رصد المغرب / عبدالعالي بريك
بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان، احتضنت دار المحامين بالدار البيضاء، مساء الجمعة 12 دجنبر، ندوة فكرية وحقوقية نظمتها اللجان العمالية المغربية – فرعها الحقوقي، بتنسيق مع التنسيقية المغربية لقدماء المعتقلين الإسلاميين، تحت عنوان:«العدالة الانتقالية الغائبة: حالة المعتقلين الإسلاميين السابقين».

تأتي هذه الندوة في سياق وطني يتسم بتصاعد العنف المفرط والاعتقالات التعسفية في عدد من المناطق، من بينها جماعة القليعة، وحالات معطوبين مثل وجدة، إضافة إلى مئات المعتقلين من حركة جيل Z الشبابية السلمية، وعشرات المناضلين داخل الحركة الطلابية. وقد طال هذا القمع أساسا المناطق والطبقات المهمشة، في ظل محاكمات غابت عنها شروط المحاكمة العادلة، ما يشكل عودة صريحة لمنطق التحكم الأمني والتسلط السياسي.

عرفت الندوة مداخلات وازنة لعدد من الفاعلين الحقوقيين والنقابيين تشخص الأعطاب وتحدد المسؤوليات، حيث أكدت مجتمعة أن ملف قدماء المعتقلين الإسلاميين يشكل اختبارا حقيقيا لمدى جدية الدولة في إرساء عدالة انتقالية شاملة.

مصطفى كريمي، المنسق العام لتنسيقية قدماء المعتقلين الإسلاميين، أكد أن معاناة الضحايا لم تنته بالإفراج، بل استمرت عبر الإقصاء الاجتماعي والاقتصادي والوصم، وغياب أي سياسة عمومية لجبر الضرر والإدماج، حيث شدد على أن تجاهل هذا الملف يكرس الظلم ويفتح الباب أمام فقدان الثقة في المؤسسات.

منير الطاهري، باحث وفاعل حقوقي عن الحزب الاشتراكي الموحد، قدم تشخيصا نقديا لمسار العدالة الانتقالية بالمغرب، محذرا من تحولها إلى «عدالة نقوصية» تكتفي بالرمزية دون مساءلة أو إصلاح بنيوي، حيث أبرز أن عدم تفعيل توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة، خاصة ما يتعلق بإصلاح الأجهزة الأمنية والقضائية، جعل التجربة عاجزة عن منع تكرار الانتهاكات.

الحسين بالمومن، الأمين العام للجان العمالية المغربية، شدد على أن القضية ليست فئوية أو معزولة، بل تمس جوهر الحقوق والحريات، مؤكدا أن الدفاع عن المعتقلين السابقين هو دفاع عن الحق في التنظيم والاحتجاج السلمي، ومحذرا من خطورة استمرار المقاربة الأمنية في معالجة المطالب الاجتماعية والسياسية.

العلمي الحروني، المنسق العام لتنسيقية الكرامة واليقظة للعدالة الانتقالية، اعتبر أن غياب الحقيقة والمساءلة يفرغ المصالحة من معناها، داعيا إلى إطلاق مسار جديد للعدالة الانتقالية يضمن عدم الإفلات من العقاب، ويحفظ الذاكرة، ويعيد الثقة بين الدولة والمجتمع.

محمد حقيقي، ممثل الرابطة العالمية للحقوق والحريات بالمغرب، أكد أن ما تعرض له المعتقلون الإسلاميون السابقون يرقى إلى انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وفق القانون الدولي، داعيا إلى جبر الضرر المادي والمعنوي، وفتح الملف على المستويين الوطني والدولي، في احترام تام لالتزامات المغرب الحقوقية.

عرفت الندوة تقديم شهادات حية ومؤثرة لكل من رضوان خطابي، إدريس الناجي، عبد الحق مهيم، وعمر معروف، كشفت أن ما جرى بعد أحداث 16 ماي لم يكن تجاوزات فردية، بل نهجا ممنهجا في الاعتقال التعسفي والتعذيب وانتزاع الاعترافات، حيث التعذيب كسياسة لا كاستثناء.

أكد رضوان خطابي أن اعتقاله تم دون أدلة قانونية، وتعرض للضرب والسب والحرمان من النوم، والإكراه على التوقيع على محاضر مفبركة، قبل أن تستمر معاناته بعد الإفراج عبر فقدان العمل والوصم الاجتماعي وغياب أي جبر للضرر.

أما إدريس الناجي، فقد تحدث عن التعذيب الممنهج داخل مخافر الشرطة، من تهديد بالقتل والاغتصاب، واستعمال الكهرباء، والغطس القسري في الماء، لانتزاع اعترافات قسرية بنيت عليها أحكام قاسية، في خرق صارخ لمبادئ العدالة.

وفي شهادته، أكد عبد الحق مهيم أن السجن الحقيقي يبدأ بعد الإفراج، حيث واجه الإقصاء الاجتماعي والاقتصادي، والحرمان من فرص الشغل، إضافة إلى آثار صحية ونفسية خطيرة نتيجة الإهمال الطبي داخل السجون.

أما عمر معروف، فقد اختار مقاربة مختلفة، نقل فيها النقاش من منطق الألم الفردي إلى خطاب حقوقي وأخلاقي يطالب بضمان عدم التكرار ورد الاعتبار، وتعزيز الرقابة على مؤسسات الاحتجاز، وجبر الضرر الشامل، والتأهيل والإدماج.

ذكّر المتدخلون باعتراف الملك محمد السادس بوقوع تجاوزات خطيرة في تدبير ملف أحداث 16 ماي، حيث تم اعتقال أزيد من 7000 شخص، بينهم قاصرون ونساء وشيوخ وذوو احتياجات خاصة، في مقاربة أمنية مفرطة أدانتها منظمات حقوقية وطنية ودولية، حيث تساءل المتدخلون عن أسباب استمرار سياسة الصمت وتأجيل جبر الضرر ورد الاعتبار للضحايا وأسرهم. لأنها مسؤولية الدولة والأسئلة لا تقبل التأجيل.

في ختام الندوة، دعا المتدخلون الضحايا إلى الاستمرار في نضالهم المشروع وكسر العزلة، والتعريف بقضيتهم بكل الوسائل القانونية والسلمية، مؤكدين أن رفع الصوت ليس انتقاما، بل حق وواجب لحماية الذاكرة الجماعية، حيث شددوا على أهمية الانفتاح على المجتمع والاندماج في الحياة العامة، مع الإقرار بأن ما جرى محفور في الذاكرة ومسجل في تاريخ لا ينسى.

وخلصت الندوة إلى المطالبة بـإطلاق مسار جديد وشامل للعدالة الانتقالية، وجبر الضرر الفردي والجماعي دون تمييز، والقطع مع المقاربة الأمنية في تدبير الاحتجاجات السلمية، وأيضا الإفراج عن كافة معتقلي الرأي والحركات الاجتماعية، حيث أكد المشاركون أن المغرب وطن للجميع، ولا ديمقراطية بدون عدالة، ولا مصالحة بدون حقيقة ومساءلة وضمان عدم التكرار.
Share this content:






















Leave a Reply