رصد المغرب/جمانة الناصري
أحيانا، لا تكون المشكلة فيما نراه… بل في ما لا نعرف كيف نراه.
لأن بعض السلوكيات لا تفهم إلا إذا نظرنا إلى ما وراءها… لا إليها..
في السنوات التي تلت انهيار داعش، لم تتوقف الأسئلة عند حدود السياسة والأمن، بل امتدت إلى طبقات أعمق وأكثر تعقيدا: النفس الإنسانية حين تعاد صياغتها تحت الضغط والقهر والأيديولوجيا… في قلب هذا المشهد تقف نساء خرجن من تجربة لا تختزل في وصف واحد؛ بعضهن دخلن بدافع القناعة ثم اصطدمن بانهيار المعنى، وبعضهن سقن قسرا إلى واقع سلبهن الإرادة، وأخريات نجون جسديا لكنهن ما زلن عالقات نفسيا بين ما كان وما يجب أن يكون.
وعليه فإن ما يجمع بين هذه المسارات المختلفة ليس الحدث ذاته، بل أثره العميق: هشاشة مركبة تتأرجح بين التحطّم والإحباط والخذلان، وتنعكس فيما بعد على اختيارات حاسمة—أبرزها العلاقة مع الآخر، حيث يصبح البحث عن الأمان أو المعنى أو التعويض دافعا لقبول علاقات غير متكافئة…
هذا المقال لا يسعى إلى الإدانة أو التبرير، بل إلى قراءة ما هو أبعد: كيف تتشكل هذه الأنماط، ولماذا تبدو بعض الخيارات غير مفهومة من الخارج… لكنها من الداخل أقرب إلى محاولة نجاة…
نفسية نساء داعش بين الجرح الانثوي و الحصيلة :
لمقاربة هذا الموضوع بحذر وعمق إنساني، يجب الإبتعاد عن التعميم و التبرير، لأننا نتحدث عن تجربة مركبة تجمع بين الأيديولوجيا و العنف مع الترسبات النفسية.
فنساء داعش لسن كلهن سواء، لإنهن نموذج جلي للرزوح بين القناعة والكسر…
ليست كل النساء اللواتي عشن داخل التنظيم متشابهات نفسيا، بل يمكن فهمهن أو تفكيك ظاهرتهن كطيف من طبقات وحالات مختلفة ، العامل المشترك الوحيد بينهن هو : التعرض المستمر لبيئة قاسية مغلقة أعادت تشكيل وعيهن ويمكن القول ذواتهن أيضا،
يمكننا تقسيم هؤلاء النسوة الى ثلاث ؛:
1 المرأة المؤدلجة ( حاملة للفكر(
2 المرأة المكرهة ( ضحية الظروف والجهل و الجهل المركب(
3 المرأة الناجية ( التي خرجت مع أثار نفسية جلية(
فالمؤدلجة دخلت التجربة بدافع عقائدي أو هروبا من واقع سابق ( فقر، قمع، فراغ روحي) تجد هذا النوع دائما ما يتسم بشعور زائف بالقوة والانتماء، تتبنى خطاب صارم عن الحق المطلق، مع انكار الألم الشخصي تحت غطاء الرسالة أو الهدف الاسمى.
2/ المكرهة تكون أجبرت على الدخول عبر زواج قسري ، ضغط عائلي او خطف بغطاء ديني، .. ولها سمات أيضا مثل الخوف الدائم، انعدام السيطرة ، خضوع مطلق وباطن مكسور، فيتكون لديها ما يشبه التطبيع مع الألم ، تتبلد المشاعر كآلية دفاعية بحيث تفقد الإحساس بذاتها كإنسانة مستقلة.
3_ الناجية هذه تعد في أخطر مرحلة نفسيا، لان الخروج لا يعني التحرر المطلق وتتسم بـ : الشعور بالذنب ( حتى لو كانت ضحية)
فقدان الهوية ( من أنا الآن)
صعوبة في الثقة بأي إنسان …
…وبالعودة إلى التصنيفات الثلاث:
المرأة المؤدلجة ، صاحبة الفكر، وربما مسبار للإيديولوجية…
هذه لم تبدأ كضحية في وعيها، بل كمؤمنة والفكرة وهذه هي ” المحبطة” لأنها دخلت بتوقعات عالية ( معنى ، عدل ، تمكين )
ثم اصطدمت بواقع قاس ومتناقض، وباعتبارها “محبطة” فهذا يأخذ بنا الى تفكيك سطحي لبنيتها النفسية ، فهي بهذا الإحباط تعيش المعنى الحرفي لفقدان المعنى، شعور بأن ما ضحت لأجله كان وهما ، لكنها تقاوم الإعتراف الكامل … فتعيش إنكارا متعبا
عند إكتشاف الخيانة داخل المنظومة نفسها ( استغلال، كذب، إزدواجية) إحباطها يكون عميق لأنه ليس من الأشخاص بل من فكرة آمنت بها …
ثانيا :
المحطمة التي دخلت مكرهة او تحت ضغط لأن كيانها الأساسي تم تحطيمه وكسره ، ( إرادة، جسد، أمان) ويتشكل ذلك من خلال فقدان الإحساس بالذات، خضوع مفرط، تبلد اوإنهيار داخلي عندما لا تجد إنقاذا أو عندما تلام على ما لم تحط به فعلا بدل احتضانها.
ثالثا:
المرأة الناجية؛ هذه خرجت لكنه خروج بمثابة بداية أزمة جديدة وهي المخذولة أيضا ، لانها توقعت ان تُحتوى او تحتضن لكنها قوبلت بالوصم و الرفض، و خذلانها يتمحور حول شعور أنها “غير منتمية” لأي مكان لا للماضي و لا الى الحاضر، حين تفشل في إعادة بناء حياتها بسهولة، واحيانا تكون هي المحطمة ايضا في لحظات الانهيار او استرجاع الصدمة، لكن بواقع تجربة الأسر داخل مخيمات تفتقر لادنى مستويات الامان النفسي نستخلص جزئيا من هذا كله ، ان هذه الحالات ليست ثابتة بل تتحرك…
قد تكون الثلاثة في يوم واحد: محطمة في داخلها…محبطة في وعيها…ومخذولة لي علاقتها بالعالم …
كيف يظهر كل نمط في الحب والعلاقات؟
نساء الهول أنموذجا
لأن ما قلته في البداية (القبول بأي رجل) يرتبط مباشرة بهذا التقسيم… وليس صدفة فالمرأة المحطَّمة (غالبا من فئة الضحية)…
كيف تحب؟
تحب من موقع الاحتياج لا الاختيار
تبحث عن من يحتويها… حتى لو كان غير مناسب قد تتعلق بسرعة شديدة
فتجد شكل العلاقة على هذا الوجه:
تقبل بالقليل جدا تتحمل الإهانة أو الإهمال او الاثنين معا تخاف أن تخسره أكثر من خوفها على نفسها جملتها الداخلية وان لم تصرح بها ؛
”فقط لا تتركني… وسأكون كما تريد”
المرأة المحبطة (غالبا المؤدلجة بعد الصدمة) كيف تُحب؟ تحب بعقل أكثر من قلب لديها حذر عالي… وأحيانا برود ظاهري تختبر الرجل بدل أن تنفتح له
تجدها في العلاقة:
تضع شروطا كثيرة، يصعب إرضاؤها تتوقع الخذلان مسبقا..
حوارها الداخلي :
”أثبت لي أنك مختلف… رغم أني لا أصدق” لهذا تفشل في العلاقات الجيدة بسبب الشك… تعيش صراعا بين رغبتها في الحب وخوفها منه
المرأة المَخذولة ( الناجية)
كيف ترى الحب؟ تحب وتنسحب… تقترب وتخاف، لديها تناقض: تحتاج القرب لكنها لا تثق به
موقعها داخل العلاقة:
بداية قوية ثم انسحاب مفاجئ
اختبار غير مباشر للولاء حساسية مفرطة لأي إشارة رفض
حوارها الداخلي: “اقترب… لكن لا تؤذيني كما فعلوا”
الخلل او الخطر:
علاقات متقطعة وغير مستقرة إنهاك الطرف الآخر… ثم تاكيد فكرة ” الكل يخذل ”
لماذا تقبل بعضهن بأي رجل؟
ـ المحطمة تقبل لأنه “أفضل من الوحدة”
ـ المخذولة تقبل لأنها تريد أن تثبت أن هناك أحدا لن يخذلها
ـ المحبطة قد تقبل أحيانا بدافع التعب من المحاولة والمقاومة.
في النهاية، لا يمكن فهم هؤلاء النسوة من خلال أحكام سريعة أو تصنيفات جامدة؛ فخلف كل سلوك يبدو مُربكًا حكاية طويلة من الكسر والصراع ومحاولات النجاة. إن ما يظهر كضعف أو اندفاع ليس إلا أثرًا لتجربة أعادت تشكيل الداخل بعمق. لذلك، يبقى الفهم الواعي والإنساني هو المدخل الوحيد لقراءة خياراتهن… لا لتبريرها، بل لإدراك جذورها.
وختاما:
ما يبدو اختيارا… ليس دائما حرية
شارك المقال























Leave a Reply