آخر الأخبار

وفاة عمر في المخفر: اختبار حقيقي لصدقية دولة المؤسسات

وفاة عمر في المخفر: اختبار حقيقي لصدقية دولة المؤسسات

 رصد المغرب/ محمد الغفري فاعل حقوقي

 

يشكل حادث وفاة الشاب عمر داخل مخفر للشرطة بمدينة الدار البيضاء، أثناء خضوعه للتحقيق على خلفية شكاية كان قد تقدّم بها ضد ضابطة أمن، لحظة صادمة للرأي العام. فالرواية الرسمية التي تحدثت عن “انتحار” شاب حاصل على ماستر في القانون، وفي قلب مؤسسة يفترض أنها تحمي الحقوق وتصون الكرامة، لم تُنهِ الجدل بل فتحت أسئلة عميقة حول الضمانات، والمسؤوليات، وحدود الثقة.

ليست المسألة هنا إدانةً مسبقة لأي جهة، ولا تبنيا لرواية دون أخرى، وإنما هي مطالبة صريحة بتطبيق القانون كاملاً غير منقوص، وبضمان تحقيق مستقل، شفاف، ومحايد، يبدّد الشكوك ويعيد الطمأنينة. فالدولة التي اختارت أن تبني شرعيتها على دولة المؤسسات والحق والقانون، مطالبة اليوم بأن تجعل من هذه القضية اختباراً حقيقياً لصلابة تلك المؤسسات.

المواطن البسيط، حين يطرق باب مخفر الشرطة، يفعل ذلك لأنه يؤمن أن القانون فوق الجميع. وحين يدخل شاب في مقتبل العمر إلى فضاء عمومي للتحقيق، يفترض أن يكون في حماية الدولة، لا في مواجهة مصير غامض. لذلك فإن السؤال المشروع الذي يطرحه كثيرون اليوم هو: إلى أي حد يمكن أن يطمئن المواطن على نفسه أو على أبنائه داخل فضاءات يفترض أنها وُجدت لحمايتهم؟

لقد أظهرت الدولة المغربية في محطات مفصلية قدرتها على تعبئة غير مسبوقة لحماية الأرواح وصون الكرامة. حين علق الطفل ريان أورام في بئر عميق، تابعت البلاد والعالم عملية إنقاذ استثنائية حُفِر فيها الجبل حجراً حجراً أملاً في الحياة. وحين استضاف المغرب كأس الأمم الإفريقية، قدّم صورة تنظيمية مشرّفة عكست كفاءة مؤسساته. وحين ضربت الفيضانات مناطق الشمال، تم إنقاذ عشرات الآلاف من المواطنين في عمليات تعبئة واسعة عكست أولوية حماية الإنسان.

الدولة التي تفعل ذلك قادرة أيضاً على أن تجعل من مخافرها فضاءات للعدالة لا موضعاً للريبة، وللشفافية لا للغموض. لأن الثقة في العدالة ليست ترفاً سياسياً، بل هي أساس الاستقرار، وشرط جاذبية الاستثمار، وضمانة أساسية للسياح الذين يقصدون المغرب وهم يبحثون عن الأمان قبل أي شيء آخر.

إن المطلوب اليوم ليس خطاب تهدئة عاطفي، بل إجراءات ملموسة:

فتح تحقيق قضائي مستقل تحت إشراف النيابة العامة المختصة.

تمكين أسرة الفقيد من كل المعطيات ذات الصلة.

نشر نتائج التحقيق للرأي العام بوضوح ومسؤولية.

تعزيز آليات المراقبة داخل أماكن الوضع تحت الحراسة النظرية، بما في ذلك التفعيل الصارم لوسائل التتبع والتسجيل وفق القانون.

فالعدالة لا تكتمل إلا حين تكون مرئية، وحين يشعر المواطن أن كرامته مصونة مهما كان موقعه. وإذا كانت قرينة البراءة مبدأً دستورياً، فإن قرينة الحماية كذلك يجب أن تكون قاعدة في كل فضاء أمني.

إن الدفاع عن دولة الحق والقانون يمرّ عبر لحظات صعبة كهذه، حيث يكون الخيار بين الاكتفاء بالرواية الجاهزة أو الذهاب إلى الحقيقة كاملة مهما كانت نتائجها. والحقيقة وحدها، لا غيرها، هي التي تعيد الطمأنينة، وتؤكد أن مخافر الشرطة في المغرب ليست مقبرة للعدالة، بل حصناً لها.

فالكرامة الإنسانية لا تتجزأ، وحماية الحقوق لا تحتمل الاستثناء. وكلما كانت الدولة قوية بمؤسساتها، كان أول واجباتها أن تُظهر هذه القوة في حماية أضعف مواطنيها، لا في الصمت على شكوكهم

إرسال التعليق