الفوسفاط بين منطق الدولة ومنطق الغنيمة. لماذا تعاقب الرحامنة؟
رصد المغرب / عبد الفتاح الحيداوي
ليس الفقر في مناطق الفوسفاط بالمغرب قدرا جغرافيا، بل نتيجة سياسية صريحة. فحين تتحول الثروة الطبيعية إلى عنصر إنتاج ضخم دون أن تنعكس على الإنسان والمجال، نكون أمام نموذج اختلال بنيوي في توزيع السلطة والموارد، لا أمام تعثر تنموي عابر. وما تعيشه الرحامنة اليوم، مقارنة بخريبكة، يجسد هذا الخلل بأوضح صوره.
في الخطاب الرسمي، يقدم الفوسفاط باعتباره رافعة سيادية للاقتصاد الوطني، ومصدر قوة للمغرب في الأسواق الدولية. غير أن هذا الخطاب يتهاوى بمجرد الانتقال من تقارير الإنتاج إلى جغرافيا الاستخراج. هناك، حيث تنتزع الأراضي، ويغير نمط العيش، وتعاد هندسة المجال القروي بالقوة، لا يظهر من الفوسفاط إلا غباره، ولا من الدولة إلا وجهها الأمني.
حين تزور بوادي الرحامنة، لا تشعر أنك في مجال يحتضن واحدة من أكبر الثروات الاستراتيجية للبلاد. الزمن هناك متوقف عند سبعينات القرن الماضي، حيث هناك هشاشة بنيوية، فقر متعدد الأبعاد، غياب خدمات أساسية، ومدينة لا تحمل من مواصفات التحضر إلا الاسم. هذا التناقض الصارخ بين الثروة المستخرجة والبؤس المعاش لا يمكن تفسيره إلا بسياسات إقصاء ممنهجة.
الأراضي تنزع دون تعويض عادل، أو بتعويضات رمزية لا تعكس لا القيمة الاقتصادية ولا الرمزية للأرض لدى الفلاحين. وحين يطالب المتضررون بحقوقهم، لا يقابلون بالحوار، بل بالتهديد، عبر شبكة من القياد والوسطاء المحليين الذين تحولوا من ممثلي سلطة الدولة إلى أدوات لتأمين مصالح الشركات الكبرى.
والفارق بين خريبكة والرحامنة في تعامل المكتب الشريف للفوسفاط مع الساكنة المحلية ليس تقنيا، بل سياسي بامتياز، حيث في خريبكة، تصرف تعويضات توصف رغم ملاحظات عديدة بأنها محترمة نسبيا، ويدمج أبناء الإقليم في وحدات الإنتاج، وتظهر مشاريع اجتماعية وصحية وبنيات تحتية تحمل توقيع الفوسفاط، بينما في في الرحامنة، يسجل العكس تماما، بتعويضات هزيلة أو غائبة، تشغيل محدود يكاد يكون استثناء، ومشاريع تنموية بلا أثر حقيقي، وكأن الفوسفاط يمر من تحت الأرض دون أن يترك أي أثر فوقها.
هذا التفاوت لا يمكن عزله عن ميزان القوة المحلي، ولا عن قدرة الساكنة على التنظيم والضغط. فحيث يوجد صوت جماعي، تقدم الدولة تنازلات؛ وحيث يسود التفكك والخوف، تمارس سياسة الأمر الواقع.
ويزيد الوضع تعقيدا موقف بعض نواب الجماعات السلالية في الرحامنة، الذين يفترض أن يكونوا خط الدفاع الأول عن حقوق ذوي الحقوق. غير أن جزءا منهم – وفق انتقادات واسعة – انخرط في منطق الوساطة لفائدة الشركة، بدل تمثيل الساكنة. هنا، تتحول الجماعة السلالية من إطار للحماية الجماعية إلى قناة لتفكيك المطالب وشرعنة نزع الأرض.
إن ما يقع في الرحامنة ليس فشلا تنمويا، بل غيابا للعدالة المجالية. فالدولة التي تستثمر الفوسفاط كأداة سيادة خارجية، مطالبة بأن تعترف به كحق داخلي للسكان الذين يعيشون فوقه. دون ذلك، سيظل الفوسفاط رمزا للازدواجية، بل هو ثروة وطنية في الخطاب، ونقمة محلية في الواقع.
إن استمرار هذا الوضع لا يهدد فقط السلم الاجتماعي، بل يضرب في العمق فكرة (الدولة الراعية). فالدولة التي لا تحمي مواطنيها من آثار ثروتها، تتحول – في نظرهم – من دولة حق إلى دولة غنيمة، تكافئ من تملك القوة، وتعاقب من لا صوت له.
فالرحامنة لا تطالب بامتيازات، بل بالمساواة، ولا تطلب صدقات تنموية، بل اعترافا سياسيا بأنها شريكة في الثروة، لا مجرد ضحية لها.
إرسال التعليق