تحولوا بفعل الشعب: طريق هيئة تحرير الشام إلى السلطة في سوريا
تحولوا بفعل الشعب: طريق هيئة تحرير الشام إلى السلطة في سوريا
رصد المغرب
تحولوا بفعل الشعب: طريق هيئة تحرير الشام إلى السلطة في سوريا
تأليف: باتريك هاني وجيروم دريفون (2025)
المقدمة: الثورة الصامتة وإعادة التموضع الايديولوجي
يقدم كتاب “تحولوا بفعل الشعب” (Transformed by the People) تحليلاً رائدا ومفصلاً للمسار التحولي الذي سلكته هيئة تحرير الشام (HTS)، بقيادة أحمد الشرع (المعروف سابقاً بأبي محمد الجولاني)، منذ تأسيسها كجبهة النصرة التابعة لتنظيم القاعدة، وصولاً إلى سيطرتها على دمشق في ديسمبر 2024. يرتكز التحليل على بحث ميداني معمق، ويتبنى فرضية محورية مفادها أن صعود الهيئة لم يكن نتيجة لقوة عسكرية خالصة، بل كان نتاجاً لـ “ثورة صامتة” وإعادة تموضع أيديولوجي جذري، مدفوع بالضرورات السياسية والاجتماعية المحلية أكثر من كونه نابعاً من مراجعات عقائدية داخلية.
يستهل المؤلفان، باتريك هاني وجيروم دريفون، الكتاب بوصف “حرب البرق” التي شنتها الهيئة وحلفاؤها في أواخر عام 2024، والتي أدت إلى انهيار نظام بشار الأسد بشكل مفاجئ وسريع. ويشيران إلى أن هذا الانتصار لم يكن ليتحقق لولا التحول الأيديولوجي العميق الذي خاضته الهيئة في معقلها بإدلب بين عامي 2016 و2024. هذا التحول، الذي يصفه المؤلفان بـ نزع التشدد تمحور حول أربعة محاور رئيسية شكلت الأساس النظري للكتاب:
1.الخروج من الجهادية العالمية: تخلت الهيئة عن الأجندة الجهادية العابرة للحدود، وقطعت علاقاتها بتنظيم القاعدة، بل وقامت بملاحقة قادة التنظيمات الجهادية الأخرى ومنعها من العمل في مناطق سيطرتها.
2.تفريغ السلفية من محتواها السياسي القسري: ابتعدت الهيئة عن السلفية المتشددة التي تسعى لفرض تفسيرها للشريعة بالقوة، وبدلاً من ذلك، قبلت بـ “القصور الذاتي الاجتماعي”، أي مقاومة المجتمع للتغيير القسري، وتكيفت مع الأعراف والتقاليد المحلية.
3.الاستفادة من الأغلبية الصامتة: سعت الهيئة لاستقطاب الدعم الشعبي من خلال تبني ممارسات إسلامية تقليدية وشعبية، بما في ذلك الانفتاح على بعض جوانب التصوف، في محاولة لتهميش المتشددين المتبقين.
4.إعادة التوطين تحول تركيز الحركة بالكامل نحو الأهداف الوطنية السورية، مما جعلها تتأثر وتتشكل بـ انتقام المجتمع حيث أصبحت مطالب وقيود البيئة المحلية هي المحرك الأساسي لسياساتها.
الفصل الأول: من جبهة النصرة إلى هيئة تحرير الشام – صراع الهيمنة
يتتبع الكتاب المراحل التأسيسية للهيئة، بدءا من جبهة النصرة كفرع لتنظيم القاعدة مرورا بالانفصال التدريجي عن التنظيم الأم وتغيير الاسم إلى جبهة فتح الشام، وصولا إلى الاندماج وتشكيل هيئة تحرير الشام في عام 2017. يشدد المؤلفان على أن هذا المسار لم يكن مجرد تغيير للأسماء، بل كان استراتيجية واعية لـ “الهيمنة” على المشهد الثوري السوري.
في إدلب، عملت الهيئة على تفكيك الفصائل المعارضة الأخرى، سواء كانت معتدلة أو متشددة، لتوحيد القرار العسكري والمدني تحت مظلتها. هذا الصراع على الهيمنة كان ضرورياً لتمكين التحول الأيديولوجي، حيث لم يكن بإمكان الهيئة أن تتخلى عن تشدّدها وتتجه نحو البراغماتية دون أن تكون في موقع قوة يضمن عدم تعرضها للطعن من قبل الفصائل الأكثر تشددا.
الفصل الثاني: طبيعة التحول – السياسة قبل العقيدة
يرفض الكتاب التفسيرات التي ترى في تحول الهيئة مجرد نفاق تكتيكي أو تقية ويقدم بديلا من ذلك إطارا تحليليا يركز على السياسة كقوة دافعة. يجادل المؤلفان بأن الممارسة السياسية والضرورات الواقعية هي التي أعادت تشكيل الأيديولوجية، وليس العكس.
تأثير الترس: يوضح الكتاب أن التنازلات التكتيكية المتراكمة، مثل إنشاء حكومة الإنقاذ، والتعامل مع تركيا، وتوفير الخدمات، وصلت إلى نقطة لا عودة. هذه التراكمات أدت إلى تحول استراتيجي دائم، بغض النظر عن النوايا الأولية للجولاني أو قادة الهيئة.
الاستقرار الموجه: لم يكن التحول مجرد انجراف عشوائي بل كان موجها نحو هدفين رئيسيين: إعادة التوطين داخل السياق السوري ونزع التشدد كاستجابة للقيود الجيوسياسية والاجتماعية. هذا المسار الثابت هو ما يميز الهيئة عن تجارب جهادية سابقة.
الفصل الثالث: التحديات الداخلية – راديكالية المركز واحتجاجات 2024
يخصص الكتاب فصولا هامة لتحليل التحديات الداخلية التي واجهتها الهيئة، والتي بلغت ذروتها في الربيع العربي في إدلب خلال عام 2024. يصف المؤلفان هذه الاحتجاجات بأنها تعبير عن راديكالية المركز حيث لم تكن مدفوعة بالضرورة من قبل الجهاديين القدامى، بل من قبل تيار إسلامي-شعبي محافظ رأى في براغماتية الهيئة ابتعادا عن المبادئ الثورية والأخلاقية.
قانون الأخلاق العامة: يحلل الكتاب الجدل حول محاولات فرض قانون للأخلاق العامة، وكيف أن الجولاني اضطر إلى تجميد القانون لتجنب الصدام مع المجتمع مما يبرز التوازن الدقيق الذي كانت الهيئة تحاول تحقيقه بين المحافظة والواقعية.
الاستبداد منخفض الحدة: يصف المؤلفان أسلوب حكم الهيئة بأنه نظام استبدادي منخفض الحدة. فبدلا من القمع العنيف للاحتجاجات، اعتمدت الهيئة على ضبط النفس، والتفاوض المستمر، وتقديم تنازلات في قضايا مثل الضرائب والاعتقالات. هذا الأسلوب عزز صورتها كـ نظام قابل للتفاوض بدلا من كونه نظاما قمعيا مطلقا على الرغم من احتفاظها بالسيطرة المطلقة على الأجهزة الأمنية والعسكرية.
الفصل الرابع: الهوية السنية الصاعدة والسياسة الإلليبرالية
ختاما يضع الكتاب تجربة هيئة تحرير الشام في سياق أوسع متجاوز التصنيفات التقليدية للحركات الإسلامية. يرى المؤلفان أن الهيئة تمثل ظاهرة جديدة من السياسة الهوياتية السنية في سوريا، حيث أعادت صياغة هويتها كحركة تقليدية تسعى لتمثيل الأغلبية السنية المحافظة، بعيدا عن الطوباوية الجهادية أو السلفية.
النموذج الإلليبرالي: يقارن المؤلفان تحول الهيئة بمسارات الأحزاب اليمينية المتطرفة في الغرب، التي تتجه نحو المركز وتتخلى عن تطرفها الأيديولوجي لتحقيق السلطة، دون الحاجة إلى مراجعات عقائدية رسمية. هذا التوجه الإلليبرالي يركز على الاستقرار والسيطرة على الدولة وتوفير الخدمات مع الحفاظ على إطار محافظ للهوية.
يخلص الكتاب إلى أن الهيئة نجحت في تحقيق هدفها بالسيطرة على دمشق لأنها سمحت لنفسها بأن تتحول بفعل الشعب. لم يكن التحول نابعا من إيمان بالجولاني كـ معتدل بل من إدراك الهيئة بأن البقاء في السلطة يتطلب التخلي عن الأجندات المتطرفة والاندماج في النسيج الاجتماعي والسياسي السوري. هذا التحول، الذي تم من موقع قوة، هو ما يجعل تجربة الهيئة فريدة ومستدامة، ويجعل الكتاب دليلا أساسيا لفهم سوريا الجديدة بعد سقوط نظام الأسد.
إرسال التعليق