كيف نفهم سلوك ترامب تجاه فنزويلا وصمت النظام الدولي؟
رصد المغرب
ما جرى مع الرئيس الفنزويلي المنتخب لا يمكن فهمه كحادثة عابرة أو انزلاق ظرفي في السياسة الدولية، بل هو تعبير مكثف عن منطق مستقر في بنية النظام العالمي، حيث تصبح الشرعية الديمقراطية مقبولة فقط عندما تفرز نتائج منسجمة مع مصالح القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة. فاختيار الشعوب لا يحترم لذاته، بل يختبر أولا بمدى طاعته للمنظومة المهيمنة، فإن انسجم معها رفع شعار “الديمقراطية”، وإن تمرد عليها عوقِب الشعب قبل النظام، تحت عناوين شتى.
فنزويلا بما تملكه من احتياطي نفطي هائل وبما راكمته من خطاب سياسي مناهض للهيمنة الأميركية، تحولت إلى حالة نموذجية لـالدولة التي يجب كسرها لم يكن الصراع حول نزاهة الانتخابات أو طبيعة النظام السياسي، بل حول من يملك القرار السيادي في إدارة الثروة وتحديد التوجهات الاستراتيجية. لذلك لم تواجه التجربة الفنزويلية عبر صناديق الاقتراع أو التنافس السياسي، بل عبر الحصار والعقوبات وتجفيف الموارد وخلق أزمة معيشية خانقة، ثم تقديم هذه الأزمة بوصفها دليلا على فشل النظام في مفارقة أخلاقية صارخة تعاقب فيها الشعوب على خياراتها.
في هذا السياق، لم يكن ترامب استثناء بقدر ما كان تجسيدا فجا للحقيقة العارية للإمبريالية الأميركية. لم يأت بجوهر جديد، لكنه أزاح الأقنعة البلاغية التي اعتادت الإدارات السابقة الاختباء خلفها. لم يتحدث عن قيم كونية أو مسؤولية أخلاقية، بل عن صفقات ومصالح مباشرة: من لا يدفع لا يحمى، من يعارض يعاقب، ومن يملك ثروة ويرفض الخضوع يحاصر. بهذا المعنى، بدا سلوكه أقرب إلى منطق العصابات في العلاقات الدولية: حماية مقابل المال، بقاء مقابل الولاء، وعقاب لكل من يخرج عن الطاعة. تشبيه هذا السلوك بثقافة “الكاوبوي” ليس استعارة أدبية، بل امتداد تاريخي لمنطق سياسي تأسس على الإخضاع بالقوة، من إبادة السكان الأصليين إلى إخضاع دول الجنوب العالمي.
غير أن السؤال الأكثر إزعاجا لا يتعلق فقط بسلوك الولايات المتحدة، بل بصمت النظام الدولي الذي يفترض أنه وجد لضبط القوة لا لتبريرها. أين القانون الدولي؟ وأين المنظمات الحقوقية؟ ولماذا يسمح لقوة بعينها أن تنتهك سيادة الدول وتجوع الشعوب دون مساءلة حقيقية؟ الجواب يكمن في مأزق بنيوي عميق: هذه المنظمات تعتمد ماليا وسياسيا على القوى الكبرى، وتعمل داخل نظام صمم لحماية المنتصرين في الحرب العالمية الثانية لا لمحاسبتهم. لذلك تدان انتهاكات الدول الضعيفة بسرعة وحزم، بينما تبرر أو تغفل انتهاكات الكبار تحت مسميات ناعمة مثل العقوبات الذكية أو الضغط من أجل الإصلاح. هذا الصمت ليس حيادا، بل انحياز هيكلي ممأسس.
عمليانحن أمام عودة صريحة لمنطق الغلبة. القانون الدولي لم يلغ نظريا، لكنه علق فعليا عندما تتقاطع المصالح الاستراتيجية للقوى الكبرى. الرسالة التي يتلقاها العالم واضحة: السيادة مشروطة، والقرار الوطني مرهون، والثروة ليست ملكا خالصا لمن يعيش فوق أرضها. في هذا السياق، يفقد الخطاب الغربي حول “مكافحة التطرف” أي مصداقية أخلاقية، لأن التطرف لا يقتصر على جماعات غير دولية، بل قد يكون تطرفا دوليا ممأسسا، يمارس الحصار والتجويع وتدمير الدول باسم النظام العالمي والاستقرار.
المفارقة الكبرى أن هذه السياسات نفسها هي التي تنتج ما تزعم محاربته. عندما تحاصر الشعوب وتهان إرادتها الانتخابية وتفرض عليها نماذج سياسية واقتصادية بالقوة، فإن النتيجة الطبيعية ليست الاستقرار ولا الاعتدال، بل الراديكالية والانفجار والبحث عن بدائل عنيفة. هكذا يتحول “التطرف” من سبب إلى نتيجة، ومن ذريعة إلى ثمرة مباشرة لسياسات القهر والإذلال.
وفي السياق العربي، تتجلى هذه المعادلة بوضوح أكثر فجاجة. إسرائيل تفرض كأمر واقع مقابل “الحماية”، والمال الخليجي يطلب علنا مقابل الأمن، ومن يخرج عن الصف يهدد بالعقوبات أو الفوضى. لا نحن أمام تحالفات متكافئة، ولا أمام شراكات استراتيجية، بل أمام علاقة مافيوية دولية: ادفع تحمى، اعترض تعاقب. وهي علاقة لا تنتج أمنا حقيقيا، بل هشاشة دائمة وارتهانا متصاعدا.
الخلاصة أن المسألة ليست تمجيد العنف ولا الدعوة إلى منطق “الحديد بالحديد” بمعناه البدائي، بل إدراك حقيقة سياسية قاسية: الدول التي لا تحمي قرارها بشرعية داخلية حقيقية وبقوة مجتمعية واقتصادية وسياسية، تتحول إلى فرائس سهلة في نظام دولي لا يحترم إلا من يفرض احترامه. والأنظمة التي تراهن فقط على الخارج تستخدم عند الحاجة ثم ترمى عند أول تغير في المصالح. البديل ليس الخنوع، ولا المغامرة غير المحسوبة، بل بناء قوة داخلية تجعل كلفة الابتزاز أعلى من مكاسبه.
ما فعله ترامب ليس شذوذا في النظام الدولي، بل تعبير صريح عن منطقه العميق. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم لم يعد: هل هذا عدل؟ بل: كيف تحمي الشعوب نفسها في عالم لا يعترف إلا بمن يملك القدرة على فرض احترامه؟ ذلك هو التحدي الأخلاقي والسياسي الحقيقي لعصرنا.
إرسال التعليق