الفلاحة المغربية بين فشل الاختيارات واغتيال البدائل
رصد المغرب / لبنى موبسيط
لا يزال مخطط المغرب الأخضر، كما كان حال مخطط المغرب الأخضر، يعمقان اختلالات بنيوية خطيرة في الفلاحة المغربية، ويدفعان بالبلاد أكثر نحو العجز التجاري، ويضعفان قدرتها على تحقيق الحد الأدنى من الاكتفاء الذاتي الغذائي، في سياق عالمي يتسم بعدم الاستقرار المناخي والاضطرابات الجيوسياسية وارتفاع كلفة الاستيراد.
فإلى حدود متم شتنبر 2025، تظهر معطيات مكتب الصرف عجزا في الميزان التجاري الغذائي والفلاحي يناهز 5,556 مليار درهم، حيث بلغت واردات المغرب من المواد الفلاحية الأساسية 70,417 مليار درهم، من بينها 5,6 مليار درهم من الذرة، و1,38 مليار درهم من الشعير، و13,028 مليار درهم من القمح، إضافة إلى 5,185 مليار درهم من الحيوانات المعدة للذبح.
وفي المقابل، جرى تصدير ما قيمته 64,861 مليار درهم من المنتجات الفلاحية، استفاد منها كبار الفاعلين مع إعفاءات ضريبية وجمركية سخية، في مفارقة صارخة مع واقع الأمن الغذائي الهش.
والأخطر من ذلك أن واردات الحبوب وحدها تجاوزت 20 مليار درهم خلال الفترة نفسها، في موسم فلاحي يتوقع أن يكون مماثلا أو أسوأ من سابقه، حيث لم يتجاوز الإنتاج الوطني 2,5 مليون طن، بالتزامن مع تراجع المساحات المزروعة من 3,7 ملايين هكتار إلى 2,5 مليون هكتار. ومع هذا النزيف في الإنتاج والإنتاجية، يستمر القطاع الفلاحي في فقدان ما يقارب أو يفوق 200 ألف منصب شغل سنويا، أغلبها في صفوف مزارعي الحبوب، الذين يفوق عددهم 1,3 مليون فلاح.
وأمام هذا الوضع، يبرز سؤال جوهري، وهو أين حكومة “الكفاءات” ورجال الأعمال؟ وأين شعارات “أغاراس أغاراس” و“تستاهل ما أحسن” من هذه الكارثة الصامتة؟
ما يجهله أو يتم تجاهله في النقاش العمومي، أن المغرب يعد قطبا عالميا مهما للمركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة، حيث المركز يتوفر على ستة مختبرات داخل التراب الوطني، إضافة إلى بنك للجينات مقره الرباط. وتتمثل مهمته الأساسية في تطوير أصناف حبوب متأقلمة مع الجفاف والتغيرات المناخية، انطلاقا من التهجين ونقل الجينات من القمح البري والسلالات المحلية القديمة.
وانطلاقا من المغرب، يرسل المركز سنويا أزيد من 300 سلالة قمح مطورة محليا إلى نحو 90 بلدا لدعم برامجها الوطنية، بحيث في منطقة مرشوش بإقليم الخميسات وحدها، اختبر المركز على مدى أكثر من عقد، عشرات الأصناف المقاومة للجفاف على مساحة 120 هكتارا.
والنتائج كانت لافتة، وهي إنتاجية بلغت 4 أطنان للهكتار سنة 2023، مقابل طن إلى طنين في باقي مناطق المغرب، رغم ظروف مناخية قاسية وتساقطات لم تتجاوز 200 ملم، بل إن بعض التجارب نجحت بـ 10 ملم فقط، حيث تحققت هذه النتائج بفضل استعمال حوالي 70 صنفا مقاوما للجفاف، إلى جانب تقنيات حديثة في التدبير الزراعي، من اختيار توقيت الزرع، والكميات المناسبة، والري التكميلي، والزرع المباشر، وإحياء الدورات الزراعية.
أمام هذه المعطيات، يصبح السؤال الأكثر إلحاحا، هو أين ذهبت 132 مليار درهم للمخطط الأخضر، و111 مليار درهم للمغرب الأخضر، من مثل هذه الحلول الواقعية والمثبتة علميا؟
صحيح أن وزارة الفلاحة وافقت سنة 2023 على ستة أصناف مقاومة للجفاف من القمح والشعير، لكن هذه الموافقة بقيت حبيسة الأدراج. فلم تفعل الدولة أي نظام عملي لإكثار هذه البذور وتوزيعها على الفلاحين. وبدل ذلك، فضلت الحكومة سياسة الدعم السريع والمباشر لفئة محدودة من المستوردين، عبر إعفاءات ضريبية وجمركية لشراء الحبوب الجاهزة أو استيراد بذور خارجية سريعة الإنتاج، لكنها ضعيفة المردودية، غير متكيفة مع التربة المحلية، تستنزف المياه والمواد العضوية، وتسرع أيضا من استنزاف الأراضي.
علميا، يؤكد مركز “ICARDA” أن تطوير الأصناف المقاومة للجفاف يتطلب ثلاث سنوات على الأقل من الاختبارات المحلية، ثم المصادقة الرسمية، فإطلاق طلبات عروض لتكاثر البذور لمدة قد تصل إلى خمس سنوات قبل تسويقها. غير أن هذا المسار العلمي جرى تعطيله فعليا.
لقد قضى عزيز أخنوش أكثر من 13 سنة على رأس وزارة الفلاحة دون أن يمنح هذه البدائل الاهتمام الذي تستحقه، في بلد تؤكد كل التقارير أنه يعيش جفافا بنيويا طويل الأمد. وبدل الإنصات للبحث العلمي الوطني والمعارف المحلية، تم تبني توصيات مكاتب أجنبية، من بينها “ماكنزي”، التي اعتبرت زراعة الحبوب “هدرا للماء”، مع إقصاء الفلاحين والجامعات والباحثين من التخطيط الزراعي.
وما لم ينجز في وزارة الفلاحة، اكتمل اليوم على مستوى رئاسة الحكومة، بمنطق يقوم على تركيز المال، وتصالح المصالح، وتبرير القرارات الاستعجالية، في حين أن الواقع يؤكد وجود عشرات، بل مئات الحلول الوطنية القابلة للتنزيل.
إن اختزال التنمية في جداول حسابية، والتقدم في مؤشرات رقمية مجردة، مع تضخيم أرباح “أصحاب الحال”، لا يمكن أن يبني أمنا غذائيا ولا سيادة وطنية. فالأمن الغذائي ليس ترفا اقتصاديا، بل خيار سيادي، وإهماله اليوم هو رهن مباشر لمستقبل المغاربة.
إرسال التعليق