آخر الأخبار

إجلاء روسي عاجل من إسرائيل وسط مؤشرات تصعيد تتجاوز الاحتياط الدبلوماسي

إجلاء روسي عاجل من إسرائيل وسط مؤشرات تصعيد تتجاوز الاحتياط الدبلوماسي

رصد المغرب / عبد الكبير بلفساحي


في أقل من أربعٍ وعشرين ساعة، غادرت ثلاث رحلات متتالية تقل دبلوماسيين روسا وأفرادا من عائلاتهم الأراضي الإسرائيلية، حيث إيقاع الإجلاء السريع، وتوقيته وتركيبته البشرية، كلها عناصر تضع ما جرى خارج إطار الإجراءات الروتينية أو التحوطات التقليدية، وتفتح الباب أمام تساؤلات جدية حول طبيعة المعطيات التي دفعت موسكو إلى هذا القرار.

روسيا لا تعرف بإجراءات انفعالية في ملفات الأمن والسياسة الخارجية، ولا تفرغ بعثاتها الدبلوماسية دون تقدير استخباراتي دقيق، لذلك فإن الحديث عن إجلاء طارئ لموظفي السفارة الروسية في إسرائيل يوحي بأن القرار استباقي أكثر منه وقائيا، وأن موسكو تتعامل مع سيناريوهات غير اعتيادية.

في الأعراف الدبلوماسية، يعد إجلاء السفارات مؤشرا متقدما على أحداث كبرى، مثل التصعيد العسكري أو ضربة وشيكة، أو تغير جوهري في قواعد الاشتباك، حيث غالبا ما تسبق هذه الخطوة الإعلان العلني عن التطورات، وكل ذلك هو ما يعزز فرضية امتلاك روسيا لمعلومات دقيقة حول مخاطر وشيكة.

اللافت أن هذا التطور يأتي في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها ملفات غزة ولبنان وسوريا، مع توترات متصاعدة بين القوى الدولية المنخرطة في المنطقة.

وهذا الإجلاء الروسي، يكتسب بعدا إضافيا إذا ما قورن بتصريحات سابقة للرئيس فلاديمير بوتين، وصف فيها إسرائيل بأنها “دولة ناطقة بالروسية تقريبا”، في إشارة إلى عمق الروابط الاجتماعية والسياسية بين الطرفين، حيث الانتقال السريع من هذا الخطاب إلى سحب الدبلوماسيين يشي بأن الخطر المحتمل ليس سياسيا بحتا، بل ميدانيا وأمنيا بالدرجة الأولى.

وفي الخلفية يبرز توتر غير معلن بشكل كامل بين موسكو وتل أبيب، تفجر جزئيا عقب انتقادات روسية لتصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن علاقته الشخصية مع بوتين، وما تبع ذلك من استدعاءات دبلوماسية، حيث هذا التوتر يعكس حساسية روسية متزايدة اتجاه محاولات الزج باسمها في حسابات السياسة الإسرائيلية الداخلية.

كما يسلط الضوء على مأزق إسرائيلي متنام في إدارة التوازن بين موسكو وواشنطن، في ظل بيئة إقليمية تتجه نحو مزيد من الاستقطاب وعدم اليقين.

القرار الروسي قد يكون تعبيرا عن رغبة واضحة في النأي بالنفس عن مسرح تصعيد محتمل، أو رسالة سياسية مفادها أن موسكو لا تريد أن تكون طرفا مباشرا أو غير مباشر في تطورات قد تخرج عن السيطرة، حيث في الحالتين، فإن الإجلاء يعكس تقديرا بأن المرحلة المقبلة تحمل مخاطر استثنائية.

فحين تغادر البعثات الدبلوماسية قبل أن تتصدر الأخبار العناوين، فهذا غالبا ما يعني أن ما هو قادم أكبر من المعتاد، لذلك لم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كان هناك خطر، بل متى سيظهر؟ وبأي شكل؟ ومن سيتحمل كلفته السياسية والأمنية؟

روسيا غادرت مبكرا، تاركة خلفها إشارات ثقيلة الدلالة، حيث في الشرق الأوسط، نادرا ما تكون مثل هذه الإشارات بلا ثمن.

إرسال التعليق