(إسرائيل تدفع الثمن) قراءة في كلفة المواجهة مع إيران بلغة الأرقام
رصد المغرب / عبد الصمد الشرادي
لطالما سادت رواية تقول إن إسرائيل قوة عسكرية تضرب دون أن تضرب، وتخوض حروبها دون أن تدفع ثمنا حقيقيا. غير أن المواجهات الأخيرة مع إيران فتحت بابا واسعا للنقاش حول هذه الفرضية، وطرحت سؤالا جوهريا، وهو هل ما زالت إسرائيل قادرة على خوض الصراعات دون خسائر كبيرقة؟ أم أن ميزان الكلفة بدأ يتغير؟
بعيدا عن الشعارات السياسية والدعاية الإعلامية، تكشف الأرقام أن المواجهة العسكرية الحديثة بين الطرفين تحمل كلفة مالية وعسكرية هائلة، حيث في إحدى ليالي الهجمات الإيرانية بالطائرات المسيرة والصواريخ، اضطرت إسرائيل إلى إنفاق ما يزيد على 1.3 مليار دولار فقط لتغطية تكاليف الاعتراض الجوي خلال ساعات محدودة. ويعود ذلك إلى استخدام منظومات دفاعية باهظة الثمن مثل صواريخ “حيتس” (السهم) المضادة للصواريخ الباليستية، التي تصل تكلفة الصاروخ الواحد منها إلى نحو 3.5 ملايين دولار، إضافة إلى صواريخ “مقلاع داود” التي تتجاوز تكلفة الاعتراض الواحد فيها مليون دولار.
لكن كلفة الدفاع ليست سوى جانب من المعادلة. فالهجمات الجوية الإسرائيلية على أهداف بعيدة داخل العمق الإيراني تتطلب عمليات معقدة ومكلفة للغاية. فعملية واحدة قد تشمل أكثر من مائة طائرة مقاتلة، بينها مقاتلات F-35 الشبحية المعروفة في إسرائيل باسم “أدير”، إضافة إلى طائرات F-15 وF-16، حيث تشير التقديرات إلى أن تكلفة ساعة الطيران لمقاتلة F-35 تتجاوز 36 ألف دولار، دون احتساب كلفة الذخائر المتطورة والصواريخ الذكية المستخدمة في الضربات الدقيقة.
كما تحتاج هذه العمليات إلى دعم لوجستي واسع، يشمل طائرات التزود بالوقود جوا، وطائرات الإنذار المبكر والحرب الإلكترونية مثل طائرات “نحشون”، إضافة إلى صواريخ دقيقة خارقة للتحصينات قد تصل تكلفتها إلى عشرات الملايين من الدولارات في العملية الواحدة. وعند جمع كلفة الدفاع والهجوم معا، يتضح أن إسرائيل تخوض حربا مكلفة على جبهتين، الأولى حماية سمائها من جهة، والثانية تنفيذ عمليات هجومية بعيدة المدى من جهة أخرى.
إلى جانب الكلفة المالية، تشير تقارير وصور أقمار صناعية تجارية إلى أن بعض القواعد العسكرية الإسرائيلية تعرضت لأضرار خلال الهجمات. من أبرز هذه المواقع قاعدة “نفاتيم” الجوية في صحراء النقب، التي تعد مركزا رئيسيا لتشغيل مقاتلات F-35. وقد أظهرت صور الأقمار الصناعية أضرارا في بعض المدارج والمنشآت، إضافة إلى تقارير عن أضرار في قاعدة “رامون” الجوية ومحيط منشآت عسكرية حساسة أخرى.
ورغم أن السلطات الإسرائيلية تفرض رقابة عسكرية صارمة على نشر المعلومات المتعلقة بالأضرار والخسائر، فإن المؤشرات العامة توحي بأن الهجمات لم تسقط كلها في مناطق مفتوحة كما يقال أحيانا، بل تمكن بعضها من الوصول إلى مواقع عسكرية حساسة.
ولا تتوقف آثار هذه المواجهة عند الجانب العسكري فقط، بل تمتد إلى الجبهة الداخلية والاقتصاد. فقد شهدت إسرائيل خلال الهجمات حالة شلل مؤقت في الحياة اليومية، مع توجه ملايين السكان إلى الملاجئ، وتعطل حركة الطيران المدني وإلغاء عدد كبير من الرحلات الجوية. كما استقبلت المستشفيات عددا كبيرا من المصابين، في حين تظل الأرقام الدقيقة حول الخسائر البشرية محل جدل بسبب القيود المفروضة على نشرها.
فاقتصاديا، تثير هذه التطورات تساؤلات حول مستقبل الصناعات العسكرية الإسرائيلية، التي تعد من أبرز مصادر القوة الاقتصادية للدولة. فقد سجلت صادرات السلاح الإسرائيلية أرقاما قياسية في السنوات الأخيرة، متجاوزة 13 مليار دولار سنويا، بفضل شركات مثل Elbit Systems وRafael Advanced Defense Systems. غير أن أي تشكيك في فعالية المنظومات الدفاعية قد يؤثر على سمعة هذه الصناعات في الأسواق الدولية.
ومع ذلك، من المهم قراءة المشهد بواقعية. فحجم الخسائر التي تكبدتها إسرائيل، مهما كانت كبيرة، لا يعني انهيارها العسكري أو هزيمتها الكاملة. كما أن إيران نفسها دفعت أثمانا باهظة في هذه المواجهة. لكن ما يمكن استخلاصه بوضوح هو أن الصراع بين الطرفين لم يعد بلا تكلفة لأي منهما.
لقد كسرت هذه المواجهة، إلى حد ما، فكرة “الحرب منخفضة الثمن” بالنسبة لإسرائيل. فالمعادلة الجديدة تشير إلى أن كل ضربة يقابلها ثمن، وكل عملية عسكرية تحمل تبعات مالية واقتصادية وسياسية كبيرة. وربما يكون الدرس الأهم من هذه المرحلة أن عصر الانتصارات السريعة والحروب قليلة الكلفة في الشرق الأوسط أصبح أكثر تعقيدا مما كان عليه في الماضي.
إرسال التعليق