عاجل

المغرب بين سياسة الأوهام وأوهام السياسة لماذا يفشل الإصلاح في المغرب رغم كثرة “المحاولات”؟ الحلقة الاولى

رصد المغرب/عبد المولى المروري 

لا يمكن حصر أزمة السياسة في المغرب في مجرد وقائع متفرقة، وأحداث متناثرة، ولا في سلسلة من الأخطاء الظرفية التي يمكن تجاوزها بانتخابات عامة، أو بتعديل حكومي أو تغيير في الوجوه، بل هي في جوهرها أزمة بنية سياسية استعصت وتمنعت على التغيير منذ الاستقلال، وأوهام سياسية تراكمت عبر عقود، حتى تحولت إلى ما يشبه العقيدة السياسية غير المعلنة، التي تحكم تفكير الفاعلين السياسيين بعد أن سكنت عقولهم، وطبعت سلوكهم، وحددت سقف أحلامهم.
لقد جُرِّبت في هذا البلد كل الشعارات الممكنة قصد الخروج من الأزمة؛ التناوب التوافقي، الإصلاح في ظل الاستقرار، التدرج، الانتقال الديمقراطي، العهد الجديد، النموذج التنموي الجديد… لكن النتيجة، بعد كل هذه السنوات، تكاد تكون واحدة: حركة لا تؤثر، وإصلاح لا يغير، وخطاب لا ينتج..
فأين يكمن الخلل؟ هل في الأشخاص؟ أم في المؤسسات؟ أم في الإرادة السياسية؟
الجواب، في تقديري، هو أعمق من ذلك كله، إنه يكمن في الأوهام التي تحكم العقل السياسي المغربي نفسه.. أوهام تحكم فعله السياسي..
إن «أوهام السياسة» أو «الأوهام السياسية» هي تلك التصورات التي يحملها الفاعل السياسي في عقله عن السلطة والإصلاح، فيُبالغ في إمكانياته، ويُسيء تقدير موازين القوة، ويعتقد أن الطريق إلى التغيير مفتوح أكثر مما هو عليه في الواقع.
لكن الأخطر من ذلك كله، هو ما يمكن تسميته ب«سياسة الأوهام».. هنا لا يكون الوهم مجرد خطأ في الفهم، بل يتحول إلى أداة في الحكم، وأسلوب لإدارة المجال السياسي، وتوجيه الفاعلين السياسيين بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، واحتواء مطالب التغيير والالتفاف عليه.
إنها استراتيجية واعية أو شبه واعية تقوم على زرع أمل الإصلاح في عقول السياسيين، وتوسيع هامش ظاهري وهمي للحرية من أجل امتصاص الاحتقان الداخلي، ولكن دون تغيير جوهري في المشهد السياسي العام أو في بنية السلطة.
في هذه الحالة لا تُغلق الأبواب بالكامل، بل تُترك مواربة.. ولا يُمنع الإصلاح صراحة، بل يُسمح به في حدود السطح أو الهامش، ولا يُقصى الفاعل السياسي، بل يُدمج داخل شروط تجعله يتحرك دون أن يؤثر، ويتوهم أنه يصلح، ولكن لا يغير.
وهنا تتحقق المفارقة المغربية العجيبة، ذلك أن السياسي يعتقد أنه يمارس السياسة، بينما هو في الواقع يتحرك داخل سياسة تُدير أوهامه فحسب.. وفي هذا السياق، يصبح السؤال الحقيقي ليس لماذا يفشل الإصلاح؟ بل كيف تُنتج الأوهام السياسية؟ ومن يستفيد من استمرارها؟
«سياسة الأوهام» تُنتج «الأوهام السياسية»… وتغذيها باستمرار، بمعنى أن الدولة تفتح هامشًا محدودًا.. والسياسي ينساق وراءها اعتقادا منه أنه قادر على الإصلاح، فيدخل اللعبة ليكتشف حقيقة الحدود الضيقة التي يُسمح له التحرك فيها، والسقف المتدني الذي لا يجوز له تجاوزه، ليجد نفسه مضطرا (بوعي أو بغير وعي) للقبول بها والتكيف معها، ومدافعا عنها.. وهكذا يعيد إنتاج الخطاب نفسه والواقع ذاته..
وبهذه الطريقة يدخل البلد دائما في حلقة مغلقة، دولة تنتج الوهم، وسياسي يصدقه، والشعب يجري خلفه.. والنتيجة هي استمرار الوضع كما كان، هذا إلم يزدد بؤسا وقتامة..
سأتناول في هذا المقال أهم “الأوهام المؤسسة” التي يقع فيها الفاعل السياسي المغربي، ويستهلكها بشغف شديد، أحيانا بوعي، وأحيانا أخرى بدون وعي..
1/ وهم السلطة، هل الوصول إلى الحكومة يعني امتلاك القرار؟
أول هذه الأوهام الكبيرة التي تحكم العقل السياسي في المغرب، بل ربما هي الأكثرها رسوخًا، هو وهم السلطة، والاعتقاد بأن الوصول إلى الحكومة—أو حتى رئاستها—يعني امتلاك القرار السياسي.
هذا الوهم لا يسكن الكثير من السياسيين فقط، بل يمتد إلى شريحة واسعة من المجتمع التي تعتقد أن صناديق الاقتراع تفرز سلطة حقيقية، وأن من فاز فيها أصبح قادرًا على تنفيذ وعوده، وتحقيق برنامجه، وتغيير الواقع.
لكن التجربة السياسية المغربية—قديماً وحديثاً—تكشف حقيقة مغايرة تمامًا.. فالسلطة، في بنيتها العميقة، ليست كتلة واحدة تنتقل من يد إلى أخرى عبر الانتخابات، بل هي شبكة معقدة من مراكز القرار، تتوزع بين مؤسسات رسمية وغير رسمية، وتتحرك داخل توازنات دقيقة، لتلتقي كلها—في نهاية المطاف—عند مركز أعلى، وهو من يحدد الاتجاه العام، ويرسم الحدود، ويضع السقف الذي لا يمكن تجاوزه.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى، فالسياسي يصل إلى الحكومة… لكنه لا يصل إلى السلطة.. وتُمنح له المسؤولية، ولكن يُجرد من القرار.. وفي الظاهر، تبدو الحكومة مسؤولة عن السياسات العمومية حيث تضع البرامج، وتعلن الإصلاحات، وتخاطب البرلمان، وتتحمل المسؤولية أمام الرأي العام.. لكن في العمق، يتبين أن ملفات استراتيجية تُدار خارجها، وقرارات حاسمة تُتخذ بعيدًا عنها، وتوجيهات كبرى تُفرض عليها.. فتجد رئيس الحكومة—في كثير من الأحيان— أمام مفارقة صعبة؛ مسؤول أمام الشعب… إلا أنه على هامش القرار السياسي… ولهذا فالحكومة في الواقع السياسي الرسمي هي عبارة عن ملحقة إدارية تابعة للمجلس الوزاري وخاضعة لتعليماته وتوجيهاته..
وهذا ما يفسر ذلك التناقض المتكرر بين الوعود الانتخابية والنتائج الفعلية.. فالتجارب تتكرر… والواقع نفسه لا يتغير..
هذه ليست مجرد قراءة نظرية، بل هي خلاصة تجارب سياسية متعاقبة.. فكم من حكومة وصلت بشعارات قوية، ووعود وردية بالإصلاح، ورغبة ملتهبة في التغيير… ثم ما لبثت أن اصطدمت بواقع السلطة، فاكتشفت أن هامش المبادرة لديها أضيق مما كانت تتصور، وأن بعض الملفات “مغلقة”، وأن بعض الخطوط لا يمكن تجاوزها.. وبعض الحقول مُحرَّم عليها وُلُوجها..
وأمام هول الصدمة، وغياب الرؤية، وضعف الإرادة، وهشاشة المناعة لدى الفاعل السياسي.. تبدأ مرحلة التكيف مع الواقع العنيد، وذلك بتخفيف الخطاب، وتعديل البرامج، وتبرير التراجعات.. إلى أن يتحول المشروع السياسي تدريجيًا من محاولة للتغيير… إلى الانصياع لما هو قائم.
إن أخطر ما في هذا الوهم أن حدود السلطة لا تُعلن صراحة، ولا يوجد نص واضح يقول: “إلى هنا فقط”، وإنما هناك حدود غير مرسومة، وسقف غير مكتوب، أصبح معروفا لدى الجميع… ولكن غالبا ما يكون ذلك بعد فوات الأوان.. حيث يُكتشف عبر التجربة، وعبر الاحتكاك، وعبر الاصطدام فقط.. وليس عبر قراءة سياسية عميقة وجريئة.. وهذا هو العرف السياسي المغربي… يدخل السياسي بحلم.. ويخرج بكابوس.. ثم يستفيق وقد وجد نفسه أسير الواقع..
خلالها يتحول السياسي من فاعل يختبر حدود النظام من أجل التدافع معه، إلى فاعل يتعلم كيف يتكيف معه ويتحرك داخله.
وهكذا، يصبح وهم السلطة هو أصل كثير من الصدمات السياسية، صدمة الوعود التي لم تتحقق، وصدمة البرامج التي لم تُنفذ، وصدمة القواعد الشعبية التي تشعر بالخيانة.. بينما الحقيقة أبسط—وأقسى—من ذلك كله، لأن المشكلة لم تكن دائمًا في نوايا السياسي الساذجة أو الانتهازية… بل في تصوره الخاطئ لطبيعة السلطة.. إنه تحول عنيف من وهم السلطة إلى صدمة الواقع..
في المغرب، لا تبدأ أزمة السياسي حين يفشل في الحكم، بل حين يكتشف—متأخرًا—أنه لم يكن يحكم أصلًا.. حيث يعتقد كثير من السياسيين (ومن خلفهم السواد الأعظم من الشعب الذي اختار المشاركة) أن الفوز في الانتخابات أو الوصول إلى رئاسة الحكومة يمنحهم سلطة حقيقية، بينما الواقع يكشف أن السلطة موزعة بين مراكز فرعية متعددة، معظمها خارج مقر رئاسة الحكومة.. لتلتقي كلها صعودا بيد المركز، وأن القرار الحقيقي ليس بيد المؤسسات المنتخبة، ولم يكن قط بيدها، بل بيد الجهات الوصية عليها.. بيد السلطة بمختلف درجاتها ومجالاتها، بدءا بقائد الدائرة ومرورا بالعامل، وانتهاء بوزير الداخلية..

هذا الوهم هو أصل كثير من الصدمات السياسية الذي أكدته كل التجارب الحكومية السابقة، فمتى يتم الاعتراف بهذه الحقيقة: أن هامش الفعل السياسي محدود بسقف غير معلن.. ويحول دون أي مبادرة سياسية جادة للإصلاح والتغيير؟ ومتى وكيف سيتم التخلص من هذا الوهم؟

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *