لم يعد ما تشهده الساحة اليمنية مجرد اختلاف تكتيكي عابر بين شريكي التحالف العربي، بل بات يعكس تحولا بنيويا في طبيعة العلاقة السعودية–الإماراتية داخل الملف اليمني، حيث تكشف التطورات الأخيرة، لا سيما في أرخبيل سقطرى وشبوة وحضرموت، عن تصاعد تناقض المصالح، واتساع الفجوة بين الخطاب السياسي المعلن والممارسة الميدانية.
حادثة ميناء سقطرى، بما تحمله من دلالات، لا يمكن قراءتها بمعزل عن سياق أوسع يتمثل في محاولة أبوظبي فرض وقائع ميدانية أخيرة قبل اكتمال عملية الانسحاب، أو على الأقل إعادة التموضع بما يضمن الحفاظ على نفوذ غير مباشر عبر أدوات محلية، وفي مقدمتها ميليشيات المجلس الانتقالي الجنوبي. فإدخال سفينة دون تصاريح رسمية، وتجاوز إجراءات التفتيش، وبإشراف ضباط إماراتيين، يمثل تحديا صريحا ليس فقط للقوات السعودية، بل لمنطق “التحالف” ذاته، الذي يفترض وجود تسلسل قيادي وتنسيق عملياتي.
وفي المقابل، تبدو السعودية في موقف إعادة ضبط الإيقاع، عبر التشديد على الإجراءات القانونية في الموانئ والمطارات، وفرض رقابة إضافية على الرحلات القادمة من الإمارات، في رسالة سياسية وأمنية مزدوجة، حيث الأولى موجهة لأبوظبي بضرورة الالتزام بقواعد الشراكة، والثانية موجهة للمجتمع الدولي بأن الرياض تسعى إلى ضبط المشهد ومنع أي أنشطة غير منسقة قد تقوض المسار السياسي.
غير أن الإشكالية الأعمق تكمن في الانسحاب الإماراتي ذاته، حيث تشير الوقائع إلى أنه انسحاب شكلي أكثر منه تفكيكا حقيقيا للبنية العسكرية والأمنية التي أنشأتها أبوظبي خلال سنوات الحرب، ولأن إعادة تموضع قوات “درع الوطن” في حضرموت والمهرة، وفق توصيف مصادر حكومية، لا ترقى إلى مستوى الانسحاب الكامل، بل تعكس استراتيجية “الظل”، أي الحفاظ على النفوذ عبر وكلاء محليين مع تقليص الوجود المباشر.
وسياسيا يحاول رئيس مجلس القيادة الرئاسي “رشاد العليمي” تقديم الانسحاب الإماراتي بوصفه ثمرة تنسيق مشترك يهدف إلى “تصحيح مسار التحالف”، إلا أن هذا الخطاب يصطدم بواقع ميداني يشي بأن الدولة اليمنية ما زالت الطرف الأضعف، وأن قرارات السيادة لا تزال تدار خارج مؤسساتها، سواء من خلال ميليشيات مدعومة خارجيا أو تفاهمات إقليمية لا يشارك فيها اليمن إلا بوصفه ساحة.
أما الاتصالات القطرية مع قيادتي السعودية والإمارات، فهي تعكس إدراكا إقليميا متزايدا بخطورة انزلاق الخلافات داخل التحالف إلى مستوى الصدام غير المباشر، وما قد يحمله ذلك من تداعيات على أمن الملاحة في البحر العربي وخليج عدن، وعلى فرص إحياء أي مسار تسوية شاملة في اليمن.
خلاصة القول، إن ما يجري اليوم ليس مجرد انسحاب إماراتي ولا تشدد سعودي إجرائي، بل هو مرحلة إعادة تعريف للأدوار والنفوذ في اليمن، بحيث إذا لم تترجم هذه التحولات إلى دعم فعلي لسلطة الدولة اليمنية وإنهاء حالة تعدد الجيوش والولاءات، فإن البلاد ستظل رهينة صراعات الحلفاء قبل الخصوم، وسيبقى “تصحيح المسار” شعارا سياسيا أكثر منه واقعا ملموسا.
إرسال التعليق