رصد المغرب / الدكتور سدي علي ماءالعينين
على المستوى السياسي، يظل ملف الإنعاش الوطني بمثابة “الصندوق الأسود” الذي تخشى الحكومات المتعاقبة فتحه بشكل جذري، خوفا من التبعات المالية الضخمة لعملية الإدماج أو التسوية الشاملة. لكن الهروب إلى الأمام لم يعد ممكنا في ظل الخطاب الرسمي الذي ينادي بالدولة الاجتماعية وتعميم التغطية الصحية، إذ لا يستقيم الحديث عن عدالة اجتماعية بينما هناك آلاف العمال يشتغلون تحت مظلة الدولة خارج أي نظام للحماية الاجتماعية.
إن التمييز الحاصل في الحقوق بين “الموظف” و”العامل المياوم” داخل نفس المرفق يكرس نوعا من “الطبقية الإدارية” المقيتة، حيث يشعر عامل الإنعاش بأنه مواطن من الدرجة الثانية، رغم أنه هو من يباشر المهام الأكثر قسوة وحيوية لاستمرار نظافة وجمالية المدن. هذا الشعور بالحيف يولد احتقانا صامتا، ويجعل من صرخة هؤلاء العمال في الوقفات الاحتجاجية تعبيرا عن ألم وجودي يتجاوز المطالب المادية البسيطة.
المعاناة تزداد تعقيدا في المناطق النائية والجماعات القروية، حيث يمثل الإنعاش الوطني الملاذ الوحيد للشغل، وهناك يتم استغلال حاجة الناس للعمل بأبشع الصور، حيث لا يتجاوز الأجر في بعض الأحيان بضع مئات من الدراهم شهريا بعد اقتطاعات غير مفهومة. هذه الهشاشة تجعل من الصعب على هؤلاء العمال الانخراط في عمل نقابي قوي يدافع عن حقوقهم، خوفا من “الانتقام الإداري” الذي قد يقطع عنهم مصدر رزقهم الوحيد والضعيف.
من الناحية الاجتماعية، تعيش أسر عمال الإنعاش في دوامة من الفقر الدوري، حيث لا يسمح الأجر الزهيد بأي نوع من الادخار أو التخطيط للمستقبل، مما يعيد إنتاج الفقر عبر الأجيال. الأطفال الذين ينشأون في كنف آباء يعملون كـ”أشباح إدارية” يفتقدون للقدوة المهنية المستقرة، مما يعزز لديهم الشعور بعدم الثقة في المؤسسات وبجدوى العمل الجاد الذي لا يكفل لصاحبه حتى ثمن الدواء.
إن استمرار وزارة الداخلية في الإشراف على هذا النظام بشكله الحالي يضعها أمام مسؤولية أخلاقية جسيمة، فالدولة التي تفرض قانون الشغل على المقاولات الخاصة وتراقب مدى التزامها بالحد الأدنى للأجور وحقوق الضمان الاجتماعي، لا يمكنها أن تظل هي نفسها “المشغل” الذي يتملص من هذه الواجبات تجاه عمالها الميدانيين. إنها ثنائية غريبة تقوض مصداقية التوجهات الاجتماعية للدولة وتجعل من “الإنعاش” اسما على غير مسمى، فهو ينهك القوى ولا ينعشها.
في نهاية المطاف، لا يمكن فصل هذا الملف عن سياق الإصلاح الإداري الشامل الذي يحتاجه المغرب، فالإبقاء على آلاف العمال في حالة “اللا-وضعية” هو هدر للموارد البشرية وتكريس للريع الإداري. الإصلاح يبدأ بالاعتراف بأن هؤلاء ليسوا مجرد حالات اجتماعية تحتاج لدعم، بل هم عمال فعليون يستحقون عقودا واضحة، وأجورا تحترم سقف الكرامة، وحقا ثابتا في التقاعد والتطبيب، تماما كأي موظف عمومي يتقاسم معهم فضاء الإدارة ونبل الخدمة الوطنية.
إن القصة الحقيقية لعمال الإنعاش الوطني لا تكتب في التقارير الإدارية الجافة، بل تقرأ في تجاعيد وجوههم التي أكلتها الشمس، وفي أيديهم الخشنة التي تنظف ما يلوثه الآخرون. هؤلاء الذين يغادرون بيوتهم في الفجر ليعودوا في المساء بمبلغ زهيد لا يكفي حتى لشراء الخبز والحليب، هم الاختبار الحقيقي لمدى صدق الشعارات حول الكرامة الإنسانية. إنهم يمثلون الوجه البائس لتدبير إداري تجاوزته العصور، وما زال يصر على معاملة “الجهد البشري” كبند ميزانياتي يمكن تقليصه أو التلاعب به، دون مراعاة لروح الإنسان الذي يقف خلف ذلك الجهد.
شارك المقال























Leave a Reply