن فقط في أنه أدى إلى إعادة اعتقال إبستين عام 2019، أو إلى استقالة وزير في حكومة أمريكية، بل في أنه أعاد تعريف دور الصحافة. لقد ذكرنا بأن الصحفي، حين يكون مستقلا وعنيدا، قد يفعل ما تعجز عنه المحاكم والمؤسسات مجتمعة.
وفاة إبستين في زنزانته – مهما كانت الرواية الرسمية – لم تغلق الملف أخلاقيا. بل زادت من الأسئلة حول من حموا، ومن نجا، ولماذا لم يحاسَطب شركاء محتملون كانوا جزءا من شبكة استغلال واضحة المعالم.
في النهاية، ليست جولي ك. براون بطلة القصة الوحيدة، كما تقول هي نفسها، لأن الأبطال الحقيقيون هن النساء اللواتي قررن الكلام، في عالم يعاقب الضحية أكثر مما يعاقب الجاني، لكن براون كانت الوسيط الذي أعاد أصواتهن إلى الفضاء العام، وأجبر العدالة – ولو متأخرة – على النظر في المرآة.
قضية إبستين تذكير مرير بأن العدالة لا تكون عمياء دائما، لكنها أحيانا تغمض عينيها عمدا. وعندما يحدث ذلك، لا يبقى لنا سوى صحافة حرة ترفض الصفقات، وتصر على أن الحقيقة، مهما تأخرت، لا تموت.
إرسال التعليق