آخر الأخبار

عندما يقرر العشرات مصير الملايين.فهل هي أزمة تمثيلية أم خلل بنيوي في العمل البرلماني؟

عندما يقرر العشرات مصير الملايين.فهل هي أزمة تمثيلية أم خلل بنيوي في العمل البرلماني؟

رصد المغرب / عبدالكبير بلفساحي


شهد مجلس المستشارين، خلال جلسة تشريعية عقدت اليوم الثلاثاء، المصادقة بالأغلبية على حزمة من مشاريع القوانين التنظيمية المرتبطة بالمنظومة الانتخابية. فقد حظي مشروع القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب بموافقة 48 مستشارا برلمانيا، مقابل معارضة اثنين وامتناع مستشار واحد عن التصويت، حيث صودق على مشروع القانون التنظيمي للأحزاب السياسية، ومشروع القانون الخاص باللوائح الانتخابية العامة وعمليات الاستفتاء واستعمال وسائل الإعلام العمومية في الحملات الانتخابية، بموافقة العدد نفسه تقريبا من المستشارين، دون تسجيل أي معارضة.

هذه الأرقام تطرح سؤالا محوريا لا يمكن تجاهله، وهو كيف يمكن لأقل من خمسين مستشارا أن يقرروا في قضايا وطنية تمس أكثر من 37 مليون مغربي، في حين يظل عشرات المستشارين الآخرين خارج دائرة اتخاذ القرار؟ وإذا كانت القوانين التنظيمية، وهي من أهم النصوص التي ترسم ملامح الحياة السياسية، تعتمد بهذا العدد المحدود، فما الحاجة إذن إلى مؤسسة تمثيلية تضم 120 مستشارا؟

الإشكال ذاته ينعكس على مجلس النواب، حيث يفترض أن يمثل 395 نائبا مختلف فئات الشعب، حيث الواقع التشريعي يظهر أن حضور أقل من ربع الأعضاء غالبا ما يكون كافيا لتمرير قوانين مصيرية. فإذا كانت قرابة مئة نائب فقط يضمنون النصاب ويصوتون على تشريعات تؤثر في حياة الأمة، فما جدوى الـ290 نائبا الآخرين؟ وهل يمكن تبرير استمرار تحمل الدولة لكلفة مالية ضخمة مقابل تمثيلية لا تمارس إلا من طرف قلة قليلة؟

لسنا هنا بصدد الدعوة إلى إلغاء المؤسسات التمثيلية أو التشكيك في شرعيتها، بل إلى طرح سؤال جوهري يتعلق بفعالية هذه المؤسسات، هو هل نحتاج عددا كبيرا من البرلمانيين أم نحتاج أداء برلمانيا مسؤولا وانضباطا في تحمل أعباء التمثيل؟ إذا كانت الغاية من المؤسسة التشريعية هي حماية مصالح المواطنين وممارسة الرقابة وصناعة القوانين، فإن هذه الأدوار تفقد معناها عندما يختزل العمل البرلماني في أقلية حاضرة مقابل أغلبية غائبة.

إن التفكير في تقليص عدد المقاعد أو إعادة توزيع الأجور والتعويضات قد يبدو طرحا منطقيا لدى فئة عريضة من المواطنين، لكنه في جوهره يعكس خللا أعمق، وهو ضعف ثقافة الحضور، وغياب الالتزام، وتحول النيابة البرلمانية لدى البعض إلى امتياز أكثر منها مسؤولية، حيث كل ذلك يعكس الحاجة الملحة إلى نظام داخلي أكثر صرامة يربط بين الحضور والمشاركة والأجر،د والمحاسبة.

في النهاية، إذا كان البعض يرفض هذا الرأي، فليقدم لنا جوابا واضحا، وهو ما هي القيمة الديمقراطية والعملية لمجلس يضم عشرات الأعضاء الذين لا يشاركون في صنع القرار؟ وما الفائدة من تمثيلية لا تترجم إلى إرادة سياسية داخل قبة البرلمان؟

إن النقاش ليس حول العدد، بل حول الدور والمسؤولية، والجدية في تمثيل الأمة. أما استمرار الوضع الحالي، فهو بلا شك مدخل لتراجع الثقة في المؤسسات وتآكل شرعية العمل البرلماني برمته.

إرسال التعليق