الحكم الفقهي في نازلة تدخين التبغ
الحكم الفقهي في نازلة تدخين التبغ
رصد المغرب/الدكتور عبد الله الجباري
انتشر في الأيام الأخيرة مقطع فيديو للأستاذ حسين مفراح من فقهاء المغرب، سئل فيه عن حكم التدخين، فبيّن أنه قد يكون مباحا وهو الأصل، وقد يكون مكروها أو محرما، ولم يفصل في الفتوى بل اختصرها اختصارا.
وقد عبّر المفتي عن قناعته الفقهية المؤصلة ولم يخضع لديكتاتورية العامة التي اقتنعت بفتوى التحريم وخالَتْها حكما قطعيا مجمعا عليه، وفي المقابل، فإن عامة المتشرعة ــ ومنهم شيوخ ووعاظ وأساتذة ــ لم يقصروا من جهدهم، وانخرطوا في بيان بطلان هذه الفتوى، منهم من رد عليه بأدب وعفة لسان، ومنهم من عمد إلى تسفيهه والسخرية منه والازدراء به، وهذا من سوء الأخلاق، ولو علموا أن الفقه في الغالب ظني، وأغلب أحكامه تتجاذبها الأنظار، ويصعب فيها القطع واليقين، لما تجرأوا على اقتحام عقبة هذا النقاش أصلا، خصوصا أن بضاعة كثير من المناقشين في الفقه وأصوله مزجاة.
وسنناقش في هذا المقام جملة من أدلة هؤلاء المحرمين لبيان قيمتها الفقهية ومكانتها العلمية، حتى يحيى من حيي عن بينة، ويكوّن القارئ صورة عن حِجاج هؤلاء.
أول أدلتهم وأقواها أن التدخين/التبغ خبيث، وكل خبيث حرام.
وهذا الكلام قد ينطلي على كثير من الفقهاء والعلماء والوعاظ، وبالتبع، فإنه سيؤثر لا محالة وسيُقنع العامة الذين يتلقفون ما يصدر عن هؤلاء بالتسليم والإذعان دون أدنى تأمل أو استدراك أو مناقشة، وبعد توارد هذا الكلام منذ عقود، صار كالحكم القطعي المجمع عليه، وهو ليس قطعيا وليس مجمعا عليه.
فما معنى الخبيث؟ وهل كل خبيث حرام؟
قال الله تعالى عن سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم: “ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث”، ومنه قد نفهم حرمة كل الخبائث. فما مفهوم الخبائث؟
قال قوم بأن الخبائث هي ما استخبثه الصحابة دون سواهم، واستخباثهم للشيء هو المعيار لا معيار سواه، قال القرافي: “المراد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ينفر عنه طباعهم، فهو الخبائث، أو يميل إليه، فهو الطيبات، وغيرهم تبع لهم في ذلك، لأنه لو اعتبر كل أحد، فربما يفر زيد مما يميل إليه عمرو، فتتناقض الأحكام”.
وقال قوم: الخبائث كل ما تستخبثه العرب.
وقال قوم: المعيار هو أصحاب النفوس الكريمة في كل عصر، ما استخبثوه هو الخبيث، والمألوف عندهم هو الطيب. وعلق عليه القرافي بقوله: ” وعلى هذا أيضا وإن لم يختص بالصحابة رضي الله عنهم، فغير النفوس الكريمة تبع لهم”.
وقال أبو بكر الجصاص وبدر الدين العيني الحنفيان وغيرهما: الخبائث هي المحرمات.وقال ابن العربي المالكي: “الخبيث في الشريعة عبارةٌ في الأطعمة عن المُحرّم”.
وإذا عمدنا إلى سبر هذه المفاهيم، فإننا لا نتردد في رفض إناطة الخبث والطيب بأصحاب النفوس الكريمة وأصحاب النفوس غير الكريمة، لعسر التمييز بينهما وصعوبته، ولعدم انضباطه، ولا دليل على إناطة ذلك بالصحابة دون سواهم، ولا دليل أيضا على حصره في العرب دون الأمازيغ أو الكرد أو المالاويين أو الأفغان أو غيرهم، وهذا التعدد المفهومي مُوقِعٌ في الاحتمال المبطل للاستدلال، قال القرافي: “إذا كان الخبيث يطلق على معان مختلفة بقي محتملا، فسقط الاستدلال به”.
وإذا أبطلنا الاستدلال بالاستخباث على التحريم، لزم الاستدلال بالتحريم على الاستخباث، وبناء عليه، فكل محرم خبيث، لذلك وصف الله اللواطَ المحرم بالخبث: “ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث”.
والخبائث هي المحرمات الجليّة المنصوص على حرمتها، قال أبو زرعة الرازي: “المستخبث ليس مسكوتا عنه، بل هو منصوص على تحريمه”.
بناء على ما سبق، يتبين لنا أن معيار الاستخباث هو الحرمة، فالحرمة هي الأصل والمعتمد، والاستخباث هو الفرع والنتيجة، وخلاصته: كل محرم خبيث، وليس كل خبيث محرما. بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم استخبث الثوم وصرح بعدم حرمته في نفس الآن، وهذا ما ورد في صحيح مسلم حيث أكل الصحابة من الثوم أكلا شديدا، ولما راحوا إلى المسجد وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ريحها، فقال: من أكل من هذه الشجرة الخبيثة شيئا فلا يقربنا في المسجد، فقال الناس: حُرّمت، حرمت، فبلغ ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إنه ليس بي تحريم ما أحل الله لي، ولكنها شجرة أكره ريحها.
هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم أول الفقهاء وسيد الفقهاء يفرق بين الاستخباث والتحريم، ولا يلصق التحريم بالاستخباث، وكذلك يقول البعض: إن التبغ نبتة نكره ريحها، ولا نحرمها.
ومن جعل كل خبيث حراما فقد قلب السنة وقلب الشرع، وعليه أن يخضع ــ وجوبا ــ إلى سنة الحبيب صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم مع التسليم التام، ومن أصر على العناد في هذه الجزئية فليعلم أنه عبدٌ للهوى وأنه على طرفي نقيض من قوله تعالى: “فلا وربك لا يومنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما”.
وثاني أدلتهم أن في التدخين ضررا، والضرر حرام.
اختلف المحرمون الناقدون لشريط المفتي والناقمون عليه، فمنهم من عمم وقال: كل مُضر حرام، ومنهم من ميز بين ما ضرره محقق وما ضرره غالب أو قليل، ومنهم من ميز بين الضرر الذاتي والضرر المتعدي.
وعموما، فنحن نسلم لهم بهذه القاعدة إن جعلوها مطردة وقالوا بتحريم كل ما يتحقق منه الضرر، ومنه الآتي:
أولا: زواج الصغيرة في عصرنا كله أضرار، ولا نكاد نجد فيه أي مصلحة، وإن وجدت فمرجوحة ومطموسة، وكثير من الناقمين على مبيح التدخين متحمسون للدفاع عن زواج الصغيرة بما فيه من أضرار وأخطار، فلماذا لا يحرمونه للضرر كما يحرمون التدخين للضرر؟
ثانيا: تناول المشروبات الغازية بإجماع الأطباء ومؤسساتهم مُضر بالصحة، وضرره متحقق، وبائعوها ومنتجوها مقرّون بذلك معترفون به، كما أن منتجي التدخين يقرون بأنه مضر وملزمون بكتابة ما يدل على ذلك في علبه، فهل نقول بحرمة المشروبات الغازية بدعوى الضرر؟
ثالثا: قرر الأخصائيون أن تناول الأطعمة الغنية بالسكر هو بمثابة الموت البطيء، ولهذه الأطعمة أضرار جلية واضحة كخطر السمنة والسكري ومرض الكبد الدهني وأمراض القلب والأوعية الدموية، وذكرت منظمة الصحة العالمية أن السكري يعد من الأسباب العشرة الأولى للوفاة في العالم، فهل نقول بحرمة تناول السكر بدعوى الضرر؟
رابعا: للسهر وقلة النوم أضرار متعددة على صحة الإنسان، لذلك تعمد أجهزة الاستخبارات في كثير من الدول التوتاليتارية إلى تعذيب المعتقلين بمنعهم من النوم، ولهذه العادة أضرار على الدماغ والجهاز العصبي وضعف الجهاز المناعي وفشل القلب وغيرها، وتصل أضرارها إلى الجلطة وخطر الموت المبكر، فهل نقول بحرمة السهر بدعوى الضرر؟
خامسا: اتفق الأطباء ومهنيو الصحة على الأضرار المتحققة الناتجة عن استعمال حبوب منع الحمل، وهي أضرار تصل إلى الإصابة بالسرطان، فهل نقول بحرمة حبوب منع الحمل بدعوى الضرر؟
سادسا: يجمع الأطباء ومهنيو الصحة على الأضرار الخطيرة الناجمة عن تناول الأطعمة المعلبة من لحوم وخضر وأسماك، وهذا أشهر من قفا نبك، فهل نقول بحرمة هذه المطعومات التي عمت بها البلوى بدعوى الضرر المسرطن؟
سابعا وثامناوتاسعا وأخيرا: الاستبداد كله أضرار، وأضراره شاملة ماحقة حالقة، بسببه نصل إلى الإضرار بالشعب على مستوى الدين والنفس والعقل والعرض والمال والوطن، وتزوير الانتخابات كله أضرار أيضا، فهل يستطيع محرمو التدخين بداعي الضرر إصدار بيان فقهي يفتي بحرمة الاستبداد وتزوير الانتخابات بدعوى الضرر المتحقق وليس الغالب؟
وهكذا دواليك، هناك كثير من العادات والأشياء لها أضرار محققة ولا نقول بحرمتها، فلماذا لا نتردد في ربط تحريم التدخين بالضرر؟ هل هذا من باب الفقه المجرد والموضوعية؟ أم من باب الانطباع والذاتية؟.
والغريب أن هؤلاء المحرمين مالكية، وهم على علم بأن الإمام مالكا ومذهبه يقولون بإباحة أكل كثير من المتقذرات كالحَيَّة والفأر والضفدع، قال العدوي في حاشيته على شرح الرسالة: “الفأر يكره أكله إنْ أكل النجاسة، وإلا فمباح”. فما هو الأكثر ضررا بالجسم؟ هل التبغ أم الفأر والضفدع؟.
وثالث أدلة المحرمين قياسهم على الثوم:
ذكر بعض المحرمين أن رائحة التدخين مؤذية كإذاية الثوم والبصل، وذكّروا قراءهم بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن مجيء آكليهما إلى المسجد، وهذا فيه تفصيل، منه أن القضية خاصة بأكل كثير [وليس القليل] من الثوم المؤدي إلى الإضرار، وأن أكله لم يكن مطبوخا، ونسوا أن القياس له مخرجات، منها اتحاد حكم المقيس والمقيس عليه، والمقيس عليه الثوم بقي على حليته وإباحته كما قلنا، ولو اعتمدنا قياسهم لقلنا بإباحة التدخين. فتبين بطلان دليلهم أيضا.
رابع أدلة المحرمين أن التدخين من خوارم العدالة:
ادعى بعض المحرمين جرحَ عدالة مستعملي التدخين والمفتي بإباحته، وأن ذلك مما يتنافى مع المروءة، وهذا حكم انطباعي مزاجي لا يذكره العاقل في سياق الاستدلال، وكثير منهم يقول بأن الحسن الثاني رحمه الله كامل المروءة، وأنه إمام زمانه، وولي الأمر في عصره وأوانه، وأنه كامل العدالة لا يعارضها خارم ولا يخالطها ناقض، ويعلمون يقينا أنه كان من المدخنين كما رأوا ذلك عيانا على شاشات التلفاز مرات ومرات، فما هذا التناقض الصادر عنهم؟
ونحن لا نقول بقولهم، ولا نقول بارتباط التدخين بالعدالة أو المروءة، إذ كثير من المدخنين من ذوي المروءة والعدالة، وكثير من العلماء والفقهاء لا مروءة لهم ولا عدالة، وما أكثر انتهازييهم والوصوليين فيهم.
خامس أدلة المحرمين: التدخين مُضر بالمال.
يحلو لبعض المفتين ربط الفتوى بالضرورات الخمس، ومنها حفظ المال، وقد اتكأ على هذا الناقمون على المفتي المذكور، ولست أدري ما يقصدون بإضاعة المال؟ مع العلم أن كثيرا منهم يقيمون الحفلات أو يحضرون الولائم ويتنعمون في “الإسراف” المالي الواقع فيها، فلماذا لا يظهر لهم مقصد “حفظ المال” فيها ويظهر لهم في التدخين فقط؟
وإذا قلنا بأن التدخين حرام لإضاعته المال، فإن الجلوس في المقهى يوميا حرام لمعارضته لمقصد “حفظ المال” أيضا، واللباس الفاخر والأثاث الفاخر والسيارة الفارهة حرام لأنها تتعارض مع “حفظ المال”، وكثرة السفر حرام لأنه مُضر بالمال، وهلم جرا من الأمثلة. لذا كان الكلام عن حفظ المال في هذا السياق شرودا فقهيا.
والمعتمد هنا قولهم: أثبت العرش ثم انقش، وعليه، فالبحث هنا عن حلية التدخين وإباحته أولا، وبعد إثبات ذلك ننتقل إلى الحديث عن حفظ المال، أما اعتبار حفظ المال أصلا نستند إليه في الإباحة أو الحرمة فهو قلب للمسألة، وبيان ذلك في الحالين:
إذا ثبت لدينا تحريم التدخين، آنئذ نقول بأن إنفاق المال فيه متعارض مع مقصد “حفظ المال”، والقول بالعكس هو قلبٌ للاستدلال وجعلُ المقدمة نتيجةً والنتيجة مقدمةً.
إذا ثبت لدينا إباحة التدخين، فإنه بالنسبة للمدخن من الملاذِّ والتحسينيات، والمال جعله الله للإنسان لإنفاقه في مصالح الدين والدنيا، وكل ذلك بمقدار دون إسراف ولا غلو، قال الفقيه الكبير ابن دقيق العيد: “إنفاق المال في مصالح الدنيا وملاذِّ النفس على وجهٍ لا يليق بحال المنفق وقدر ماله، ففي كونه سَفَهاً خلافٌ، والمشهور أنه سفه، وقال بعض الشافعية: ليس بسفه، لأنه يقوِّم به مصالح البدن وملاذّه، وهو غرض صحيح، وظاهر القرآن يمنع من ذلك، والأشهر في مثل هذا أنه مباح، أعني إذا كان الإنفاق في غير معصية، وقد نوزع فيه”. والإنفاق في التدخين المباح ليس سفها باتفاق، والخلاف الذي حكاه ابن دقيق مرتبط بالغلو في الإنفاق وليس في مجرد الإنفاق، لذلك قال: “على وجه لا يليق بحال المنفق وقدر ماله”، أما إذا كان إنفاق المدخن على التدخين متوافقا مع حاله وقدر ماله فلا خلاف في المسألة، وهو ككل مسائل الدنيا، قال الإمام الغزالي رحمه الله: “يعود الحُسن قُبحا بسبب الكثرة، فما كلُّ حسنٍ يحسُن كثيرُه، ولا كل مباح يباح كثيرُه، بل الخبز مباح، والاستكثار منه حرام”، وكذلك التدخين مباح، والاستكثار منه حرام.
ومن أقوال المحرمين أمنيتُهم التي لا علاقة لها بالاستدلال، وإنما هي لدغدغة العواطف والتأثير على العامة، وهي قولهم: لو أن الأئمة الأقدمين الذين قالوا بالإباحة عاشوا في عصرنا واطلعوا على أقوال الأطباء إلخ لقالوا بالحرمة، وهذه مجرد أمنية، والفقه لا يبنى على لو ولعل وليت، بل يرتبط بالدليل كارتباط المعصم باليد، والفقه لا يندرج في خانة ما يطلبه المشاهدون، لذا كان الفقيه ملزما باتباع الدليل وإن أغضب الجمهور، وليس العكس.
وما كرهته في منشورات كثير من الناقمين على فتوى إباحة الدخان، إيغالهم في دغدغة العواطف والتشغيب على العامة، حيث ربطوا بين التدخين والسم والكوكايين والربا والخمر، فتجد أحدهم يقول: إذا قلنا بأن أخذَ القليل من التبغ مباح والإكثار منه هو الحرام، فلنقل بأن أخذ جرعة من الكوكايين مباح دون الإكثار منه، ويقول أحدهم: الدخان كالسم، فهل نقول بإباحة استعمال السم؟ وهكذا.
وهذا لعمري هو العبث الفقهي عينه، وهذا هو التشغيب على القراء، وتأطيرهم بالهراء، لأن التدخين مختلف فيه، أما الكوكايين فحرام قطعا بإجماع، هذا أول الفوارق، وثانيهما: الكوكايين مخدر، والدخان غير مخدر، وهل يجوز القياس مع وجود الفارق؟ أما السم فاحتساؤه حرام بالنص، واحتساؤه قاتل في الحين، وقد ورد في حديث الانتحار: “ومن شرب سما فقتل نفسه فهو يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا”، وجعل الدخان بمثابة السم في مفعوله وحكمه تدليس على القراء أو ضعف في الصناعة الفقهية، والمرجو ممن يتسور باب الإفتاء أن يتقي الله في المتلقي خصوصا في الوجوب والحرمة.
ومن تشغيب الناقمين على المفتي الحسين مفراح ودغدغتهم لعواطف العوام قولهم بأن القائل بالإباحة يشجع الناس على التدخين، وهذا غير صحيح، والربط بين الإباحة والتشجيع غريب مريب، وما فتئ المفتون والفقهاء يقولون بإباحة الطلاق، ولا أحد يشجع عليه، وكثير من المفتين والفقهاء يقولون بإباحة تعدد الزوجات في المغرب، ولا يشجعون عليه بل منهم من يحذر منه، نعم، القول بالندب والاستحباب يستبطن تشجيعا، وهذا ما لم يقله المفتي المذكور.
وإذا تجاوزنا أدلة المحرمين الناقدين الناقمين، بقي التدخين في العموم على أصله، والأصل في الأشياء الإباحة، وإذا تجاوزنا الحكم العام، فإن للتدخين أحكاما خاصة تتغير بتغير الحالات والأشخاص كما قال الحسين مفراح، وكما أن السكَّر الصناعي مباح في الأصل ويحرم على مريض السكري، والملح مباح في الأصل ويكره أو يحرم على مرضى الضغط، فكذلك التدخين مباح في الأصل وقد يحرم أو يكره على بعض المرضى بالقلب والشرايين مثلا، وهنا يتدخل الطبيب ابتداء، ويليه الفقيه في صياغة الفتوى الشرعية، ومثله قول الإمام الغزالي: “العسل من حيث إنه عسل حلال، وإنما حرم لعارض الضرر، وما يكون لعارض لا يلتفت إليه”.
ونقدم للمحرمين دليلين لم يلتفتوا إليهما، يمكنهم استثمارهما لاحقا:
أولهما: حديث: “لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع، ومنها: وعن جسمه فيم أبلاه؟”، ومن الجسم الرئتان، والمدخن مسؤول عنهما هل أرجعهما إلى الله سليمتين أم مريضتين فاسدتين.
ثانيهما: مقصد وجود الإنسان هو الإسهام في عمارة الأرض، “هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها”، والتدخين إتلاف للنفس وإفساد في الأرض وإلقاء بالنفس إلى التهلكة.
وهذان الدليلان رغم أنهما أقوى من أدلة المحرمين، إلا أنهما لا يقويان على إنتاج حكم تحريم الدخان من الأصل، وإنما يُستعملان لإنتاج حكم تحريم المغالاة في التدخين والإسراف فيه، لأنه هو الذي يسهم في إفساد الرئتين وإهلاك النفس والإفساد في الأرض.
وبعد، فالفقه هو الدليل وليس هو الخطاب الإنشائي، وإذا تبين ضعف أدلة المحرمين، تمسكنا بحكم الإباحة في الأصل، ونقول ما قال حجة الإسلام الغزالي: “إذا انكشف الغطاء عن دليل الإباحة فلا نبالي بمن يخالف بعد ظهور الدليل”.
نقول هذا احتراما للفقه وللصناعة الفقهية، وفي نفس الوقت، ندعو إلى التقليل من التدخين ولا نشجع عليه، ونرى كثيرا من حملات التحذير منه مجرد ضحك على الذقون، ويكفي الدولة أن تقوم بإجراء بسيط للتقليل من أضرار التدخين بتضعيف أسعاره والرفع منها، آنئذ سيقلع كثير من المدخنين عن التدخين، وسيُجبر كثير من المدمنين على التقليل منه أو الإقلاع، وما دام أنه في متناول الفقراء والأغنياء على السواء، فالحديث عن أضراره وتحريمه مجرد ملهاة يمكن الاستعاضة عنها بالانخراط الجدي في مناقشة القضايا الحقيقية للأمة، مثل: كيف تتضافر جهودنا لتوقيف التطبيع؟ لأنه حرام شرعا، ومن الخبائث، وله أضرار متحققة. والله الموفق لا رب سواه.
إرسال التعليق