آخر الأخبار

السلفية الجهادية في المغرب: النشأة، المسارات، والتحولات (دراسة تحليلية سوسيولوجية وسياسية)

السلفية الجهادية في المغرب: النشأة، المسارات، والتحولات (دراسة تحليلية سوسيولوجية وسياسية)

رصد المغرب/الحيداوي عبد الفتاح باحث في الحركات الاسلامية 

مقدمة

اغلبية الباحثين يعتبرون ظاهرة السلفية الجهادية من أبرز التحديات الأمنية والفكرية التي واجهت وتواجه العديد من الدول، ومن بينها المغرب. فقد شهدت المملكة، على غرار دول أخرى، تحولات في المشهد الديني والسياسي أدت إلى بروز تيارات سلفية مختلفة، تباينت في توجهاتها بين الدعوي والعلمي والحركي، وصولا إلى تبني بعضها للفكر الجهادي العنيف. تتناول هذه الدراسة بالتحليل ظاهرة السلفية الجهادية في المغرب، مسلطة الضوء على نشأتها، مسارات تطورها، وأبرز التحولات التي طرأت عليها، مع التركيز على العوامل الداخلية والخارجية التي أسهمت في تشكيلها.

تكمن إشكالية الدراسة في محاولة الإجابة عن التساؤلات المحورية التالية: كيف تطورت السلفية الجهادية في المغرب من حراك دعوي ذي جذور تاريخية إلى تنظيمات تبنت القتال كوسيلة للتغيير؟ وما هي العوامل السوسيو-اقتصادية والسياسية والفكرية، الداخلية والخارجية، التي صاغت هذا التحول؟ وما هي أبرز المحطات التاريخية التي أثرت في مسارها، لا سيما أحداث 16 مايو 2003 وتداعياتها؟ وكيف تعاملت الدولة المغربية مع هذه الظاهرة، وما هي آفاق مستقبلها في ظل التحولات الإقليمية والدولية؟

تستمد هذه الدراسة أهميتها من كونها تسعى إلى تقديم فهم معمق لظاهرة معقدة ومتشابكة، لها تداعيات أمنية واجتماعية وفكرية خطيرة. ففهم جذور هذه الظاهرة وتطوراتها يساعد في صياغة استراتيجيات فعالة لمكافحة التطرف والإرهاب، ويعزز من القدرة على تحليل التهديدات المستقبلية. كما تبرز أهمية الدراسة في تركيزها على السياق المغربي الخاص، مع الاستفادة من التجارب الإقليمية والدولية.

الفصل الاول الجذور التاريخية والبيئة الفكرية للسلفية في المغرب

لم تكن السلفية في المغرب ظاهرة طارئة أو مستوردة بالكامل، بل لها جذور تاريخية عميقة في النسيج الديني والفكري للمملكة، وتفاعلت مع سياقاتها المحلية عبر مراحل مختلفة . لفهم السلفية الجهادية، لا بد من استعراض هذه الجذور والبيئة الفكرية التي نشأت وتطورت فيها.

السلفية التقليدية في المغرب (من عهد السلطان سيدي محمد بن عبد الله إلى الحركة الوطنية)

تاريخيا، ارتبطت السلفية في المغرب بمفهوم الدفاع عن السنة ومواجهة البدع، وقد تجلى ذلك في فترات مبكرة. فمنذ عهد السلطان سيدي محمد بن عبد الله (القرن الثامن عشر)، الذي عرف بدعمه للتوجه السلفي ومحاربته للبدع، مرورا بفترة الحماية وما قبلها، كان هناك حضور لعلماء ودعاة تبنوا الفكر السلفي التقليدي . وقد سجل التاريخ أن العديد من قادة وأمراء شمال إفريقيا، والمغرب على وجه الخصوص، كانوا يدعمون الاتجاه السلفي، وكان لعلماء المذهب المالكي دور مشهود في الدفاع عن السنة والاتجاه السلفي، بدءا من الإمام مالك نفسه .

خلال فترة الحركة الوطنية، اكتسبت السلفية بعدا إصلاحيا، حيث ربطت بين الإصلاح الديني والتحرر من الاستعمار. فقد ساهمت الحركة السلفية الإصلاحية في المغرب في إحياء الوعي الديني والوطني، ودعت إلى العودة إلى الأصول النقية للإسلام لمواجهة التحديات التي فرضها الاستعمار والتخلف . كانت هذه السلفية، في جوهرها، حركة احتجاجية ضد التطويرات التي طرأت على مستويي الدين العقائدي والتعبدي، وسعت إلى إعادة تقنين الدين وترشيد الأخلاق .

شهدت السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي تحولات فكرية مهمة في المغرب، تأثرت بشكل كبير بانتشار الأفكار الوهابية القادمة من المشرق، والتي وجدت صدى لدى بعض الشرائح، خاصة الشباب. وقد ساهمت هذه الأفكار في تغذية تيار سلفي أكثر تشددا، يختلف عن السلفية التقليدية والإصلاحية التي كانت سائدة . تزامن هذا التأثير مع عوامل داخلية مثل التهميش الاجتماعي والاقتصادي، مما خلق بيئة خصبة لتقبل الأفكار الراديكالية .

لا يمكن الحديث عن السلفية في المغرب ككتلة واحدة متجانسة، بل هي تيار يتكون من عدة تيارات فرعية، لكل منها منهجه وأولوياته . يمكن التمييز بشكل أساسي بين:

السلفية العلمية (أو الهادئة): تركز على الجوانب العلمية والدعوية، وتدعو إلى طاعة السلطان وتجنب الخوض في السياسة. يرى أتباع هذا التيار أن الإصلاح يجب أن يبدأ من الفرد والمجتمع من خلال التعليم والدعوة، وأن الخروج على الحاكم حرام شرعا .

السلفية التقليدية: وهي الأقرب إلى الجذور التاريخية للسلفية في المغرب، وتتميز بالاعتدال والتركيز على الجوانب الفقهية والعقدية، مع الابتعاد عن العنف والتطرف.

السلفية الحركية (أو الأكثر معارضة): ترى ضرورة العمل السياسي والاجتماعي لتغيير الواقع. وقد أوجد هذا الانقسام بيئة تمكن الخطاب الجهادي من إيجاد صدى لدى الأفراد الذين خابت آمالهم في تيارات السلفية الدعوية أو التقليدية . هذا التباين في الرؤى والأولويات دفع ببعض الأفراد إلى تبني الدعوة إلى العمل التغييري بالقوة، خاصة عندما يشعرون أن التيارات التقليدية لا تقدم حلولا فعالة للتحديات التي يواجهونها .

تفاعلت هذه التمايزات مع عوامل داخلية وخارجية لتشكل المشهد السلفي المغربي، الذي شهد لاحقا بروز تيار السلفية الجهادية كشكل أكثر راديكالية وعنفا .

الفصل الثاني: ديناميات نشأة السلفية الجهادية (العوامل والسياقات)

عرفت ظاهرة السلفية الجهادية في المغرب تحولا معقدا من حركة دينية إصلاحية وتقليدية كانت موجودة بالفعل في المشهد المغربي. لم يكن هذا التحول وليد الصدفة، بل هو نتاج تضافر مجموعة من العوامل الداخلية والخارجية التي أسهمت في تحويل هذه الحركة من مجرد تيار ديني إلى قوة تدعو إلى الجهاد المسلح .

العوامل الداخلية (التهميش السوسيو-اقتصادي، القمع السياسي، وغياب القنوات التعبيرية)

ساهمت مجموعة من العوامل الداخلية في المغرب في تهيئة بيئة خصبة لنمو التيارات الثورية، بما في ذلك السلفية الجهادية. ويمكن إيجاز هذه العوامل فيما يلي:

1.السياق الاقتصادي والاجتماعي:يمكن القول ان التهميش الاقتصادي والاجتماعي أحد أبرز العوامل الداخلية التي دفعت ببعض الأفراد نحو البحث عن حلول جذرية لمشاكلهم. فالفقر المتفشي، وارتفاع معدلات البطالة، خاصة بين فئة الشباب، بالإضافة إلى التفاوتات الاجتماعية الصارخة والشعور العميق بالتهميش، كلها عوامل دفعت ببعض الأفراد نحو تبني خطابات راديكالية. في ظل هذه الظروف المعيشية الصعبة، التي تتسم بنقص الفرص الاقتصادية والاجتماعية، خلق ذلك حالة من اليأس والإحباط لدى شرائح واسعة من المجتمع . يصبح الخطاب الجهادي، الذي يدعو إلى تغيير جذري وشامل، جذابا لبعض الأفراد الذين يشعرون بأنهم لا يملكون شيئا ليخسروه. وقد أشارت دراسات عديدة إلى أن الشباب الذين يعانون من البطالة والتهميش هم الأكثر عرضة للتأثر بالخطابات الجهادية التي تقدم لهم رؤية بديلة للمستقبل.

2.القمع السياسي وغياب قنوات التعبير: يعد تضييق الخناق على الحركات الإسلامية القانونية وإغلاق المجال السياسي عاملا محوريا دفع ببعض العناصر إلى تبني مسارات سرية وعنيفة. فعندما تغلق قنوات المشاركة السياسية والتعبير السلمي أمام المطالب المشروعة، تزداد جاذبية الخطابات الراديكالية التي تدعو إلى العمل المباشر والجذري ضد النظام القائم . لم يقتصر هذا القمع على الاعتقالات والملاحقات الأمنية، بل امتد ليشمل تضييق مساحات العمل الدعوي والاجتماعي للحركات الإسلامية المعتدلة، مما يترك فراغا تستغله التيارات الجهادية. وقد شهد المغرب موجة واسعة من الاعتقالات طالت الآلاف من الأشخاص المحسوبين على تيار السلفية الجهادية، وصدرت في حقهم أحكام قاسية، مما أدى إلى تفاقم الشعور بالظلم والقمع . هذا الوضع يدفع ببعض الأفراد، الذين يرون أن جميع السبل السلمية قد أغلقت في وجوههم، إلى الاعتقاد بأن العنف هو السبيل الوحيد لتحقيق التغيير المنشود .

3.التمايزات داخل السلفية: كما ذكر في الفصل الأول، فإن السلفية ليست تيارا متجانسا، بل تتكون من تيارات فرعية مختلفة. وقد أدت الاختلافات والتوترات الجوهرية بين هذه التيارات إلى خلق ثغرات سمحت للخطاب الجهادي بالتسلل والانتشار . هذا الانقسام أوجد بيئة تمكن الخطاب الجهادي من إيجاد صدى لدى الأفراد الذين خابت آمالهم في تيارات السلفية الدعوية أو التقليدية .

 العوامل الخارجية (الأفغان العرب، حرب العراق، وتأثير المنظرين المشارقة كأبي محمد المقدسي وسيد قطب)

لم تتشكل السلفية الجهادية المغربية في فراغ اجتماعي أو فكري معزول، بل تفاعلت منذ بداياتها مع سياقات إقليمية ودولية أوسع، جعلتها جزءا من ظاهرة جهادية عابرة للحدود. فقد كان لتدفق الأفكار والتنظيرات القادمة من المشرق العربي، وللتجارب القتالية في بؤر الصراع، أثر بالغ في إعادة صياغة التصورات العقدية والسياسية لدى فئات من الشباب المغربي. هذا التفاعل لم يكن مجرد انتقال أفكار، بل عملية إعادة تأويل مستمرة، حيث تمت مواءمة الخطاب الجهادي العالمي مع الخصوصيات المحلية، مما منح الظاهرة طابعا مركبا يجمع بين المرجعية الخارجية والواقع الداخلي.

ساهمت الأدبيات الجهادية المنتشرة عالميا في توفير بنية مفاهيمية جاهزة، تقدم تفسيرا شاملا للأزمات التي يعيشها العالم الإسلامي. في هذا السياق، برزت كتابات سيد قطب، خاصة (معالم في الطريق)، بوصفها نصا مركزيا في إعادة تعريف العلاقة بين الفرد والمجتمع والدولة. إذ لم تقتصر أطروحات قطب على نقد الواقع، بل قدمت رؤية ثنائية حادة تفصل بين مجتمع إسلامي مثالي ومجتمع جاهلي منحرف، وهي رؤية حملت شحنة رمزية قوية استثمرها الخطاب الجهادي لاحقا في بناء تصور صراعي للعالم. هذه القراءة القطبية، حين انتقلت إلى السياق المغربي، لم تستقبل بوصفها تنظيرا فكريا مجردا، بل كإطار يفسر الإحباطات السياسية والاجتماعية، ويمنحها معنى عقديا يربط بين الاختلالات الداخلية ومقولات الهيمنة والاغتراب.

إلى جانب ذلك، لعبت كتابات أبي محمد المقدسي دورا محوريا في تأصيل مفاهيم أكثر صرامة، خاصة ما يتعلق بقضايا الولاء والبراء، الحاكمية، والتكفير. فقد أعادت هذه الأدبيات صياغة مفهوم الجهاد من كونه خيارا ظرفيا إلى كونه التزاما دائما، وربطته بفكرة الهجرة إلى (أرض الجهاد) باعتبارها فضاء نقيا تتجسد فيه الهوية الدينية في صورتها الصراعية. هذا التحول المفاهيمي لم يكن بسيطا، إذ أسهم في نقل الجهاد من دائرة الدفاع إلى دائرة الفعل التغييري، حيث يصبح العنف وسيلة مشروعة لإعادة ترتيب المجال السياسي والاجتماعي. ومع انتشار هذه الكتابات عبر الشبكات غير الرسمية والفضاء الرقمي، أصبح الوصول إليها متاحا لفئات واسعة، ما أدى إلى نشوء نوع من (التنشئة الأيديولوجية غير المؤطرة)، القائمة على القراءة الانتقائية والتلقي غير النقدي.

كان للإنترنت دور حاسم في هذه العملية، إذ لم يعد الخطاب الجهادي محكوما بالوسائط التقليدية أو الدوائر المغلقة. فقد وفر الفضاء الرقمي بيئة خصبة لتداول النصوص، الخطب، والمواد الدعائية، مما أتاح تشكل مجتمعات افتراضية قائمة على التماهي الرمزي مع ساحات الصراع. هذا التحول أضعف الحدود بين المحلي والعالمي، وجعل الانتماء الأيديولوجي يتجاوز الإطار الجغرافي. كما ساهم في إنتاج حالة من “القرب النفسي” من مناطق النزاع، حيث يُعاد تمثيل الحرب بوصفها تجربة وجودية ومعنى أخلاقي، لا مجرد حدث سياسي بعيد.

أما الصراعات الإقليمية والدولية، فقد مثلت مختبرا عمليا لترسيخ هذه التصورات النظرية. شكلت أفغانستان، منذ الثمانينيات، نقطة جذب مركزية، ليس فقط بوصفها ساحة قتال، بل فضاء رمزيا أعاد تعريف الهوية الجهادية العالمية. هناك تبلورت شبكات عابرة للجنسيات، وتكونت خبرات قتالية وتنظيمية انتقلت لاحقا إلى سياقات متعددة، من بينها المغرب. لم تكن التجربة الأفغانية مجرد محطة عسكرية، بل تجربة تكوينية أعادت تشكيل الوعي، حيث امتزج البعد العقدي بالخبرة القتالية، وتداخلت فكرة الأمة مع منطق التنظيم العابر للحدود.

وتكرر هذا النمط مع حرب العراق بعد 2003، التي أعادت إنتاج الديناميات نفسها ولكن في سياق أكثر تعقيدا. فقد مثل العراق فضاء مثاليا لخطاب المظلومية والاحتلال، وأصبح نقطة التقاء بين التنظير الأيديولوجي والممارسة العنيفة. ومع صعود تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين ثم تنظيم الدولة الإسلامية، دخل الخطاب الجهادي مرحلة أكثر راديكالية، اتسمت بتصاعد النزعة التكفيرية وتوسيع دائرة العنف. هذا التحول انعكس بدوره على مسارات بعض الجهاديين المغاربة، سواء من خلال المشاركة المباشرة أو عبر التفاعل الرمزي والإعلامي.

وفي مرحلة لاحقة، شكلت الحرب في سوريا امتدادا لهذه الديناميات، حيث تحولت إلى بؤرة مركزية للتعبئة والتجنيد. لم تعد المشاركة في القتال مرتبطة فقط بالمسارات التنظيمية التقليدية، بل أصبحت نتاجا لتشابك معقد بين الخطاب الأيديولوجي، الوسائط الرقمية، وشبكات العلاقات غير الرسمية. وقد أسهمت هذه التجارب القتالية في إنتاج جيل يمتلك خبرة مزدوجة: خبرة فكرية قائمة على التنظير الجهادي، وخبرة عملية قائمة على الاحتكاك المباشر بالعنف والتنظيمات المسلحة.

إن أثر هذه العوامل الخارجية لا يختزل في انتقال الأفراد أو الأفكار فحسب، بل يتجلى في إعادة تشكيل البنية الإدراكية للحركة الجهادية المحلية. فالمقاتلون العائدون، أو حتى أولئك الذين ظلوا مرتبطين بالشبكات الجهادية عن بعد، لعبوا دورا مركزيا في نقل الخبرة والمعنى. لقد ساهموا في ترسيخ سرديات جديدة، تعيد تفسير الواقع المحلي ضمن أطر عالمية، وتمنح العنف شرعية رمزية مستمدة من التجربة القتالية. وهكذا، تداخل المحلي بالعالمي، وأصبحت السلفية الجهادية المغربية نتاجا لتفاعل مستمر بين السياقات الداخلية وموجات التأثير الخارجي، في دينامية معقدة يصعب فهمها خارج هذا الترابط البنيوي بين الفكر، الشبكات، وساحات الصراع.

 دور الوسائط الرقمية والشبكات غير الرسمية في التجنيد

لعبت الوسائط الرقمية، وخاصة الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، دورا حاسما في انتشار الفكر الجهادي وتجنيد عناصر جديدة في المغرب. فقد أتاحت هذه المنصات للمنظمات الجهادية تجاوز الحدود الجغرافية والوصول إلى جمهور واسع من الشباب، وتقديم خطابها بطرق جذابة ومؤثرة .

1.الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي: أصبحت هذه المنصات أدوات رئيسية لنشر المواد الدعائية، مثل مقاطع الفيديو عالية الجودة التي تصور العمليات العسكرية والخطب الحماسية لقادتهم، والمجلات الإلكترونية التي تبرر أعمالهم وتنشر أفكارهم . وقد تمكنت تنظيمات مثل القاعدة وداعش من الوصول إلى جمهور واسع من الشباب في المغرب وخارجه، مما ساهم في تجنيد )ذئاب منفردة( أو خلايا نائمة، وهو ما لم يكن ممكنا في السابق .

2.الشبكات غير الرسمية والدعاة المحليون: على الرغم من غياب قيادة محلية منظمة وقوية للسلفية الجهادية في المغرب، إلا أن دور بعض الدعاة والشخصيات الكاريزمية المحلية لا يمكن إغفاله في نشر الأفكار الجهادية . هؤلاء الدعاة، سواء كانوا معروفين على نطاق واسع أو يعملون في دوائر غير رسمية ومساجد غير خاضعة للرقابة الحكومية، لعبوا دوراً حاسماً كحلقة وصل بين الأيديولوجيات الجهادية القادمة من الخارج والسياق المحلي المغربي . لقد قاموا بتكييف هذه الأفكار، أو في بعض الأحيان نقلها بحرفيتها، لتتناسب مع الظروف المحلية، واستقطبوا أتباعاً كثر. كان تأثير هؤلاء الدعاة غالباً ما يكون شخصياً ومباشراً، ويعتمد على الكاريزما والقدرة على إقناع الأفراد بضرورة تبني المنهج الجهادي . وقد استغلوا المساحات غير الرسمية، مثل حلقات الدروس في المنازل أو المساجد الصغيرة، لنشر أفكارهم بعيدا عن أعين الرقابة الرسمية .

لقد أدى تضافر هذه العوامل الداخلية والخارجية، من انتشار الأيديولوجيات الجهادية العابرة للحدود، مرورا بالصراعات الإقليمية والدولية التي شكلت حاضنة للمقاتلين، وصولا إلى صعود تنظيمات مثل القاعدة وداعش التي قدمت نموذجا تنظيميا ودعويا جذابا، إلى خلق بيئة مواتية بشكل استثنائي لظهور تيار سلفي جهادي في المغرب . لم يكن هذا التيار مجرد امتداد للفكر السلفي التقليدي، بل تميز بتبنيه الصريح للجهاد المسلح كوسيلة للتغيير، وبانفتاحه الكبير على التأثيرات الأيديولوجية والعملياتية القادمة من الخارج . لم يعد الجهاد مجرد مفهوم نظري، بل أصبح مشروعا عمليا يسعى هؤلاء الأفراد والجماعات إلى تحقيقه. وقد بلغ هذا الظهور ذروته مع هجمات الدار البيضاء المروعة عام 2003 .

الفصل الثالث: محطات التحول الكبرى: أحداث 16 مايو 2003 وما بعدها

شكلت هجمات 16 مايو 2003 في الدار البيضاء، العاصمة الاقتصادية للمغرب، نقطة تحول حاسمة في تاريخ السلفية الجهادية في المغرب، وفي تصور الدولة المغربية للتهديد الإرهابي الذي يواجهها، واستراتيجياتها لمكافحة الإرهاب وإدارة هذه الأزمة المتنامية .

 قراءة سوسيولوجية في تفجيرات الدار البيضاء (المنفذون، الأهداف، والرمزية)

. لم تكن هجمات الدار البيضاء حدثا أمنيا معزولا يمكن احتواؤه ضمن خانة (الحوادث العابرة)، بل شكلت لحظة فاصلة في الوعي الجمعي المغربي، إذ بدت كصدمة عنيفة هزت المجتمع والدولة معا، وكشفت عن واقع كان يتحرك بصمت تحت السطح. فقد أظهرت تلك العمليات أن الفكر الجهادي لم يكن مجرد خطاب هامشي أو حالات فردية متناثرة، وإنما بنية فكرية وتنظيمية قادرة على التحول إلى عنف منظم، وعلى إنتاج فعل إرهابي مركب داخل المجال الوطني نفسه.

الهجمات، التي نفذت بشكل متزامن ومنسق، حملت دلالات تتجاوز الفعل العملياتي إلى مستوى الرسالة الرمزية. فاختيار التوقيت وآلية التنفيذ أبرزا درجة من التخطيط والانضباط التنظيمي، ما دل على أن الأمر لم يكن رد فعل عفويا أو اندفاعا انتحاريا غير مدروس، بل نتيجة عمل خلايا استطاعت أن تنشأ وتتحرك في الخفاء. عدد الضحايا وحجم الإصابات لم يعكسا فقط مأساة إنسانية، بل رسخا أثرا نفسيا عميقا، حيث وجد المجتمع نفسه أمام عنف داخلي غير مسبوق، صادر عن شبان مغاربة، نشؤوا داخل البيئة الاجتماعية نفسها التي استهدفتها العمليات.

انتماء المنفذين إلى أحياء شعبية وهامشية فتح بابا واسعا للتساؤل. لم يعد بالإمكان تفسير الظاهرة بمنطق الاختراق الخارجي وحده، لأن ما تكشف كان أقرب إلى دينامية تجنيد وتلقين محلية. هذا المعطى أزاح النقاش من دائرة الأمن الصرف إلى فضاءات أوسع: فضاء الاجتماع، والثقافة، والدين، والاقتصاد. فقد بدا أن التهميش الاجتماعي، والهشاشة الاقتصادية، والإحباط الوجودي، ليست مجرد ظروف محيطة، بل عوامل تفاعل مع خطاب أيديولوجي يمنح المعاناة معنى، ويحول الإقصاء إلى سردية صراع كوني. في هذا السياق، يصبح الشاب المهمش أكثر قابلية لتبني رؤية ثنائية للعالم، رؤية تختزل الواقع في معادلات (نحن) و(هم)، الإيمان والكفر، الطهر والفساد.

الهجمات كشفت أيضا عن قدرة الخلايا الجهادية على العمل داخل المساحات الرمادية للمجتمع، حيث تتقاطع الروابط الاجتماعية مع شبكات الدعوة والتأثير. فالخلايا لم تظهر كتنظيم هرمي تقليدي يسهل رصده، بل كشبكات مرنة تستفيد من القرب الاجتماعي، ومن الثقة المتبادلة، ومن أشكال التدين الشعبي. هذه المرونة التنظيمية تجعل التفكيك الأمني أكثر تعقيدا، لأن الخطر لا يتمثل في بنية واضحة فقط، بل في قدرة الأفكار على الانتشار والتكاثر وإعادة التشكل.

أما الأهداف التي تم استهدافها، فقد حملت بدورها رسائل مكثفة. لم تكن المواقع عشوائية، بل اختيرت بعناية لتعظيم الأثر النفسي والإعلامي. ضرب فضاءات تمثل الانفتاح، والسياحة، والتعدد الثقافي والديني، والعلاقات الدولية، يعكس طبيعة الرؤية الجهادية التي ترى في هذه الرموز تجسيدا لـ(العدو) بمفهومه الواسع. فالفندق الفاخر، والمطعم الأجنبي، والمركز اليهودي، والمرفق الدبلوماسي، كلها تتحول في المخيال الجهادي إلى علامات على عالم ينظر إليه باعتباره فضاء للهيمنة أو الفساد أو الاغتراب الحضاري. بهذا المعنى، يصبح العنف وسيلة لإعادة تعريف المجال العام، ومحاولة لفرض قراءة أيديولوجية أحادية للواقع.

الدلالة الأعمق للهجمات تكمن في أنها كشفت عن صراع خفي حول المعنى والهوية. فالفكر الجهادي لا يتحرك فقط بدافع سياسي مباشر، بل يستند إلى منظومة تأويلية تعيد صياغة العالم وفق سردية خلاصية. الجهاد هنا ليس مجرد أداة، بل فعل رمزي يسعى إلى إحداث قطيعة مع الواقع، وإلى خلق صدمة تعيد ترتيب الإدراك الجماعي. لذلك كان الأثر الإعلامي والنفسي جزءا من بنية العملية نفسها، لا نتيجة جانبية لها.

هذه اللحظة المفصلية دفعت الدولة والمجتمع إلى إعادة تقييم المقاربات. لم يعد النقاش مقتصرًا على التدابير الأمنية، بل امتد إلى سؤال الوقاية الفكرية والثقافية. كيف يمكن مواجهة خطاب يمتلك قدرة على الإقناع والتجنيد؟ وكيف يمكن معالجة الشروط الاجتماعية التي توفر بيئة خصبة للانتشار؟ لقد بدا واضحا أن المواجهة مع التطرف ليست أمنية فقط، بل معركة طويلة داخل فضاء المعنى، حيث تتداخل التربية الدينية، والخطاب الثقافي، والسياسات الاجتماعية، وآليات الإدماج.

في المحصلة، يمكن فهم هجمات الدار البيضاء باعتبارها مرآة عكست هشاشات متعددة: هشاشة اجتماعية، وهشاشة فكرية، وهشاشة في تقدير المخاطر. لكنها في الوقت ذاته كشفت عن ضرورة قراءة الظاهرة بمنظور مركب، يتجاوز التفسير الأحادي. فالتطرف لا يولد في فراغ، والعنف لا ينفصل عن البنية الفكرية التي تشرعنه. وبين الفكرة والفعل، وبين الهامش والمركز، تتشكل مسارات معقدة تجعل من مثل هذه الأحداث لحظات كاشفة أكثر من كونها مجرد وقائع عابرة في سجل التاريخ الأمني.

 ردود فعل الدولة: المقاربة الأمنية، قانون الإرهاب، وإعادة هيكلة الحقل الديني

أحدثت هجمات الدار البيضاء تحولا عميقا في طريقة تعاطي الدولة المغربية مع ملف التطرف العنيف، إذ لم تقرأ تلك الأحداث باعتبارها مجرد تهديد أمني عابر، بل كصدمة وطنية كشفت هشاشة متعددة المستويات: أمنية، فكرية، اجتماعية، وحتى مؤسساتية. فمنذ اللحظة الأولى، اتجهت السلطات نحو إعادة تقييم شاملة لاستراتيجياتها، واضعة الأمن في الواجهة، لكن دون الاكتفاء به كحل منفرد.

على المستوى الأمني، بدا واضحا أن الدولة اختارت مقاربة صارمة وسريعة الإيقاع. تم تعزيز البنية الأمنية والاستخباراتية، ليس فقط عبر رفع الجاهزية العملياتية، بل من خلال تحديث أدوات الرصد والتحليل الاستباقي. توسعت دائرة التنسيق بين الأجهزة، وتكثف التعاون الدولي، خاصة في تبادل المعلومات والخبرات المتعلقة بالشبكات العابرة للحدود. وقد جاءت هذه الإجراءات في سياق إدراك أن التهديد الإرهابي لم يعد محليا صرفا، بل جزءا من ظاهرة عالمية تتغذى من شبكات أيديولوجية وتنظيمية معقدة.

ضمن هذا المسار، تم اعتماد إطار قانوني أكثر تشددا في مجال مكافحة الإرهاب. منح القانون الجديد للدولة أدوات واسعة للتدخل المبكر، مثل الاحتجازات المطولة والاعتقالات الوقائية وتشديد العقوبات. ومن منظور الدولة، كان الهدف هو سد الثغرات القانونية التي قد تستغلها الجماعات الجهادية. غير أن هذه الصرامة القانونية فتحت بدورها نقاشا حقوقيا وأخلاقيا حول التوازن الدقيق بين متطلبات الأمن وضمانات العدالة، خاصة في ما يتعلق بمخاطر التوسع في الاشتباه أو التأويل الواسع لمفهوم (التهديد الإرهابي). فقد أظهرت التجربة أن التشدد القانوني، رغم ضرورته في ظروف معينة، قد يثير أسئلة حساسة حول الحريات الفردية ومبادئ المحاكمة العادلة.

غير أن التحول الأكثر دلالة لم يكن أمنيا فقط، بل تمثل في إدراك الدولة أن المواجهة مع التطرف هي أيضا معركة فكرية ورمزية. فقد أطلقت مراجعة واسعة للحقل الديني، انطلاقا من قناعة مفادها أن الفراغات التأطيرية والهشاشة المعرفية يمكن أن تشكل بيئة خصبة لانتشار الخطابات المتشددة. في هذا الإطار، جرى تعزيز نموذج ديني رسمي يقوم على المرجعية المالكية والعقيدة الأشعرية والتصوف السني، مع إبراز دور المؤسسة الملكية باعتبارها الضامن لوحدة المرجعية الدينية. لم يكن الأمر مجرد إعادة تنظيم إداري، بل محاولة لإعادة بناء المجال الديني كفضاء مضبوط ومؤطر.

تجلت هذه المقاربة في برامج متعددة، أبرزها إعادة هيكلة مؤسسات الإفتاء والتأطير، وتوسيع برامج تكوين الأئمة والمرشدين والمرشدات، وتحديث محتوى الخطاب الديني ليكون أكثر انسجاما مع التحولات الاجتماعية. كما سعت الدولة إلى ضبط الفضاءات الدينية غير الرسمية، والحد من انتشار الخطابات غير المؤطرة، خصوصا تلك التي تتغذى من مصادر خارجية أو قراءات متشددة للنصوص. وقد عكست هذه السياسة وعيا بأن التطرف لا ينشأ فقط من نصوص أو أفكار، بل من سياقات اجتماعية ونفسية وشعور بالاغتراب أو الإقصاء.

في السياق ذاته، اتسع النقاش حول الأسباب البنيوية للتطرف. لم يعد الحديث مقتصرا على البعد الأمني أو الديني، بل شمل عوامل اجتماعية واقتصادية وثقافية، مثل الهشاشة الاجتماعية، البطالة، الإحساس بالظلم، وأزمات الهوية. هذا التحول في الخطاب الرسمي يعكس فهما أكثر تعقيدا للظاهرة، حيث ينظر إلى التطرف كنتاج لتفاعلات متعددة، لا كاختيار أيديولوجي معزول. فالفكر المتشدد يجد موطئ قدمه غالبا في بيئات يسود فيها الإحباط وفقدان الثقة في المؤسسات.

لقد أظهرت التجربة المغربية أن المقاربة الأمنية، رغم فعاليتها في تفكيك الشبكات ومنع الهجمات، لا يمكن أن تكون مستدامة دون سند فكري واجتماعي. فالأمن يحد من النتائج، لكنه لا يعالج بالضرورة الجذور. ومن هنا برزت أهمية الاستثمار في إعادة التأطير الديني، والوقاية الفكرية، وبرامج الإدماج وإعادة التأهيل، خاصة داخل المؤسسات السجنية. فالتحدي الحقيقي لا يكمن فقط في منع العنف، بل في تفكيك المنظومات الفكرية التي تبرره وتمنحه شرعية رمزية.

وهكذا، يمكن القول إن هجمات الدار البيضاء لم تنتج مجرد استجابة ظرفية، بل ساهمت في إعادة تشكيل فلسفة الدولة في التعامل مع التطرف، عبر الجمع بين الصرامة الأمنية وإعادة البناء الرمزي للحقل الديني، ضمن تصور يعتبر أن الاستقرار ليس مسألة ضبط أمني فقط، بل عملية مركبة تشمل الفكر، والهوية، والثقة الاجتماعية. هذه الدينامية، بكل ما تحمله من تعقيدات وأسئلة، تعكس تحولا في فهم الدولة لطبيعة التهديدات المعاصرة، حيث تتداخل الحدود بين الأمني والفكري والاجتماعي في معادلة واحدة.

.

 تحولات السلفية الجهادية بعد 2003 (من التنظيم إلى “الذئاب المنفردة” والارتباط بداعش والقاعدة)

لم تكن هجمات 2003 مجرد حدث أمني عابر في السياق المغربي، بل شكلت منعطفا بنيويا أعاد تشكيل ملامح السلفية الجهادية ومساراتها. فقد كشفت تلك الهجمات عن وجود تهديد لم يعد محصورا في دوائر ضيقة أو شبكات محدودة، وإنما ظاهرة قادرة على التحول والتكيف تحت ضغط الدولة والمجتمع. غير أن المفارقة الأساسية تمثلت في أن المقاربة الأمنية الصارمة، رغم نجاحها في تفكيك عدد كبير من الخلايا والتنظيمات، أسهمت  بشكل غير مباشر  في إعادة إنتاج الظاهرة في صيغ أكثر سيولة وتعقيدا.

لقد أدى تفكيك الهياكل التنظيمية التقليدية إلى إضعاف البنى الهرمية التي كانت تمنح الحركة قدرا من المركزية والانضباط، لكنه في المقابل دفعها نحو السرية والتجزئة. ومع تراجع التنظيمات الكبيرة، ظهرت خلايا صغيرة مستقلة وأفراد يتحركون خارج الأطر التنظيمية الصلبة، وهو ما بات يوصف بظاهرة (الذئاب المنفردة). هذا النمط الجديد لم يكن مجرد تطور تكتيكي، بل تعبير عن تحول أعمق في طبيعة الفعل الجهادي، حيث أصبحت المرونة واللامركزية وسيلتين للبقاء. فكلما ضاقت المساحات أمام التنظيمات، اتسعت أمام الأفراد، وكلما انهارت الشبكات، برزت المبادرات الفردية التي يصعب التنبؤ بها أو اختراقها.

وفي هذا السياق، تحولت البيئة السجنية إلى فضاء بالغ الحساسية في إعادة تشكيل القناعات والولاءات. فالسجن لم يعد فقط مؤسسة للعقاب أو الاحتواء، بل صار مجالا لإعادة إنتاج الخطاب الأيديولوجي وتفاعلاته. داخل هذا الفضاء المغلق، تفاقمت الخلافات الفكرية، وبرزت انقسامات جديدة لم تكن بنفس الحدة خارج الأسوار. ومع صعود تنظيم الدولة الإسلامية وما رافقه من زخم رمزي وإعلامي، ظهرت ولاءات جديدة بين بعض السجناء، في مقابل استمرار تيارات أخرى في التمسك بخط القاعدة أو مراجعات فكرية مختلفة. هكذا أصبحت السجون مرايا مكثفة للتحولات الأيديولوجية التي يشهدها الحقل الجهادي، بما تحمله من تنافس رمزي وصراع على الشرعية والتأثير.

بالتوازي مع ذلك، لعب صعود التنظيمات الجهادية العابرة للحدود دورا حاسما في إعادة توجيه المخيال الجهادي لدى جزء من الشباب المغربي. فقد لم يعد الانتماء محكوما بسياق محلي أو قضية وطنية محددة، بل اتجه نحو أفق كوني يتجاوز الحدود. القاعدة ثم داعش قدمتا نموذجا مختلفا للانتماء، حيث يتم استبدال الهوية الوطنية بهوية عابرة للدول، واستبدال الصراع المحلي بسردية (الجهاد العالمي). هذه التنظيمات لم تفرض حضورها فقط عبر القوة العسكرية، بل عبر قدرتها على إنتاج خطاب تعبوي شديد الجاذبية، يوظف الرموز الدينية والمظلومية السياسية والاحتراف الإعلامي. لقد قدمت للشباب رؤية شمولية تمنح معنى للانخراط، وتعد ببطولة رمزية ومكانة متخيلة، وتعرض نموذجا تنظيميا يبدو  في ظاهره  أكثر تماسكا وانضباطا.

ومن هنا يمكن فهم الكيفية التي ملأت بها هذه التنظيمات فراغا أيديولوجيا لدى بعض الفئات. فالشباب الذي يعاني من هشاشة اجتماعية أو اغتراب فكري يجد في هذه السرديات إجابات جاهزة وهوية بديلة ومشروعا كليا يفسر العالم. إن الجاذبية هنا ليست فقط أيديولوجية، بل نفسية ورمزية أيضا حيث يتحول الانتماء إلى فعل استعادة للمعنى والكرامة والفاعلية.

غير أن هذا المسار يطرح تحديا بالغ التعقيد مع بروز ملف العائدين من بؤر التوتر. فهؤلاء الأفراد لا يعودون فقط بخبرة قتالية، بل بحمولة فكرية ونفسية تشكلت في بيئات عنف قصوى. إن التعامل مع هذه الفئة يتجاوز البعد الأمني الضيق، لأنه يرتبط بسؤال أعمق حول إمكانات إعادة الإدماج والتحول الفكري. فالعائد قد يمثل تهديدا محتملا إذا ظل أسير القناعات السابقة، لكنه قد يتحول أيضا إلى نموذج مضاد إذا خضع لمسارات مراجعة وإعادة تأهيل ناجحة. هنا تتقاطع الاعتبارات الأمنية مع الاجتماعية والنفسية والدينية، وتصبح المقاربة المتعددة الأبعاد ضرورة لا خيارا.

إن التجربة المغربية، في هذا الإطار، تكشف أن الظاهرة الجهادية ليست كيانا جامدا يمكن استئصاله عبر أدوات أحادية، بل دينامية متحركة تتفاعل مع الضغوط والسياقات. فكل تدخل أمني يولد اثارا جانبية، وكل تفكيك تنظيمي يفتح احتمالات جديدة، وكل تحول عالمي يعيد تشكيل المحلي. ومن ثم، فإن فهم هذه التحولات يقتضي تجاوز القراءة الخطية البسيطة، واعتماد مقاربة تحليلية ترى في الظاهرة شبكة معقدة من العوامل البنيوية والأيديولوجية والسياقية. بهذه الزاوية فقط يمكن إدراك أن ما بدا نهاية لتنظيمات، كان في الواقع بداية لصيغ أكثر مرونة، وأن ما بدا احتواء للتهديد، كان أحيانا إعادة تشكيل له في صور أقل وضوحا وأكثر استعصاء على الرصد والمعالجة.

الفصل الرابع: المراجعات الفكرية ومستقبل السلفية الجهادية بالمغرب

في سياق التعامل مع ظاهرة التطرف والإرهاب، لم يقتصر المغرب على المقاربة الأمنية، بل اعتمد أيضا على برامج تهدف إلى المراجعة الفكرية وإعادة الإدماج، خاصة داخل السجون. يمثل برنامج (مصالحة) أحد أبرز هذه البرامج .

تجربة المراجعات داخل السجون (برنامج مصالحة)

تندرج تجربة المراجعات داخل السجون في المغرب، كما تتجسد في برنامج (مصالحة)، ضمن تحول نوعي في فلسفة تدبير ملف التطرف، حيث لم يعد التعامل مع الظاهرة مقتصرا على المقاربة الأمنية الصرفة، بل أضحى جزءا من رؤية شمولية تراهن على التأهيل وإعادة الإدماج بوصفهما امتدادا للحماية المجتمعية. يقوم البرنامج على فرضية أساسية مفادها أن التطرف ليس فقط انحرافا سلوكيا، بل هو في عمقه أزمة فهم، واختلال في البناء النفسي والاجتماعي، ما يستدعي معالجة متعددة الأبعاد تتقاطع فيها المعرفة الدينية مع التحليل السوسيولوجي والدعم النفسي.

في هذا الإطار، يبنى البرنامج على مقاربتين متكاملتين. الأولى فكرية/دينية، تهدف إلى تفكيك البنية المفاهيمية التي يقوم عليها الخطاب الجهادي، من خلال إعادة قراءة النصوص المؤسسة، وتصحيح التأويلات التي تنتج مفاهيم مغلقة حول الجهاد، والولاء والبراء، والحاكمية، والتكفير. لا يتعلق الأمر بمجرد تلقين مضاد، بل بحوار معرفي يروم إحداث قطيعة إبستمولوجية مع أنماط التفكير الحدي، عبر استعادة منطق المقاصد، واستحضار شروط التنزيل، وإبراز الفوارق بين الثابت والمتغير، وبين الديني والتاريخي. هذه العملية، التي يشرف عليها مختصون في الشأن الديني، تسعى إلى نقل المستفيد من يقينيات صلبة إلى وعي نقدي أكثر مرونة، يسمح بإعادة تركيب العلاقة مع النص، ومع الذات، ومع المجتمع.

أما المقاربة الثانية، السوسيولوجية والنفسية، فتتعامل مع التطرف بوصفه ظاهرة مركبة تتغذى من عوامل الهوية، والهشاشة الاجتماعية، والتمثلات النفسية. هنا يصبح العمل منصبا على إعادة بناء التوازن الداخلي للفرد، ومعالجة آثار العزلة، والشعور بالقطيعة مع العالم، وتفكيك آليات التفكير الثنائي التي تنتج رؤية صراعية للوجود. فالتطرف، في كثير من الحالات، لا يتأسس فقط على أفكار، بل على احتياجات نفسية غير مشبعة: البحث عن المعنى، والرغبة في الاعتراف، والحاجة إلى الانتماء. لذلك يعمل البرنامج على ترميم البعد الإنساني للمستفيد، وتقوية مهاراته الاجتماعية، وتعزيز قدرته على إدارة الاختلاف، وإعادة وصل ما انقطع بينه وبين محيطه الأسري والمجتمعي.

غير أن هذا المسار، على أهميته، لا يخلو من تحديات معقدة. أبرزها إشكالية التحقق من صدقية المراجعات الفكرية المعلنة. فالسياق السجني بطبيعته يخلق بنية حوافز قد تدفع بعض المستفيدين إلى تبني خطاب مراجعاتي بدافع براغماتي، مرتبط بالأمل في تحسين الوضع القانوني أو الاجتماعي. هذه المعضلة تطرح سؤالا منهجيا دقيقا: كيف يمكن التمييز بين التحول القناعي والتحول الظرفي؟ وكيف يمكن قياس التغيرات العميقة في البنية الإدراكية للفرد؟ إن التحول الفكري الحقيقي عملية زمنية معقدة، لا تختزل في إعلان أو وثيقة، بل تتجلى في أنماط التفكير، وفي المواقف، وفي القدرة على مراجعة الذات بصورة مستقرة.

إضافة إلى ذلك، تواجه التجربة تحدي الاستمرارية بعد مغادرة السجن. فنجاح المراجعات داخل المؤسسة السجنية يظل رهينا بوجود بيئة حاضنة خارجها. إذ إن العودة إلى نفس الشروط الاجتماعية أو الشبكات الفكرية قد يعيد إنتاج المسارات السابقة. لذلك يصبح الإدماج المجتمعي، بكل أبعاده الاقتصادية والثقافية والرمزية، عنصرا حاسما في تثبيت التحول. فالفرد الذي لا يجد موقعا معترفا به في المجتمع يظل عرضة للانتكاس، مهما بلغت درجة التحول المعرفي.

ورغم هذه الإكراهات، لا يمكن إغفال النتائج التي حققتها التجربة. فقد أظهرت أن المقاربة الحوارية قادرة، في عدد معتبر من الحالات، على إحداث تحولات فعلية، ليس فقط على مستوى المواقف الفكرية، بل أيضاً في إعادة تشكيل العلاقة مع الدولة والمجتمع. كما كشفت التجربة أن التطرف ليس قدراً حتمياً، وأن مسارات الانخراط في العنف يمكن أن تُعاد صياغتها عندما تتوفر شروط الفهم والمواكبة والدعم. والأهم من ذلك، أنها أسهمت في ترسيخ تصور جديد للعدالة، لا يقتصر على العقاب، بل يدمج بعد الإصلاح، ويمنح للفرد إمكانية إعادة بناء ذاته داخل أفق اجتماعي أكثر اتساعاً.

إن تجربة المراجعات داخل السجون، من خلال برنامج مصالحة، تعكس تحولا في التفكير المؤسساتي حول كيفية إدارة التهديدات الفكرية. فهي لا تتعامل مع التطرف كحالة جنائية فقط، بل كإشكال معرفي وإنساني يستدعي استجابات مركبة. وبين رهانات النجاح وإكراهات الواقع، تظل هذه التجربة مختبرا حيا لفهم ديناميات التحول الفكري، وحدود التأهيل، وشروط بناء المناعة المجتمعية على المدى الطويل.

 تحديات العائدين من بؤر التوتر (سوريا والعراق)

يشكل العائدون من بؤر التوتر، ولا سيما من سوريا والعراق، أحد أكثر الملفات تعقيدا في السياق المغربي، ليس فقط من زاوية أمنية ضيقة، بل بوصفه تحديا اجتماعيا وفكريا وقانونيا متشابكا. فهذه الفئة لا تعود محملة بتجارب عادية، وإنما بخبرات قتالية، وبتمثلات أيديولوجية صلبة، وبشبكات علاقات عابرة للحدود، وبآثار نفسية عميقة خلفتها بيئات الحرب والعنف. إن التعامل مع هذا المعطى لا يمكن أن يظل أسير المقاربة الزجرية وحدها، رغم ضرورتها، بل يحتاج إلى رؤية متعددة الأبعاد تستوعب تعقيدات الظاهرة ومساراتها المختلفة.

العائد من منطقة صراع ليس مجرد شخص غادر ثم عاد إنه فرد أعاد تشكيل تصوراته عن العالم والسلطة والمجتمع والدين. كثير منهم عاش في فضاءات مغلقة فكريا، خضع لخطابات تعبئة مكثفة، وتعرض لبيئات عنف يومي، ما يجعل مسألة إعادة إدماجه مسارا بالغ الحساسية. هنا تظهر الحاجة إلى برامج إعادة تأهيل حقيقية، لا شكلية، تستند إلى معالجة فكرية رصينة، ودعم نفسي متخصص، ومواكبة اجتماعية واقتصادية مستدامة. فالتجارب الدولية أثبتت أن المقاربات الأحادية غالبا ما تنتج هشاشة كامنة، بينما تسهم المقاربات الشاملة في تقليص مخاطر الانتكاس.

غير أن قراءة الظاهرة في الحالة المغربية تفرض ملاحظة مهمة كثيرا ما يتم إغفالها في النقاش العمومي. فالأفراد الذين يغادرون المغرب نحو بؤر التوتر، في الغالب، لا ينطلقون بنية ممارسة العنف داخل بلادهم. تاريخيا، منذ ظاهرة (المغاربة الأفغان) إلى موجات الالتحاق بسوريا والعراق، لم يكن المغرب هو الساحة المركزية لأنشطتهم القتالية. كانت الوجهة دائما خارجية، وكانت المخيلة الجهادية ذات طابع عابر للحدود، تتغذى على سرديات أممية أكثر من ارتباطها بسياقات محلية مباشرة. هذه الحقيقة لا تلغي المخاطر الأمنية المحتملة عند العودة، لكنها تساعد على فهم أعمق للدوافع والبنى الذهنية التي تحكم الظاهرة.

إن إدراك أن الفعل الجهادي لدى كثير من هؤلاء تشكل ضمن تصور خارجي للصراع يفتح بابا لتحليل مختلف. فالتطرف هنا لا يرتبط حصرا بعوامل داخلية، بل يتداخل مع تأثيرات إعلامية وأيديولوجية وشبكية عالمية. وهذا بدوره يفرض أن تكون المعالجة الفكرية أكثر دقة، بحيث لا تكتفي بتفنيد المقولات العنيفة، بل تعيد بناء علاقة الفرد بمفهوم الدولة والمجتمع والانتماء الوطني. فالتحدي الحقيقي لا يكمن فقط في منع العنف، بل في إعادة ترميم البنية الإدراكية التي تجعل الفرد يرى العالم بمنظار ثنائي حاد.

على المستوى الاجتماعي، يمثل العائدون اختبارا دقيقا لقدرة المجتمع على الاستيعاب دون سذاجة، وعلى الاحتواء دون إنكار للمخاطر. فالإقصاء الكامل قد يغذي مشاعر المظلومية، بينما الاندماج غير المشروط قد يثير قلقا مشروعا. التوازن هنا مسألة مركزية: عدالة قانونية واضحة، متابعة أمنية يقظة، ومسارات إدماج مدروسة. كما أن الأسرة والمحيط المحلي يلعبان دورا حاسما، إذ إن إعادة الإدماج ليست عملية مؤسساتية فقط، بل مسار اجتماعي طويل.

أما على المستوى الفكري، فإن الظاهرة تعكس تحولات أعمق في طبيعة التطرف المعاصر. لم يعد التطرف مجرد نتاج بيئات محلية، بل أصبح جزءا من ديناميات عابرة للحدود، تتشكل عبر الفضاء الرقمي، وشبكات التأثير، وسرديات الصراع العالمية. وهذا يجعل المواجهة الفكرية أكثر تعقيدا، لأنها تتطلب خطابا دينيا ومعرفيا قادرا على مخاطبة الأسئلة الجديدة، لا إعادة إنتاج أجوبة تقليدية.

 استشراف مستقبل الظاهرة في ظل التحولات الإقليمية

يتسم استشراف مستقبل السلفية الجهادية في المغرب بدرجة عالية من التعقيد، ليس فقط بسبب طبيعة الظاهرة نفسها، بل نتيجة تداخل مستويات متعددة من التأثير: المحلي، والإقليمي، والدولي. فهذه الظاهرة لا تتحرك في فراغ، وإنما تتفاعل باستمرار مع تحولات البيئة الأمنية، والتحولات الاجتماعية، وأنماط التدين الجديدة، وسياقات الصراع خارج الحدود. وفي ظل استمرار بؤر التوتر في عدد من المناطق، وبقاء الخطاب الجهادي قادرا على إعادة إنتاج نفسه بأشكال متجددة، خاصة عبر الفضاء الرقمي، لا يمكن الحديث عن زوال بسيط أو خطي، بل عن مسارات تحول وتكيف معقدة.

على المستوى الدولي، أثبتت الحركات الجهادية قدرة لافتة على إعادة التشكل بعد كل موجة تراجع. فالتفكك التنظيمي لا يعني بالضرورة تفكك الفكرة، كما أن الضربات الأمنية لا تؤدي دائماً إلى إنهاء الجاذبية الرمزية أو الأيديولوجية. ومع تطور وسائل التواصل الرقمي، أصبحت عمليات التجنيد والتأثير أكثر لامركزية، وأكثر مرونة، وأقل ارتباطا بالبنى التنظيمية التقليدية. لم يعد الانخراط الجهادي يحتاج دائما إلى شبكات مادية معقدة، بل يمكن أن يتم عبر مسارات فردية، أو دوائر افتراضية مغلقة، أو خطاب تعبوي عابر للحدود. وهذا المعطى يجعل المستقبل مفتوحا على احتمالات متعددة، حيث تتراجع المركزية التنظيمية لصالح أنماط أكثر سيولة وانتشارا.

غير أن قراءة المستقبل في الحالة المغربية لا يمكن فصلها عن خصوصية السياق الوطني. فالمغرب يمتلك تاريخا مميزا في إدارة الحقل الديني، وفي ضبط العلاقة بين الدولة والدين، وفي إنتاج أنماط تدين تتسم بقدر معتبر من الاعتدال المؤسسي والاجتماعي. كما أن المقاربة التي تبناها المغرب خلال العقدين الأخيرين، والتي تمزج بين الصرامة الأمنية، وإصلاح البنية الدينية، وإعادة هيكلة الخطاب الرسمي، وبرامج المراجعة وإعادة الإدماج، أسهمت في إعادة تشكيل البيئة التي تتحرك فيها التيارات الجهادية. هذه المقاربة لا تلغي الظاهرة، لكنها تعيد تحديد مجال حركتها، وتقلص هوامش انتشارها، وتدفعها نحو أنماط أقل صدامية.

تتجلى الخصوصية المغربية أيضا في طبيعة الحركات الإسلامية عموما. فالتجربة المغربية، مقارنة بعدد من السياقات العربية، اتسمت بدرجة أعلى من التعدد، والمرونة، وإمكانية التكيف مع المجال السياسي والاجتماعي. حتى التيارات الأكثر تشددا لم تتطور دائما في اتجاهات قصوى من التكفير والعنف. وفي هذا الإطار، يمكن فهم السلفية الجهادية المغربية باعتبارها ظاهرة لها سمات محلية مميزة، وليست مجرد امتداد ميكانيكي لنماذج خارجية.

من أبرز ملامح هذه الخصوصية أن منسوب التكفير لدى قطاع معتبر من المنتسبين إلى هذا التيار ظل أقل حدة مقارنة بسلفيات جهادية في عدد من الدول العربية. فبينما تطورت بعض التجارب الإقليمية نحو مستويات عالية من الإقصاء العقدي والتكفير الشامل للمجتمع والدولة، بقي الخطاب الجهادي المغربي  في كثير من تجلياته  أقل اندفاعا نحو تعميم أحكام التكفير، وأكثر ترددا في الانتقال إلى مستويات قصوى من العنف الداخلي. لا يعني ذلك غياب النزعة التكفيرية، لكنها لم تبلغ في عمومها الدرجة ذاتها من الراديكالية التي عرفتها سياقات أخرى.

تفسير هذا المعطى يمكن ربطه بجملة عوامل: طبيعة البنية الدينية التقليدية، حضور المرجعية المالكية الأشعرية، الثقافة الدينية الاجتماعية، التجربة التاريخية للدولة، وأنماط الضبط الاجتماعي. كما أن غياب بنية تنظيمية محلية قوية ومتماسكة داخل السلفية الجهادية المغربية جعل التيار أكثر تشتتا، وأقل قدرة على إنتاج مشروع راديكالي شامل ومستقر. فالتفكك التنظيمي، وإن كان يخلق سيولة فكرية، فإنه في الوقت نفسه يحد من القدرة على الانتقال إلى مستويات عالية من العنف المنظم طويل المدى.

انطلاقاً من ذلك، يبدو أن مستقبل السلفية الجهادية في المغرب قد يكون أقرب إلى مسارات التحول منه إلى مسارات التصعيد التكفيري. فبدلا من التبلور كحركة تكفيرية أكثر حدة، قد تتجه قطاعات من هذا التيار نحو أنماط جديدة من التكيف، سواء عبر إعادة صياغة الخطاب، أو تخفيف حدة المواقف، أو البحث عن صيغ اندماج أقل صدامية. أحد السيناريوهات الممكنة يتمثل في تحول تدريجي نحو شكل من (السلفية الحركية ذات النزعة السياسية)، حيث يصبح الاشتغال على المجال الاجتماعي والدعوي، أو حتى السياسي غير المباشر، أكثر حضورا من منطق المواجهة المفتوحة.

هذا الاحتمال يجد ما يسنده في التجربة المقارنة للحركات الإسلامية، حيث أثبتت التحولات الفكرية وإعادة التموضع الأيديولوجي أنها ليست استثناء. فعدد من التيارات التي نشأت في سياقات صدامية عرفت لاحقا مسارات مراجعة وتكيف، تحت ضغط الواقع، أو بفعل التحولات الداخلية. وفي الحالة المغربية، قد تسهم البيئة السياسية والاجتماعية، إضافة إلى آليات الاحتواء المؤسسي، في دفع جزء من التيار نحو إعادة تعريف الذات: من جماعة مواجهة إلى تيار دعوي/حركي يبحث عن شرعية اجتماعية أوسع.

لا يعني ذلك أن خطر النزعات التكفيرية أو العنيفة قد اختفى أو سيتلاشى بالكامل. فالعوامل البنيوية التي تغذي التطرف  مثل الإحباطات الاجتماعية، والأزمات الهوياتية، والتوترات الإقليمية  لا تزال قائمة بدرجات متفاوتة. كما أن الفضاء الرقمي يظل مجالا مفتوحا لإعادة إنتاج الخطاب المتشدد. غير أن الاتجاه العام، في ضوء الخصوصية المغربية، قد يميل إلى مسارات أقل حدة وأكثر تعقيدا من سيناريوهات الانزلاق الجماعي.

الخاتمة

لقد أظهرت هذه الدراسة أن السلفية الجهادية في المغرب ظاهرة معقدة ومتعددة الأبعاد، لا يمكن فهمها بمعزل عن جذورها التاريخية، وتفاعلها مع العوامل الداخلية والخارجية. فمنذ نشأتها كتيار سلفي تقليدي، مرورا بتأثرها بالأفكار الوهابية والصراعات الإقليمية، وصولا إلى بروزها كتيار جهادي عنيف، شهدت هذه الظاهرة تحولات عميقة.

تعد أحداث 16 مايو 2003 نقطة مفصلية في مسار السلفية الجهادية في المغرب، حيث كشفت عن حجم التهديد، ودفعت الدولة إلى تبني مقاربة شاملة لمكافحة الإرهاب، تجمع بين الإجراءات الأمنية، وإصلاح الحقل الديني، وبرامج المراجعة الفكرية. وعلى الرغم من التحديات المستمرة، فإن هذه المقاربة تهدف إلى احتواء الظاهرة والحد من انتشارها.

إرسال التعليق