رصد المغرب/ ياسر اروين/صحفي وباحث في العلوم السياسية
صدور حكم بخمس سنوات سجناً نافذاً في حق النقيب والوزير السابق لحقوق الإنسان محمد زيان، اليوم الأربعاء من طرف محكمة الاستئناف بالرباط، يشكل حدثاً قضائياً استثنائياً، لكنه في الوقت نفسه يسلط الضوء على معضلة أكبر، حيث التوتر الحاد بين الدولة المغربية والمجتمع المدني، وانحراف المقاربة الأمنية نحو تغول ممنهج على الحقوق والحريات الأساسية.
فمحمد زيان، الذي لعب دوراً بارزاً في الدفاع عن حقوق الإنسان ومساءلة السلطة، أصبح رمزاً للتحذير من تضييق هام على الأصوات المستقلة والنشطاء السياسيين.
والحكم ضده يأتي في وقت تشهد فيه المملكة موجة متصاعدة من التضييقات: مضايقة الصحافيين المستقلين، مراقبة المدونين والنشطاء على منصات التواصل، واستعمال القانون كأداة للضغط على أي نقد سياسي، وحتى التضييق على الاحتجاجات السلمية. كل ذلك يترجم بيئة قاسية حيث تصبح حرية التعبير مستهدفة بشكل ممنهج.
القضية لا تتعلق فقط بالمال العام أو بتهم محددة، بل تتعلق بالتحكم في الخطاب العام والسيطرة على النقاش السياسي.
فزيان، الذي لطالما طالب بالشفافية والعدالة، يجد نفسه اليوم أمام محاكمة صارمة تعكس تغول المقاربة الأمنية على كل من يحاول التعبير بحرية.
هذا الحكم يرسل رسالة واضحة مفادها، حتى الشخصيات البارزة في المجال السياسي والمدافعة عن حقوق الإنسان ليست بمنأى عن العقاب القضائي، لكن السؤال هو:هل الهدف حماية القانون، أم صون سلطة مهيمنة على الخطاب العام؟
من جهة أخرى، يعكس الحكم أيضاً أزمة أعمق تتعلق بالتصادم بين الالتزام الدولي لحقوق الإنسان والممارسات المحلية. المغرب، فمن جهة، يسعى للظهور كدولة ملتزمة بالمعايير الدولية، ويشارك في مؤتمرات ومبادرات حقوقية دولية، ومن جهة أخرى، يواصل قمع الأصوات المستقلة داخل البلاد، مع تضييق واضح على الصحافيين والمجتمع المدني والنشطاء السياسيين، وهو ما يضع مصداقية النظام الحقوقي على المحك أمام العالم.
إن ما يعيشه المغرب اليوم يعكس نموذجاً مقلقاً للتحكم في الرأي العام، من استخدام المقاربة الأمنية بشكل موسع، القضاء كأداة للردع، والتحكم في منابر الإعلام والصحافة المستقلة، كل ذلك في ظل حديث مستمر عن الإصلاحات والديمقراطية. المواطنون، خصوصاً النشطاء والصحافيون، يجدون أنفسهم في مواجهة يومية مع نظام يفرض قيوداً صارمة على حرية التعبير ويجعل من أي نقد حقيقي مخاطرة كبيرة.
ويشكل الحكم على زيان، اختباراً حقيقياً لاستقلال القضاء المغربي، وقدرته على الموازنة بين تطبيق القانون وحماية الحقوق الأساسية.
لكنه أيضاً دعوة للمجتمع الدولي والمتابعين للشأن المغربي للتساؤل:إلى أي مدى يمكن الحديث عن دولة تحترم حقوق الإنسان وحرية التعبير، في وقت تصدر فيه أحكام صارمة ضد الشخصيات التي طالما دافعت عن هذه الحقوق؟
في النهاية، ما حدث اليوم ليس مجرد قضية فردية، بل مؤشر على واقع متشابك: دولة تسعى لتأكيد سيطرتها، مجتمع مدني يكافح من أجل البقاء، وأصوات مستقلة تواجه التضييق اليومي.
فالحكم على محمد زيان ليس نهاية القصة، بل بداية لتسليط الضوء على أزمة مستمرة في المغرب، حيث حرية التعبير وحقوق الإنسان تبقى في مواجهة مباشرة مع تغول السلطة والمقاربة الأمنية الصارمة.
شارك المقال






















Leave a Reply