رصد المغرب/الحيداوي عبد الفتاح
مقدمة
الظاهرة الإسلامية المعاصرة، بتفرعاتها وتجلياتها المختلفة، واحدة من أكثر القضايا إثارة للبحث في حقول السوسيولوجيا السياسية والدراسات الأمنية. فعلى الرغم من أن التيارات الإسلامية، بمختلف مشاربها، تشترك في مرجعية عامة تقوم على مركزية النص الديني واستدعاء نموذج )السلف الصالح( كمثال أعلى للحكم والمجتمع، إلا أن هذا الاشتراك المرجعي لم يمنع تباينا حادا في المآلات العملية والسلوك الميداني. وتبرز إشكالية الدراسة الحالية في محاولة فهم وتفسير الفجوة العميقة بين أبناء )السلفية الجهادية( الذين يسارعون إلى الانخراط الفعلي في بؤر التوتر والنزاع المسلح عبر العالم (أفغانستان، البوسنة، الشيشان، العراق، سوريا)، وبين أبناء الحركات الإسلامية التقليدية، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين، الذين يكتفون برفع شعارات)الخلافة( و)الجهاد( دون الانتقال الفعلي إلى ساحات القتال عابرة الحدود.
الإطار النظري والمفاهيمي: سوسيولوجيا الانتماء والقطيعة
. يشكل تحليل السلفية الجهادية والحركات الإسلامية مدخلا أساسيا لفهم ديناميات الانتماء والقطيعة داخل الحقل الإسلامي المعاصر، حيث تتباين أنماط بناء الهوية وآليات التعبئة تبعا لاختلاف المرجعيات الفكرية والاستراتيجيات العملية. في هذا السياق، تعرف السلفية الجهادية، كما يوضح عزمي بشارة، باعتبارها تركيبا أيديولوجيا يجمع بين صرامة العقيدة السلفية في قضايا التوحيد والولاء والبراء، وبين المنهج الحركي المستمد من فكر سيد قطب، خاصة في مفاهيم الحاكمية وجاهلية المجتمع، بما يفضي إلى تصور صراعي مع البنية الاجتماعية والسياسية القائمة. ومن منظور سوسيولوجي، يذهب سمير أمغار إلى أن هذا التيار لا يعبر فقط عن موقف ديني متشدد، بل يؤسس لقطيعة كلية مع المجتمع والدولة، حيث يعاد تشكيل هوية الفرد على أساس التميز والمفاصلة، فيتحول الانتماء إلى مشروع انفصال رمزي ومادي، يسهّل الانتقال نحو فضاءات الصراع المسلح، سواء عبر ما يسمى “الهجرة” الجغرافية أو من خلال القطيعة القيمية مع المحيط.
في المقابل، تقدم الحركات الإسلامية الإصلاحية، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، نموذجاً مغايراً يقوم على منطق الاندماج داخل الدولة الوطنية، وهو ما يحلله فرانسوا بورغا باعتباره سعياً لإنتاج خطاب بديل من داخل النسق السياسي القائم، لا خارجه. فهذه الحركات تتبنى أدوات العمل المدني، من انتخابات ونقابات وأنشطة خيرية، وتؤجل مشاريعها الكبرى، مثل الخلافة، إلى أفق رمزي يخضع لحسابات التوازنات السياسية. ويعكس هذا التوجه اختلافا جوهريا في طبيعة الموارد التي يعتمد عليها كل تيار فبينما تستند السلفية الجهادية إلى موارد رمزية مكثفة، تقوم على مفاهيم الشهادة والنصر الموعود والفوز الأخروي السريع، بما يدفع نحو الفعل الفردي العاجل والانفصال عن الواقع، تعتمد جماعة الإخوان على موارد مؤسساتية متشعبة، تشمل شبكات تنظيمية واقتصادية وخيرية، تربط الفرد عضويا ببنية الجماعة ومصالحها، وتجعله أكثر ميلا إلى الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي والسياسي.
هذا الاختلاف في طبيعة الموارد ينعكس بدوره على أنماط التعبئة إذ تعتمد السلفية الجهادية على ما يسميه أمغار (التعبئة عبر الهوية الراديكالية)، حيث يختزل الفرد في بعد واحد هو (المجاهد)، بما يؤدي إلى تفكيك هوياته المتعددة واستلابه من سياقه الوطني. أما في نموذج الإخوان، فالتعبئة تتم عبر الاندماج، حيث يحتفظ الفرد بأدواره الاجتماعية والمهنية، كمهندس أو طبيب أو معلم، ويمارس نشاطه الإسلامي كجزء من هوية مركبة، الأمر الذي يقلل من احتمالات انخراطه في مغامرات عسكرية قد تهدد موقعه الاجتماعي وتضر بمصالح التنظيم.
وإذا أدرج هذا التباين ضمن إطار نظرية الفرص السياسية، يتضح أن اختلاف الاستراتيجيات ليس مجرد خيار أيديولوجي، بل يرتبط بتقدير كل تيار لبنية الفرص المتاحة. فالحركات الإصلاحية ترى أن المجال الوطني، بما يوفره من إمكانيات المشاركة السياسية والعمل المدني، يمثل فضاء مناسبا لتحقيق أهدافها، وبالتالي فإن الانخراط في صراعات مسلحة خارجية يعد مخاطرة بإغلاق هذه الفرص وتعريضها لضغوط قمعية محلية ودولية. في المقابل، تنظر السلفية الجهادية إلى الفرص السياسية من زاوية مغايرة، حيث تتمثل (الفرصة) في لحظات الانهيار الأمني وغياب الدولة، وهي الحالة التي نظر لها أبو بكر ناجي في كتابه (إدارة التوحش)، باعتبارها مرحلة انتقالية ضرورية تسبق التمكين. وبهذا المعنى، يصبح الفراغ الأمني ليس تهديدا، بل شرطا موضوعيا لإعادة تشكيل السلطة وفق تصور جهادي راديكالي.
تكشف هذه المقارنة، في عمقها، عن نمطين متباينين من العلاقة مع المجتمع والدولة: نمط يقوم على القطيعة والتجاوز الراديكالي، وآخر يقوم على التكيف والاندماج المرحلي. كما تبرز أن مسألة الجهاد أو السلم لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية السوسيولوجية للهوية وأنماط التعبئة وتقدير الفرص السياسية، وهي عناصر مجتمعة تحدد مسارات الفعل داخل الحركات الإسلامية المعاصرة، وتفسر تباين اختياراتها بين الانخراط في الصراع المسلح أو العمل من داخل النسق القائم.
الجهاد والهجرة: نقطة الافتراق
يشكل مفهوم الجهاد نقطة الافتراق المركزية والحاسمة في مسارات التيارين. بالنسبة للسلفي الجهادي، الجهاد ليس مجرد وسيلة سياسية أو أداة دفاعية، بل هو جوهر الدين وغايته الأسمى، وهو واجب عيني لا يسقط عن الفرد إلا بأدائه الشخصي والمباشر. هذا التصور، الذي غذته كتابات عبد الله عزام في الثمانينات (كتاب الدفاع عن أراضي المسلمين أهم فروض الأعيان)، ينتج ما يسميه أوليفيه روا (Olivier Roy) بـ (المجاهد المعولم). هذا الفرد لا يعترف بالحدود الوطنية، ويرى في بؤر التوتر ساحة لتحقيق ذاته الدينية والوجودية، معتبرا أن )الهجرة(هي الاختبار الحقيقي للإيمان.
أما في أدبيات الإخوان المسلمين، فإن الجهاد يخضع لمفهوم )المصلحة( و)القدرة(. فالتنظيم يرى، من منظور سوسيولوجي براغماتي، أن الحفاظ على )بيضة الجماعة( واستمرار وجودها الدعوي والسياسي والاجتماعي مقدم على الانخراط في صراعات مسلحة قد تؤدي إلى استئصال الجماعة أو تدويل قضيتها بشكل سلبي. ومن هنا، يبرز التناقض الذي يلاحظه المستخدم: رفع شعار الخلافة (كهدف طوباوي بعيد) مع الامتناع عن المشاركة في حروبها الميدانية (كواقع سياسي معقد). هذا ليس مجرد )نفاق( أو )تخاذل( كما يصوره الخطاب الجهادي، بل هو تعبير عن )سوسيولوجيا البقاء( التي تحكم الحركات المؤسساتية الراسخة.
أفغانستان (الثمانينات) مقابل سوريا (2011)
في الحالة الأفغانية، شارك أبناء الإخوان بكثافة لأن السياق كان يحظى بغطاء رسمي دولي وإقليمي، ولم يكن يتعارض مع وجودهم في بلدانهم. أما في الحالة السورية، فقد انخرط الإخوان في (المسار السياسي) (المجلس الوطني، الائتلاف) بينما انخرط السلفيون في (المسار القتالي) (النصرة، داعش). هذا التباين يوضح أن الإخوان يتحركون حيث توجد شرعية سياسية، بينما يتحرك السلفيون حيث يوجد فراغ سيادي.
يعتبر (مفهوم الهجرة) من المفاهيم المركزية التي خضعت لإعادة تأويل عميقة داخل الحركات الإسلامية المعاصرة، حيث لم يعد يحمل دلالته التاريخية المرتبطة بانتقال النبي ﷺ من مكة إلى المدينة، بل أصبح مفهوما مرنا يعكس تصورات كل تيار لطبيعة التغيير ووسائله. ففي حين تتبنى السلفية الجهادية فهما حرفيا وماديا للهجرة، يقوم على الانتقال الجغرافي نحو مناطق الصراع التي تصنف باعتبارها ساحات جهاد، فإن هذا التصور ينبع من رؤية عقدية تقسم العالم إلى ثنائية حادة بين(دار الإسلام) و(دار الكفر)، بما يستدعي مفاصلة عملية مع الواقع القائم. وبناء على ذلك، تتحول الهجرة إلى واجب عملي يهدف إلى إعادة تأسيس دار الإسلام في بؤر التوتر، حتى وإن اقتضى ذلك القطيعة مع الأسرة والمجتمع والدولة، وهو ما يفضي غالبا إلى إعادة تشكيل الهوية الفردية داخل جماعة مغلقة تتبنى العنف كوسيلة للتغيير.
في المقابل، يقدم تيار الإخوان المسلمين تأويلا مغايرا لمفهوم الهجرة، حيث يتم تجريده من بعده المكاني ليعاد توظيفه في سياق إصلاحي تدريجي، يقوم على فكرة “الهجرة المعنوية” التي تعني مفارقة الفساد والانحراف بالقلب والسلوك، دون الانفصال عن المجتمع. فالهجرة هنا ليست انتقالاً إلى فضاء بديل، بل انخراطاً واعياً داخل المجتمع الوطني بهدف إصلاحه من الداخل، والحفاظ على الهوية الإسلامية ضمن إطار الدولة الحديثة. ومن هذا المنظور، تصبح الهجرة أداة تربوية وأخلاقية تسعى إلى بناء الفرد المسلم القادر على التفاعل مع محيطه، لا الانسحاب منه.
ويعكس هذا التباين في فهم الهجرة اختلافا جوهريا في تصور كل تيار لطبيعة العلاقة مع المجتمع والدولة؛ فبينما تميل السلفية الجهادية إلى القطيعة والمفاصلة باعتبارها شرطا للتغيير، يراهن الإخوان المسلمون على الاندماج والتدرج كآلية لتحقيق الإصلاح. وبالتالي، فإن مفهوم الهجرة يتحول من مجرد دلالة دينية إلى مؤشر كاشف عن البنية الفكرية لكل تيار، وعن استراتيجياته في التعامل مع الواقع، بين من يختار الانفصال لإعادة التأسيس، ومن يفضل البقاء لإحداث التغيير من الداخل.
بنية التنظيم والهوية الجماعية
يظهر التمايز بين السلفية الجهادية وجماعة الإخوان المسلمين، عند مقاربته سوسيولوجيا، أنه لا يتعلق فقط باختلاف في الوسائل أو الخطابات، بل يعكس بنيتين اجتماعيتين ونمطين متباينين في إنتاج الفعل الديني والسياسي. فالسلفية الجهادية تتشكل ضمن ما يمكن تسميته )بالتنظيم الشبكي السائل(، حيث تتراجع الصرامة الهرمية لصالح روابط عقدية مرنة تتأسس عبر فضاءات غير رسمية، سواء كانت رقمية أو حلقات محدودة التأطير. في هذا السياق، لا يتحدد الفعل بقرار مركزي بقدر ما ينبثق من إحساس فردي بالواجب، إذ يتحول الانتماء العقدي إلى محفز مباشر للفعل، ويصبح الفرد وحدة مستقلة قادرة على المبادرة خارج أي بنية تنظيمية كلاسيكية. هذه السيولة لا تعني غياب التنظيم بقدر ما تعني إعادة تشكيله في صورة لا مركزية، تجعل من الانخراط في الفعل الجهادي أو الهجرة نحو بؤر التوتر امتدادا طبيعيا لوعي ذاتي يرى في ذاته فاعلا مكلفا، لا مجرد عنصر داخل جهاز.
في المقابل، تتجسد جماعة الإخوان المسلمين كنموذج للتنظيم الهرمي البيروقراطي، حيث تتأسس العلاقة بين الفرد والتنظيم على منطق الانضباط المؤسسي والتدرج في المسؤوليات، وهو ما يحد من المبادرات الفردية خارج الأطر المحددة. فالفرد داخل هذا النسق لا يتحرك باعتباره ذاتا مستقلة، بل كجزء من منظومة توازن بين الدعوي والسياسي والاجتماعي، وتخضع قراراته الكبرى خاصة تلك المرتبطة بالصراع المسلح أو التحركات العابرة للحدود لتقدير القيادة المركزية. هذا النمط التنظيمي يعكس، في العمق، تموضع الجماعة داخل الحقل السياسي والاجتماعي للدولة، حيث تتقاطع مصالحها مع استقرار البنية التي تعمل داخلها، ما يدفعها إلى تبني سلوك حذر وبراغماتي يتجنب الصدام المفتوح ويفضل التراكم التدريجي.
ينعكس هذا الاختلاف البنيوي بوضوح في الموقف من الدولة الوطنية، إذ تميل السلفية الجهادية إلى تبني تصور جذري ينفي شرعية الدولة الحديثة ويعتبرها بناء مصطنعا يتعارض مع التصور العقدي للانتماء. فالدولة، في هذا الإطار، ليست فقط كيانا سياسيا مرفوضا، بل تمثل عائقا أمام تحقيق نموذج متخيل لـ)الجماعة المؤمنة( العابرة للحدود. ومن ثم، يتشكل وعي يتجاوز الجغرافيا السياسية، حيث يعاد تعريف الانتماء على أساس عقدي صرف، وتختزل الهوية في بعدها الديني المجرد، بما يفضي إلى نمط من الاغتراب الإرادي عن المجتمع المحلي. هذا الاغتراب لاينظر إليه كأزمة، بل كعلامة تميز واصطفاء، تعيد إنتاج الذات في صورة الغريب الذي يحمل مشروعا كونيا يتجاوز الحدود.
أما الإخوان المسلمون، فقد خضعوا لمسار طويل من التوطين داخل الدولة الوطنية، حيث أعادوا صياغة خطابهم وممارساتهم بما يتلاءم مع شروط العمل السياسي الحديث. ورغم احتفاظهم بخطاب رمزي حول وحدة الأمة، إلا أن ممارستهم الفعلية تعكس اندماجا عميقا في البنية الوطنية، سواء عبر المشاركة السياسية أو التفاعل مع مؤسسات الدولة. هذا التحول لا يمكن فهمه فقط كتكتيك، بل يعكس إعادة تشكيل للهوية الجماعية، حيث أصبح الانتماء الوطني إطارا حاكما يعاد من خلاله تأويل المرجعية الإسلامية. وبهذا المعنى، لم تعد الدولة هدفا للهدم، بل مجالا للإصلاح، ولم يعد مشروع الخلافة تصورا عمليا بقدر ما تحول إلى أفق رمزي يؤطر الطموح دون أن يحدد الممارسة.
يتعمق هذا التباين ليكشف عن نمطين مختلفين في تشكل الذات. فالسلفية الجهادية تستقطب، في كثير من الحالات، أفرادا يعيشون توترات هوياتية أو إحساسا بالانفصال عن محيطهم الاجتماعي، ما يجعل الخطاب الجهادي يوفر لهم إطارا تفسيريا يمنح معنى لمعاناتهم ويعيد دمجهم في سردية كبرى تتجاوز واقعهم اليومي. هنا، يتحول الفعل الجهادي إلى أداة لإعادة بناء الذات، حيث تستبدل الهوية الهشة بهوية صلبة قائمة على التضحية والبطولة.
في المقابل، يتميز المنخرط في جماعة الإخوان بكونه جزءا من نسيج اجتماعي مستقر نسبيا، حيث يتقاطع انخراطه التنظيمي مع مسار تعليمي ومهني واضح. هذا الاندماج ينتج تصورا مختلفا للفعل، يقوم على التدرج والبناء بدل القطيعة والانفصال. فالفرد هنا لا يبحث عن معنى خارج المجتمع، بل يسعى لإعادة تشكيله من الداخل، بما ينسجم مع طموحاته الشخصية والجماعية في آن واحد. ومن ثم، فإن خيار الانخراط في العنف العابر للحدود لا ينسجم مع هذا النمط من التنشئة، لأنه يهدد التوازن بين المشروع الفردي والانتماء الجماعي الذي يشكل أساس استقراره.
في ضوء ذلك، يمكن القول إن الاختلاف بين التيارين لا يختزل في المواقف المعلنة، بل يمتد إلى البنى العميقة التي تنتج هذه المواقف، سواء على مستوى التنظيم أو التصور أو التكوين النفسي والاجتماعي. فبينما تنتج السلفية الجهادية ذاتا منفصلة عن الدولة والمجتمع، تسعى إلى إعادة تشكيل العالم عبر القطيعة، ينتج الإخوان المسلمون ذاتا مندمجة، تحاول التغيير من داخل البنية القائمة. وهذا التباين البنيوي هو ما يفسر، في النهاية، اختلاف المسارات والسلوكيات، من الهجرة إلى ساحات الصراع إلى البقاء داخل المجال الوطني والعمل ضمن حدوده.
خاتمة الدراسة
تخلص هذه الدراسة الأكاديمية إلى أن التباين الميداني والحركي بين أبناء السلفية الجهادية وأبناء الحركات الإسلامية التقليدية (الإخوان المسلمون نموذجا) ليس نتاج صدفة أو مجرد اختلاف في درجات التدين، بل هو نتاج تباين جذري في (البنية السوسيولوجية) و(الرؤية السياسية) و(نمط التنشئة التنظيمية) لكل منهما. فبينما تمثل السلفية الجهادية تيارا يقطع مع الدولة والمجتمع والحدود الوطنية لصالح (هوية جهادية معولمة)، تمثل الحركات الإخوانية تيارا اندماجياً”يسعى للإصلاح من داخل المنظومة الوطنية، مما يجعلها أكثر حذرا وبراغماتية في التعامل مع بؤر التوتر.
إن فهم الفروق بين هذه التيارات يتطلب نظرة سوسيولوجية مركبة تبتعد عن التفسيرات الأمنية الضيقة. فالإسلام السياسي (الإخوان) يمثل قوة محافظة في جوهرها، تسعى للاستقرار والتمكين التدريجي، بينما تمثل السلفية الجهادية (قوة ثورية) تسعى للهدم والبناء على الأنقاض. هذا التمييز السوسيولوجي هو المفتاح لفهم لماذا تظل شعارات الخلافة عند البعض(طوباوية سياسية) تخدم أغراض التعبئة المحلية، بينما تتحول عند الآخرين إلى (مشروع جيوسياس) عابر للحدود يترجم إلى جهاد ودماء وصراعات ميدانية.
أخيرا، يمكن القول إن الحركات الإخوانية قد تصالحت مع فكرة الدولة الوطنية، بينما تظل السلفية الجهادية هي التحدي الأكبر لهذه الدولة، لأنها لا تكتفي برفض سياساتها، بل ترفض وجودها من الأساس. وهذا ما يفسر تدفق أبناء الأخيرة نحو بؤر التوتر كفعل هجرة نحو الخلافة الموعودة ، وبقاء أبناء الأولى في أوطانهم كفعل استقرار في الواقع الممكن.
قائمة المراجع
أولا: المراجع العربية
1.بشارة، عزمي (2018). في الإجابة عن سؤال: ما السلفية؟. الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.
2.أبو هنية، حسن (2018). الجهادية العربية: اندماج الأبعاد – النكاية والتمكين بين “الدولة الإسلامية” و”قاعدة الجهاد”. الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.
3.قنصو، وجيه (2015). المشروع الإسلامي وتحديات الحداثة: دراسة في تحولات الخطاب والحركة. بيروت: دار التنوير.
4.الجيران، عبد الرحمن (2024). الدعوة السلفية وعلاقتها بالإخوان المسلمين: دراسة نقدية. الكويت: دار البيان.
5.المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (2016). تنظيم الدولة المكنى “داعش”: إطار عام ومساهمة نقدية في فهم الظاهرة (مجموعة باحثين).
6.سيف الدين، عبد الفتاح (2014). سوسيولوجيا الحركات الإسلامية: دراسة في التعبئة والاحتجاج. القاهرة: دار الفكر العربي.
ثانيا: المراجع الفرنسية (Sources en Français)
1.Amghar, Samir (2011). Le salafisme d’aujourd’hui : Mouvements, ancrages et nouveaux défis. Paris: Michalon.
2.Roy, Olivier (2016). Le Djihad et la Mort. Paris: Seuil.
3.Kepel, Gilles (2000). Jihad : Expansion et déclin de l’islamisme. Paris: Gallimard.
4.Adraoui, Mohamed-Ali (2013). Du Golfe aux banlieues : Le salafisme mondialisé. Paris: PUF.
5.Burgat, François (2005). L’Islamisme à l’heure d’Al-Qaïda. Paris: La Découverte.
6.Amghar, Samir (2008). “Le salafisme en France : de la révolution islamique à la révolution conservatrice”, Critique internationale, n° 40, pp. 95-113.
7.Adraoui, Mohamed-Ali (2018). “Salafisme quiétiste et islamisme. Entre post-islamisme et dépolitisation ?”, SociologieS [En ligne].
8.Haenni, Patrick (2005). L’Islam de marché : L’autre face de la mondialisation islamique. Paris: Le Seuil. (Pour comprendre la sociologie de l’intégration des Frères musulmans).
9.Hecker, Marc (2021). La guerre de vingt ans : Djihadisme et contre-terrorisme au XXIe siècle. Paris: Robert Laffont.
شارك المقال























Leave a Reply