الحسيمة. حين يهاجر الجسد ويبقى القلب معلقا بالوطن

رصد المغرب / فكري ولد علي


ليست الهجرة بالنسبة لشباب الحسيمة مجرد انتقال من مدينة إلى أخرى، أو رحلة بحث عن فرصة عمل وحياة أفضل، بل هي في كثير من الأحيان اقتلاع مؤلم من تفاصيل تشكل معنى الحياة نفسها. يرحلون حاملين فوق أكتافهم أحلاما كبيرة، لكنها مثقلة أيضا بسنوات من الانتظار والضيق وقسوة الظروف، تاركين خلفهم أما تلوّح بالدعاء، وبيتا يحتفظ برائحة الطفولة، وبحرا أزرق كان يمنحهم شيئا من الطمأنينة والانتماء.

شباب الحسيمة لا يغادرون المكان فقط، بل يغادرون جزءا من ذواتهم. ففي الغربة، قد يجد البعض عملا أو استقرارا ماديا، لكنهم يكتشفون سريعا أن المسافات لا تقاس بالكيلومترات وحدها، بل بحجم الحنين الذي يكبر كل يوم. هناك، وسط مدن باردة وإيقاع حياة سريع، تعود إليهم صور الأزقة القديمة، وضجيج المقاهي، ودفء الجلسات العائلية، وصوت الأم الذي كان وحده كفيلا بإطفاء تعب الأيام.

إن أقسى ما في الغربة ليس البعد عن الوطن فحسب، بل الإحساس الدائم بأن الروح ما زالت عالقة هناك، في الحسيمة، بين البحر والجبل، وبين الوجوه التي صنعت الذاكرة الأولى. لذلك، يعيش كثير من أبناء المدينة حياة مزدوجة؛ أجسادهم في المهجر، لكن قلوبهم لا تغادر الوطن أبدا.

ورغم كل ما تمنحه الهجرة من فرص، تبقى الحسيمة بالنسبة لأبنائها أكثر من مجرد مدينة. إنها الحنين الذي لا يهدأ، والجذور التي لا تموت، والحكاية التي يحملها المهاجر معه أينما ذهب.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *