رصد المغرب / عبدالكبير بلفساحي
يطرح واقع الأحزاب السياسية في المغرب إشكالية عميقة تتجاوز الخطاب الديمقراطي الرسمي، لتكشف عن بنية تنظيمية تقليدية تعيد إنتاج نفسها داخل الحقل السياسي. فبدل أن تقوم هذه الأحزاب على مبادئ التداول على السلطة، وتقسيم العمل، والاحتكام إلى صناديق الاقتراع، يظهر نمط آخر أقرب إلى نموذج “الشيخ والمريد”، حيث يتحول الزعيم إلى مركز سلطة ممتدة، ويغدو الأتباع مجرد مريدين يدورون في فلكه.
لقد كان العرف السياسي، خاصة لدى القيادات التاريخية التي ارتبطت برمزية النضال، يقوم على تحديد الولايات في اثنتين، بل إن بعض القادة كانوا يكتفون بولاية واحدة وينسحبون بهدوء، تاركين المجال لخلفهم. غير أن هذا التقليد تراجع، إذ أصبحت المؤتمرات الحزبية تؤجل لسنوات طويلة، ويتم تمديد ولاية الزعيم، فيتحول تدريجيا إلى “شيخ”، بينما يتحول الحزب إلى “زاوية” قائمة على الولاء أكثر من الكفاءة.
في هذا السياق، يتم انتقاء الأتباع بعناية، ليس بناءا على قدراتهم المعرفية أو كفاءاتهم السياسية، بل وفق درجة ولائهم للزعيم. ومع مرور الوقت، تتشكل شبكة من العلاقات الزبونية، حيث يحصل المريد على الامتيازات وفرص العمل مقابل الطاعة والانضباط، بينما يقصى من يلتزم بالنهج الديمقراطي ولا ينخرط في منطق الولاء.
ولا يقتصر هذا النموذج على الأحزاب، بل يمتد إلى النقابات والإدارة، حيث يعاد إنتاج نفس البنية القائمة على “الهيبة” و”البركة”، وهي مفاهيم رمزية تغطي في العمق ممارسات يمكن توصيفها بالفساد. فلكي يصل الفرد إلى موقع مسؤولية، لا يكفي أن يمتلك الكفاءة، بل يجب أن يكون تابعا وفيا، يدافع عن “شيخه” في كل الظروف.
هذا النمط التنظيمي يجد جذوره في البنية الاجتماعية والتاريخية للمغرب، حيث تداخلت عبر الزمن ثلاثة أنماط أساسية: الزاوية، والقبيلة، والمخزن. ورغم اختيار المغاربة لنموذج الدولة المركزية (المخزن)، فإن هذا الأخير ظل يحمل في داخله عناصر من التنظيمين الآخرين ( وهما الزاوية والقبيلة) كما ذكر ذلك عبد الله العروي، مما يفسر استمرار منطق التبعية والولاء في الممارسة السياسية.
إن هذا التحليل، الذي يستند إلى مقاربة أنثروبولوجية، لا ينفي ما وفره هذا النموذج من نوع من الاستقرار السياسي، لكنه يطرح في المقابل تساؤلات جوهرية حول مستقبل الديمقراطية في المغرب. فهل يمكن للأجيال الجديدة أن تتحرر من شرط الانتماء والولاء، وأن تؤسس لممارسة سياسية قائمة على الكفاءة والاستحقاق؟
إن فهم المجتمع المغربي، كما هو في واقعه، يظل شرطا أساسيا لأي إصلاح سياسي حقيقي. فالمشكلة لا تكمن فقط في النصوص أو المؤسسات، بل في البنيات العميقة التي تعيد إنتاج نفسها باستمرار. ومن هنا، تصبح الأنثروبولوجيا أداة ضرورية لفهم السياسة، ليس فقط بالنسبة للباحثين، بل أيضا للفنانين وصناع السينما، وكل من يسعى إلى التعبير عن الواقع المغربي بصدق وعمق.
و سيبقى التحدي القائم، هو هل يستطيع المغرب الانتقال من نموذج “الزاوية السياسية” إلى نموذج ديمقراطي حديث، أم أن هذه البنية ستظل تعيد إنتاج نفسها بأشكال جديدة؟
شارك المقال






















Leave a Reply