رصد المغرب/الحيداوي عبد الفتاح باحث
1 المقدمة
تشكل ظاهرة السلفية الجهادية أحد أبرز التحديات الأمنية والفكرية في العصر الحديث، لما لها من تأثيرات عميقة على الاستقرار الإقليمي والدولي. وفي قلب هذه الظاهرة، يبرز اسم أبي محمد المقدسي، الذي يعتبر أحد أهم المنظرين والمراجع الفكرية التي صاغت الأيديولوجية الجهادية المعاصرة. لقد ارتبط اسمه ارتباطا وثيقا بتنظيم القاعدة وفروعه، حيث كانت كتاباته بمثابة الدستور الفكري الذي استندت إليه هذه التنظيمات في تبرير عملياتها وتحديد مسارها العقدي. ومع ذلك، فإن المشهد الجهادي شهد تحولا جذريا مع صعود تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، الذي خرج من رحم تنظيم القاعدة في العراق، والذي أسسه تلميذ المقدسي الأبرز، أبو مصعب الزرقاوي. هذا الصعود لم يكن مجرد انشقاق تنظيمي، بل كان تمردا على المرجعية الفكرية للمقدسي نفسه، مما أدى إلى تراجع كبير في نفوذه وتأثيره، خاصة بين الأجيال الجديدة من المقاتلين الذين انجذبوا لنهج داعش الأكثر وحشية وتطرفا.
هذه الدراسة تسعى إلى فهم هذا التحول المعقد في مسيرة أبي محمد المقدسي، وكيف تحول من كونه الأب الروحي والمنظر الأبرز للسلفية الجهادية إلى شخصية جدلية فقدت الكثير من نفوذها بعد صعود داعش. إن تحليل هذا المسار يتيح لنا فهما أعمق لتطور الفكر الجهادي، والانتقال من مرحلة التنظير العقدي الصارم الذي مثله المقدسي، إلى مرحلة التطبيق الميداني العنيف وغير المنضبط الذي جسده تنظيم داعش. كما تساهم الدراسة في الكشف عن كيفية إعادة تشكيل خريطة التأثير والنفوذ داخل الحركة الجهادية العالمية، وتحديد حدود تأثير المنظر في مواجهة القائد الميداني الذي يتبنى نهجا أكثر عملية ومباشرة.
تتناول هذه الدراسة السيرة الذاتية للمقدسي، وأسسه الفكرية، ومؤلفاته الرئيسية، وتأثيره على الحركات الجهادية قبل ظهور داعش، ثم تركز بشكل خاص على أسباب تراجع نفوذه بعد صعود داعش وتداعيات هذا التراجع على مكانته في الحركة الجهادية. وتهدف الدراسة إلى تقديم تحليل شامل ومعمق لهذا التحول، معتمدة على مصادر أكاديمية وإعلامية موثوقة، لتقديم رؤية واضحة حول ديناميكيات الفكر الجهادي وتأثير المنظرين على مساره.
2 النشأة والتكوين الفكري لأبي محمد المقدسي
ولد عصام محمد طاهر البرقاوي، المعروف بأبي محمد المقدسي، في قرية برقة قرب نابلس بفلسطين عام 1959 [1]. انتقل مع عائلته إلى الكويت في سن مبكرة، حيث أكمل دراسته حتى المرحلة الثانوية [1]. كانت هذه الفترة المبكرة من حياته في الكويت ذات أهمية في تشكيل وعيه الديني، حيث بدأ التزامه مع الجماعات الإسلامية في أواخر دراسته الثانوية [1].
لم يكمل المقدسي دراسته الجامعية بالمعنى التقليدي. فقد التحق بجامعة الموصل في العراق لدراسة العلوم، لكنه لم يكمل دراسته بسبب ما اعتبره مخالفات شرعية مثل الاختلاط في الدراسة [1]. هذه الخطوة تعكس مدى صرامته في تطبيق المفاهيم الشرعية حتى في مراحل مبكرة من حياته. بعد ذلك، انتقل إلى السعودية في الثمانينيات، حيث حضر دروسا لكبار العلماء مثل الشيخ عبد العزيز بن باز [1]. تأثره بالدعوة النجدية وكتابات محمد بن عبد الوهاب كان له أثر بالغ في بلورة منهجه الفكري [1].
انخرط المقدسي في تيارات إسلامية متعددة خلال مسيرته الفكرية. بدأ بجماعة الإخوان المسلمين، ثم التيار السروري الذي أسسه محمد سرور، وصولا إلى التأثر ببقايا جماعة جهيمان العتيبي في الكويت [1]. هذا التنوع في التأثيرات، بالإضافة إلى تأثره العميق بفكر سيد قطب، ساهم في بلورة منهجه الخاص الذي استقر في النهاية على السلفية الجهادية [1]. يظهر هذا المسار الفكري المتعدد الأوجه أن المقدسي لم يكن مجرد مقلد، بل كان مفكرا يسعى لتكوين رؤيته الخاصة من خلال استيعاب وتجاوز الأفكار المختلفة.
شكلت فترات السجن الطويلة في الأردن، التي وصلت إلى ما يقارب 17 عاما، فضاء مهما لإنتاج أبرز كتاباته وتعميق أفكاره [1]. ففي السجن، وجد المقدسي الوقت والمساحة للتأمل والكتابة، مما أدى إلى انتشار أفكاره لاحقا عبر شبكة الإنترنت، ليصبح بذلك أحد أهم المنظرين الذين أثروا في الفكر الجهادي العالمي من خلال مؤلفاته التي أصبحت مرجعا أساسيا للعديد من الجماعات [1].
3 الأسس الفكرية للسلفية الجهادية عند المقدسي
بنى أبو محمد المقدسي منظومته الفكرية على مجموعة من الأسس الصارمة التي أصبحت لاحقا من ركائز الفكر الجهادي العالمي. هذه الأسس، التي تميزت بالوضوح والصرامة، شكلت المرجعية العقدية للعديد من التنظيمات الجهادية، وأبرزها تنظيم القاعدة وفروعه.
أ مفهوم الحاكمية وتطبيقاته
يعتبر مفهوم الحاكمية حجر الزاوية في فكر المقدسي. فقد اعتبر أن توحيد الحاكمية هو جوهر التوحيد، ويعني إفراد الله وحده بالتشريع والحكم. بناء على هذا المفهوم، رفض المقدسي بشكل قاطع جميع الأنظمة السياسية الوضعية والدساتير البشرية، واعتبرها أنظمة كفرية يجب على المسلمين البراءة منها ومحاربتها. هذا التأصيل للحاكمية يمثل امتداداً لأفكار سيد قطب، لكن المقدسي قدمها بصورة أكثر تفصيلا وتطبيقا على الواقع المعاصر، مما جعلها أساسا لتكفير الأنظمة الحاكمة في العالم الإسلامي.
ب الديمقراطية دين: تحليل ونقد
في كتابه الشهير الديمقراطية دين قدم المقدسي نقدا جذريا للديمقراطية، معتبرا إياها ليست مجرد نظام حكم، بل هي “دين بديل” يقوم على الشرك الأكبر. يرى المقدسي أن الديمقراطية تمنح حق التشريع للبشر بدلا من الله، وهو ما يتعارض مع مبدأ الحاكمية الإلهية. وبناء عليه، كفر كل من يشارك في العمليات الديمقراطية كالانتخابات والبرلمانات .هذا الموقف الصارم من الديمقراطية كان له تأثير كبير في عزل التيار الجهادي عن أي مشاركة سياسية، ودفعه نحو المواجهة المسلحة كسبيل وحيد للتغيير.
ج الولاء والبراء
يعتبر مفهوم الولاء والبراء من المفاهيم المحورية في فكر المقدسي، حيث دعا إلى موالاة المؤمنين ومناصرتهم، والبراءة الكاملة والعداء التام لـ الكفار والمشركين وقد شمل هذا المفهوم الأنظمة الحاكمة في العالم الإسلامي التي وصفها بـ المرتدة وكذلك الحركات الإسلامية التي تشارك في السياسة مثل الإخوان المسلمين وحماس. هذا التوسع في تطبيق مفهوم الولاء والبراء أدى إلى تضييق دائرة “الموالاة” وتوسيع دائرة “البراء”، مما ساهم في عزل الجماعات الجهادية عن قطاعات واسعة من المجتمع المسلم.
د الراية النقية وشروط الجهاد
اشترط المقدسي أن يكون الجهاد تحت راية نقية خالية من أي تحالفات مع الأنظمة الكافرة أو الفصائل المنحرفة. ورفض أي تنازلات عقائدية أو سياسية يمكن أن تشوب نقاء الهدف الجهادي. هذا المبدأ كان له تأثير كبير في تحديد مسار الجماعات الجهادية، حيث دفعها إلى رفض أي تعاون مع قوى غير جهادية، مما أدى في كثير من الأحيان إلى انقسامات داخلية وصراعات بين الفصائل المختلفة. هذه الأسس الفكرية مجتمعة جعلت من المقدسي المرجعية الشرعية الأولى لتنظيمات مثل القاعدة وفروعها، التي تبنت خطابه العقدي بشكل واسع
4 مؤلفات المقدسي وأثرها في نشر فكره
كتابات أبي محمد المقدسي تعد بمثابة موسوعة مرجعية للسلفية الجهادية، وقد ساهمت بشكل كبير في نشر أفكاره وتأصيل منهجه الفكري بين أتباع هذا التيار. وقد نشر المقدسي معظم مؤلفاته عبر موقعه الخاص منبر التوحيد والجهاد الذي أصبح منصة رئيسية لتداول الفكر الجهادي على الإنترنت.
أ عرض لأهم الكتب
من أبرز مؤلفات المقدسي التي شكلت ركيزة أساسية في الفكر الجهادي ما يلي:
ملة إبراهيم: يعتبر هذا الكتاب من أهم كتب المقدسي على الإطلاق، ويركز بشكل مكثف على عقيدة الولاء والبراء وضرورة التبرؤ من “الطواغيت” والأنظمة الشركية. يمثل هذا الكتاب تأصيلاً شرعياً لمفهوم التكفير، وقد كان له تأثير بالغ في تشكيل العقيدة الأساسية للعديد من الجماعات الجهادية، بما في ذلك تنظيم القاعدة. وقد طبع الكتاب لأول مرة في باكستان عام 1986 وترجم إلى عدة لغات [1].
الكواشف الجلية في كفر الدولة السعودية: خصص المقدسي هذا الكتاب لتكفير النظام السعودي مستندا إلى ما اعتبره مظاهر شركية مثل التحالف مع الغرب وتطبيق القوانين الوضعية يعكس هذا الكتاب مدى صرامة المقدسي في تطبيق مبدأ الحاكمية على الأنظمة الحاكمة، ويقدم رؤية نقدية حادة للعلاقات الدولية والتحالفات السياسية من منظور السلفية الجهادية.
الديمقراطية دين: كما ذكر سابقا يعد هذا الكتاب مرجعا أساسيا في تفنيد الديمقراطية وتكفير المشاركين فيها يقدم المقدسي في هذا الكتاب حججا شرعية مفصلة لرفض الديمقراطية كنظام حكم، معتبرا إياها مناقضة لمبدأ التوحيد والحاكمية الإلهية. وقد أثر هذا الكتاب بشكل كبير في عزل التيار الجهادي عن أي مشاركة سياسية أو ديمقراطية.
كشف النقاب عن شريعة الغاب: يتناول هذا الكتاب الرد على القوانين الوضعية والدساتير البشرية، ويؤكد على ضرورة التحاكم إلى شرع الله وحده. يكمل هذا الكتاب منظومة المقدسي الفكرية في رفض الأنظمة غير الإسلامية، ويقدم رؤية شاملة للحكم بما أنزل الله.
ب دور “منبر التوحيد والجهاد” في نشر أفكاره
لم تقتصر أهمية مؤلفات المقدسي على محتواها الفكري فحسب، بل امتدت إلى طريقة نشرها وتوزيعها. فقد كان موقع منبر التوحيد والجهاد الذي أسسه المقدسي، بمثابة المنصة الرئيسية التي أتاحت لأفكاره الانتشار الواسع بين أتباع السلفية الجهادية حول العالم في فترة ما قبل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي بشكلها الحالي، كان هذا الموقع يمثل مصدرا موثوقاً للمادة الفكرية الجهادية، مما ساهم في ترسيخ مكانة المقدسي كمرجع فكري لا غنى عنه. وقد أتاح هذا الموقع للمقدسي التواصل المباشر مع جمهوره، ونشر كتبه ومقالاته، والرد على الشبهات، مما عزز من تأثيره ونفوذه الفكري.
5 تأثير المقدسي على الحركات الجهادية قبل داعش
امتد تأثير فكر أبي محمد المقدسي إلى العديد من الساحات الجهادية حول العالم، مما جعله مرجعية فكرية أساسية للعديد من التنظيمات قبل ظهور تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). وقد لقب المقدسي بـ “الأب الروحي” و”المنظر الأبرز” للسلفية الجهادية، وتأثر به عدد كبير من رموز الجهاد العالمي.
أ علاقته بالقاعدة ورموزها (الزرقاوي، الظواهري)
كان للمقدسي علاقة وثيقة بتنظيم القاعدة ورموزه البارزين. فقد كان له تأثير مباشر على أبي مصعب الزرقاوي، الذي التقاه في السجن بالأردن وأصبح تلميذه الأبرز. تبنى الزرقاوي اسم موقع المقدسي التوحيد والجهاد ليطلقه على جماعته في العراق، والتي أصبحت فيما بعد نواة لتنظيم الدولة الإسلامية. ورغم هذا التأثير الكبير، ظهرت خلافات مبكرة بينهما حول غلو الزرقاوي في تكفير الشيعة واستهدافهم العشوائي، مما يدل على أن المقدسي كان يضع حدودا معينة للتطرف حتى قبل ظهور داعش.
كما استشهد أيمن الظواهري، زعيم تنظيم القاعدة السابق، بكتابات المقدسي في رسائله لتأكيد “سلامة” منهج القاعدة. هذا يوضح مدى الأهمية التي كان يوليها قادة القاعدة لأفكار المقدسي كمرجعية شرعية تبرر عملياتهم وتوجهاتهم. لقد لعب المقدسي دورا محوريا في صياغة الخطاب العقدي للجهاد العالمي، وتوفير المرجعية الشرعية التي استندت إليها القاعدة والجماعات المتحالفة معها لتبرير عملياتها.
ب تأثيره في ساحات الجهاد المختلفة (أفغانستان، العراق، غزة، سوريا)
أفغانستان: دعم المقدسي الجهاد ضد السوفييت ثم ضد القوات الأمريكية في أفغانستان، لكنه انتقد بعض تحالفات المجاهدين التي اعتبرها مخالفة لمبدأ الراية النقية. هذا يبرز التزامه الصارم بمبادئه الفكرية حتى في سياقات الجهاد العملي.
العراق: كان تأثيره على الزرقاوي في العراق هو الأبرز، حيث شكلت أفكاره الأساس الذي بنى عليه الزرقاوي جماعته. ورغم الخلافات حول الغلو، إلا أن بصمة المقدسي الفكرية كانت واضحة في نشأة تنظيم القاعدة في العراق.
غزة: كفر المقدسي حكومة حماس بعد مشاركتها في الانتخابات التشريعية عام 2006، معتبرا ذلك شركا وتنازلا عن مبدأ الحاكمية. هذا الموقف يعكس مدى صرامته في تطبيق مفهوم الحاكمية ورفضه لأي مشاركة في الأنظمة الديمقراطية.
سوريا: دعم المقدسي الجماعات السلفية الجهادية مثل جبهة النصرة في سوريا، لكنه رفض تحالفاتها مع الفصائل الوطنية أو تلقي الدعم من دول إقليمية. ودخل في جدالات حادة لاحقا مع هيئة تحرير الشام بعد ابتعادها عن تنظيم القاعدة. هذه الجدالات تظهر تمسك المقدسي بمبدأ الراية النقية ورفضه لأي انحراف عن الخط الجهادي الذي يؤمن به.
ج الجدالات والخلافات المبكرة (مع الزرقاوي حول الغلو)
على الرغم من العلاقة القوية بين المقدسي والزرقاوي، إلا أن خلافات مبكرة نشأت بينهما حول مسألة الغلو في التكفير، خاصة فيما يتعلق باستهداف الزرقاوي العشوائي للشيعة .هذه الخلافات تشير إلى أن المقدسي، على الرغم من تطرفه في بعض الجوانب، كان لديه خطوط حمراء فيما يتعلق بالتكفير والقتل العشوائي، وهي نقاط ستبرز بشكل أكبر في خلافه مع داعش لاحقا.
6 صعود داعش وتراجع نفوذ المقدسي
شكل صعود تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) بقيادة أبي بكر البغدادي في عامي 2013-2014 نقطة تحول كبرى في مسيرة أبي محمد المقدسي وتأثيره. فبينما كان المقدسي يعتبر المرجع الفكري الأبرز للسلفية الجهادية، جاء داعش بنهج جديد أكثر تطرفا وعنفا، مما أدى إلى نشوء خلاف عميق بين الطرفين، وتراجع كبير في نفوذ المقدسي.
أ الأسباب الجذرية للخلاف بين المقدسي وداعش
1 الخلاف حول إعلان الخلافة
أحد أبرز أسباب التباين بين المقدسي وداعش هو الموقف من إعلان “الخلافة” سنة 2014. فقد اعتبر المقدسي أن الخطوة تفتقر إلى الشروط الشرعية، إذ لم يسبقها إجماع من أهل الحل والعقد من العلماء والقادة الجهاديين. ورأى أن الإعلان الأحادي جعل من الخلافة سيفا مسلطا على باقي الجماعات الجهادية، وأداة لإخضاعها بالقوة بدلا من أن تكون مظلة جامعة. وقد عبر عن ذلك بقوله إن “من تعجل شيئا قبل أوانه عوقب بحرمانه محذرا من أن التسرع سيقود إلى فقدان الشرعية وفشل المشروع برمته. هذا الموقف عكس تمسك المقدسي بمفهوم الشرعية الجماعية، في مقابل النزعة الانفرادية لداعش.
2 الغلو في التكفير والقتل العشوائي
ينتقد المقدسي بشدة ما يصفه بـالغلو في التكفير لدى داعش حيث توسع التنظيم في إخراج الأفراد والجماعات من دائرة الإسلام على أسس واهية وصولا إلى استباحة دماء المخالفين من المسلمين. وقد مثل حرق الطيار الأردني معاذ الكساسبة مثالا صارخا للانحراف في نظر المقدسي، إذ وصفه بأنه فعل محرم شرعا ويشوه صورة الإسلام أمام العالم. كما حذر من أن القتل العشوائي والعمليات الدموية التي ينفذها التنظيم تسيء إلى صورة الجهاد وتنفر الناس منه، لتصبح بحسب تعبيره دعاية عكسية تخدم أعداء الإسلام أكثر مما تخدمه.
3 فشل محاولات الإصلاح والنصح
على الرغم من الخلافات العميقة، لم يتوقف المقدسي عن محاولة احتواء داعش في بداياته. فقد وجه نصائح متكررة لقادته، سواء عبر الرسائل الخاصة أو البيانات العلنية، داعيا إلى وقف الاقتتال مع جبهة النصرة وباقي الفصائل، وإلى تحكيم الشرع في النزاعات بدلا من الاحتكام إلى السلاح. غير أن هذه الجهود باءت بالفشل، إذ رفض قادة داعش أي وصاية فكرية أو مراجعة شرعية. ومع تفاقم الصدام، أعلن المقدسي براءته العلنية من التنظيم، واصفا إياه بـالمنحرف الذي خرج عن منهج الجهاد الشرعي، وهو موقف زاد الشرخ بين الطرفين اتساعا.
4 انعكاسات الخلاف على التيار الجهادي
لم يبق الخلاف بين المقدسي وداعش سجالا فكريا، بل انعكس على واقع الجماعات الجهادية في سوريا والعراق وخارجهما. فقد ساهمت انتقادات المقدسي، إلى جانب مواقف قادة آخرين مثل أبي قتادة الفلسطيني، في تعزيز الانقسام بين من التحق بداعش ومن رفضه. كما أدت إلى تراجع صورة التنظيم في بعض الأوساط التي كانت تنظر إليه في البداية كرمز للتمكين. وبذلك، ساهمت مواقف المقدسي في إعادة رسم خريطة الولاءات داخل التيار الجهادي، ورسخت فكرة أن الغلو في التكفير والدماء يفضي إلى عزلة سياسية وتنظيمية.
يظهر من خلال تحليل جذور الخلاف بين المقدسي وداعش أن المسألة تتجاوز التفاصيل الفقهية إلى صراع أعمق بين منهجين: منهج يرى في الجهاد مشروعا مؤطرا بالضوابط الشرعية والشرعية الجماعية، ومنهج آخر يتبنى القوة المباشرة كوسيلة لتحقيق الأهداف دون اعتبار للقيود. لقد كشف هذا الخلاف عن حدود التأثير الفكري للمقدسي، وأظهر في الوقت نفسه أن التنظيمات المسلحة لا تنضبط دائما بما يصدر عن المنظرين، ما يؤدي إلى تشظي التيار الجهادي وتاكله من الداخل.
ب تداعيات الصدام على مكانة المقدسي
كان للصدام الفكري والعملي بين أبي محمد المقدسي وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) تداعيات عميقة وكارثية على مكانته ونفوذه داخل الحركة الجهادية، مما أدى إلى تحولات جوهرية في مشهد الجهادية العالمية. لم يقتصر هذا الصدام على مجرد خلافات أيديولوجية، بل امتد ليشمل اتهامات متبادلة وتغيرات في ديناميكيات الولاء داخل الأوساط الجهادية، مما أثر بشكل مباشر على مكانة المقدسي كمرجعية فكرية وعملية.
تراجع مكانة المقدسي كمرجعية مطلقة
يعتبرأبو محمد المقدسي أهم منظر جهادي لا يزال على قيد الحياة إلا أن مكانته كمرجعية فكرية وعملية مطلقة داخل الحركة الجهادية شهدت تراجعا ملحوظا، خاصة مع صعود تنظيمات جديدة مثل تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وهيئة تحرير الشام. هذه التنظيمات، التي قدمت رؤى بديلة ومقاربات مختلفة للجهاد، سعت إلى تعزيز شرعيتها الخاصة على حساب المرجعيات التقليدية، بما في ذلك المقدسي. وقد تجلى هذا التراجع في ابتعاد هذه التنظيمات عن خطابه، بل وصل الأمر إلى حد السخرية منه في بعض الأحيان، في محاولة منها لتقويض نفوذه وجذب الأتباع الجدد
إن هذا التحول يعكس ديناميكية معقدة داخل الحركة الجهادية، حيث لم يعد هناك مرجعية واحدة مهيمنة، بل تعددت الأصوات والمقاربات. فبينما كان المقدسي يمثل المدرسة الفكرية التي تركز على التنظير الشرعي والضوابط الفقهية، جاءت داعش بمقاربة أكثر عملية ومباشرة، تركز على التمكين وإقامة الدولة، مما جذب قطاعات واسعة من الشباب الجهادي الباحث عن التطبيق الفوري للمبادئ الجهادية.
خسارة الجيل الجديد واتهامات التخذيل والإرجاء
كانت إحدى أبرز التداعيات المباشرة للصدام بين المقدسي وداعش هي خسارة المقدسي لجزء كبير من الجيل الجديد من الجهاديين. هذا الجيل، الذي نشأ في بيئة تتسم بالصراعات المسلحة والتحولات السريعة، وجد في خطاب داعش العملي والمباشر جاذبية أكبر من تنظيرات المقدسي التي وصفت بـالأكاديمية. فقد رأى هؤلاء الشباب في داعش تجسيدا عمليا لمبادئ الجهاد التي يؤمنون بها، بينما اعتبروا المقدسي منظرا لا يواكب التطورات الميدانية ولا يقدم حلولا فورية للتحديات التي تواجههم.
لم يقتصر الأمر على مجرد الانجذاب الفكري، بل تطور إلى حملات تشويه واتهامات مباشرة من قبل أنصار داعش ضد المقدسي. فقد بات أنصار داعش ينظرون إليه كـمخذل ومرجئ بل وصل الأمر إلى اتهامه بـالعمالة في بعض الأحيان. هذه الاتهامات تعكس مدى العداء الذي يكنه أنصار داعش للمقدسي، وتظهر كيف أن الخلاف الفكري حول الأولويات والمنهج تحول إلى عداء شخصي وتخوين مما أثر بشكل كبير على مكانة المقدسي في أوساط الجهاديين الشباب وقلل من قدرته على التأثير فيهم.
بقاء تأثيره على الجماعات التقليدية
على الرغم من خسارته للجيل الجديد من الجهاديين، إلا أن تأثير أبي محمد المقدسي لم يختف تماما. فقد حافظ على نفوذه في أوساط تنظيم القاعدة والجماعات التقليدية التي بقيت وفية لنهجه الفكري ومنهجه الشرعي. هذه الجماعات، التي غالبا ما تكون أكثر رسوخا وأقل تأثرا بالتحولات السريعة في المشهد الجهادي، استمرت في اعتبار المقدسي مرجعية فكرية مهمة. ومع ذلك، فإن هذا التأثير لم يعد مطلقا كما كان في السابق، بل أصبح ينظر إليه كمرجع تقليدي لأجنحة القاعدة المتبقية. لقد فقد المقدسي بريقه وجاذبيته لدى الأجيال الجهادية الجديدة التي تميل إلى الحركات الأكثر عملية والأقل تقيدا بالضوابط الشرعية التي طالما نادى بها، مما يحد من نطاق تأثيره ويجعله محصورا في دائرة أضيق من الأتباع.
الجدالات مع هيئة تحرير الشام
لم تقتصر التحديات التي واجهها أبو محمد المقدسي على تنظيم داعش فحسب، بل امتدت لتشمل جدالات محتدمة مع هيئة تحرير الشاموهي فصيل جهادي بارز في سوريا. تركزت هذه الجدالات حول قرارات هيئة تحرير الشام بالابتعاد عن تنظيم القاعدة، بالإضافة إلى مزاعم الهيئة بـتشويه أيديولوجيتها. هذه الخلافات تشير إلى حلقة محطمة أخرى داخل الحركة الجهادية، وتؤكد عدم صحة الادعاء بأن “هيئة تحرير الشام” هي مجرد واجهة لتنظيم القاعدة.
وقد اتهم المقدسي هيئة تحرير الشام بشن حملات تضليل وتشويه ضده، وبأنها أصبحت لا تختلف عن الجماعات الجهادية التي كان يعتبرها خوارج في سوريا قبل بضع سنوات. هذه الاتهامات المتبادلة تسلط الضوء على عمق الانقسامات داخل الحركة الجهادية، وتوضح كيف أن المرجعيات الفكرية التي كانت تعتبر أساسا للوحدة أصبحت الآن مصدرا للخلاف والنزاع.
الاستنتاج
شكل أبو محمد المقدسي حجر الزاوية في بناء الإطار النظري والعقدي للسلفية الجهادية. لقد كانت كتاباته بمثابة الدستور الفكري الذي استندت إليه القاعدة لعقود. فقد قدم تأصيلا شرعيا لمفاهيم الحاكمية، والولاء والبراء، ورفض الديمقراطية، مما وفر الأساس الأيديولوجي للعديد من التنظيمات الجهادية. ومع ذلك، فإن قوته الفكرية لم تترجم إلى قيادة تنظيمية عملية على الأرض، وبقي دوره محصورا في التنظير.
إن صعود تنظيم داعش، الذي خرج من رحم تنظيم القاعدة في العراق الذي أسسه تلميذه الزرقاوي، مثل تمردا ليس فقط على تنظيم القاعدة، بل على المرجعية الفكرية للمقدسي نفسه لقد تجاوز داعش حدود التنظير التي وضعها المقدسي، وتبنى نهجا أكثر وحشية وتطرفا، وهو ما رفضه المقدسي بشدة .هذا الرفض كلفه خسارة جيل جديد من الجهاديين، وأظهر حدود تأثير المنظر في مواجهة القائد الميداني الذي يتبنى نهجا أكثر عملية ومباشرة
إن العلاقة بين التنظير والتطبيق في الفكر الجهادي تظل معقدة. فبينما يوفر المنظرون الإطار الأيديولوجي والشرعي، فإن القادة الميدانيين هم من يترجمون هذه الأفكار إلى واقع عملي. وفي حالة المقدسي وداعش، يظهر بوضوح أن التطرف في التطبيق يمكن أن يتجاوز حدود التنظير، مما يؤدي إلى انقسامات وصراعات داخلية. هذه الديناميكية تسلط الضوء على التحديات التي تواجه أي محاولة للسيطرة على الفكر المتطرف بمجرد أن يتحول إلى حركة عملية على الأرض.
المراجع
[1] الجزيرة نت. (2014, October 28). أبو محمد المقدسي | أخبار من https://www.aljazeera.net/news/2014/10/28/%D8%A3%D8%A8%D9%88-%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%82%D8%AF%D8%B3%D9%8A
ويكيبيديا. أبو محمد المقدسي. https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A3%D8%A8%D9%88_%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF_%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%82%D8%AF%D8%B3%D9%8A
Al Arabiya. (2023, January 11). منظر السلفية الجهادية ابو محمد المقدسي – الجزء الأول. https://www.alarabiya.net/podcast/jamaat/2023/01/11/%D9%85%D9%86%D8%B8%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%81%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%87%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D8%A8%D9%88-%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%82%D8%AF%D8%B3%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B2%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D9%84
CNN Arabic. (2015, May 30). المقدسي لـCNN بالعربية: هذا هو الفرق بين أفكار “داعش” والقاعدة. ن https://arabic.cnn.com/middle-east/video/2015/05/30/v4347-me-300515-maqdisi-isis-alqaeda
The Washington Institute. (2020, September 9). العيش طويلاً بما يكفي لترى نفسك تصبح الرجل الشرير: قضية أبو محمد المقدسي. https://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/alysh-twylaan-bma-ykfy-ltry-nfsk-tsbh-alrjl-alshryr-qdyt-abw-mhmd-almqdsy
CIA.. حوار مع الشيخ أبي محمد المقدسي. https://www.cia.gov/library/abbottabad-compound/15/1508D8984D16ED34DC26F4E68E75C203_%D8%AD%D9%88%D8%A7%D8%B1_%D9%85%D8%B9_%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%8A%D8%AE_%D8%A3%D8%A8%D9%8A_%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF_%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%82%D8%AF%D8%B3%D9%8A.pdf
Makhaterltakfir.com.. المقدسي والسلفية الجهادية: المكانة والتأثير. من https://makhaterltakfir.com/ar/articleview/3993/
Share this content:






















Leave a Reply