تصاعد المتابعات القضائية للصحافيين في المغرب. هل هو ترشيد أم إعادة توزيع للضغط؟
رصد المغرب / عبد الصمد الشرادي
أعاد الارتفاع اللافت في عدد المتابعات القضائية في حق الصحافيين بالمغرب، خلال سنة 2024، إلى الواجهة النقاش حول واقع حرية الصحافة والتعبير، وحدود الترشيد الذي تعلن عنه رئاسة النيابة العامة في تعاملها مع قضايا النشر، حيث بين الأرقام الرسمية والتبريرات القانونية ومخاوف الفاعلين الحقوقيين، تتشكل صورة مركبة لمشهد إعلامي يعيش تحت ضغط قضائي متغير في الشكل، لكنه ثابت في الأثر.
التقرير السنوي لرئاسة النيابة العامة لسنة 2024 كشف تسجيل 52 متابعة في حق صحافيين مهنيين بناءا على القانون رقم 88.13 المتعلق بالصحافة والنشر، مقابل 21 متابعة فقط سنة 2023، أي أكثر من الضعف خلال عام واحد، حيث ترجع النيابة العامة هذا الارتفاع إلى عاملين رئيسيين، وهما تزايد حالات خرق مقتضيات قانون الصحافة، ولجوء المتضررين بشكل أكبر إلى القضاء بدل سلوك مساطر بديلة أو التنازل عن الشكايات.
غير أن المعطى الأبرز في التقرير لا يتعلق فقط بعدد المتابعات، بل بمصدر تحريك الدعوى العمومية، إذ تشير الأرقام إلى أن 46 متابعة من أصل 52 جاءت بناءا على شكاوى مباشرة تقدم بها متضررون أمام هيئات الحكم أو التحقيق، في حين لم تبادر النيابة العامة تلقائيا سوى إلى متابعتين اثنتين فقط، حيث تعتبر رئاسة النيابة العامة أن هذا التوجه يعكس حرصها على التقيد بالسياسة الجنائية الداعية إلى ترشيد اللجوء إلى المتابعة المباشرة للصحافيين، وحصرها في الحالات الاستثنائية المرتبطة بانتهاكات جسيمة لحقوق الأفراد أو بالأمن والنظام العامين.
لكن منظمات حقوقية وهيئات مهنية ترى في هذا التحول تغييرا في التكتيك أكثر منه تراجعا في الضغط، لأن إسناد عبء المتابعة إلى الشكاوى المباشرة، بدل تحريكها تلقائيا من طرف النيابة العامة، لا يقلل بالضرورة من تأثيرها، بل قد يفتح المجال أمام استعمال القضاء كأداة ضغط من قبل شخصيات نافذة أو مؤسسات قوية، عبر إنهاك الصحافيين بالمساطر القضائية وتكاليف الدفاع، بما يخلق ما يوصف بـ“الأثر التخويفي” على الأصوات الناقدة.
هذه المخاوف تعززها معطيات دولية، إذ صنفت منظمة مراسلون بلا حدود المغرب في المرتبة 129 عالميا على مؤشر حرية الصحافة لسنة 2024، مشيرة إلى استمرار الضغوط القضائية، ولا سيما عبر ما وصفته بـالتكييف الجنائي لقضايا يفترض أن تندرج ضمن قانون الصحافة، إضافة إلى استهداف صحافيين بسبب آرائهم النقدية.
ويبرز هذا الإشكال بشكل أوضح في الفصل الصارم الذي تعتمده رئاسة النيابة العامة بين العمل الصحافي المحمي بقانون الصحافة والنشر، والذي ألغى العقوبات السالبة للحرية، وبين النشر على وسائل التواصل الاجتماعي، بحيث حسب هذا التفسير، تخضع المنشورات الرقمية التي لا تستوفي شروط الصحافة الإلكترونية للقانون الجنائي، حتى إن كان صاحبها صحافيا مهنيا.
وتجسد قضية الصحافي حميد المهداوي هذا التوجه بوضوح، إذ أُدين في نونبر 2024 بالسجن النافذ لمدة سنة ونصف، وبغرامة مالية قدرها 150 مليون سنتيم، على خلفية شكاية تقدم بها وزير العدل عبد اللطيف وهبي، بسبب فيديوهات انتقد فيها أداء الوزير وتحدث عن شبهات فساد، حيث رغم صفته المهنية، تمت متابعته بمقتضيات القانون الجنائي بدعوى أن المحتوى نشر على “يوتيوب”، وهو ما اعتبرته منظمات حقوقية التفافا قانونيا يهدف إلى تجريم التعبير وسلب الحماية التي يوفرها قانون الصحافة.
وفي السياق ذاته، عرف عام 2024 حدثا بارزا تمثل في العفو الملكي بمناسبة عيد العرش، الذي شمل عددا من الصحافيين والمدونين، من بينهم توفيق بوعشرين، وعمر الراضي، وسليمان الريسوني، غير أن تقارير حقوقية لاحقة تحدثت عن استمرار التضييق عليهم، سواء عبر صعوبة العودة إلى العمل الإعلامي بسبب السجل العدلي، أو من خلال حملات تشهير ومراقبة مستمرة.
على مستوى آخر، يعكس التقرير التحول الرقمي المتسارع في المشهد الإعلامي الوطني، حيث توصلت النيابات العامة خلال سنة 2024 بـ137 تصريحا بالنشر، منها 94 تصريحا تخص الصحف الإلكترونية (68%)، مقابل 43 تصريحا للمطبوعات الدورية (32%)، حيث يؤكد هذا المعطى هيمنة الصحافة الرقمية، في انسجام مع القانون 88.13 الذي أقر مبدأ المساواة بين الإعلام الورقي والإلكتروني.
غير أن النيابة العامة لم تغفل الجانب الزجري، إذ سجلت 10 متابعات بسبب خرق المادة 24 من قانون الصحافة والنشر، المتعلقة بإصدار أو نشر مطبوع دوري أو صحيفة إلكترونية دون تصريح قبلي، صدرت في شأنها أحكام بالإدانة، ما يعكس تشديدا على احترام الإطار التنظيمي للمهنة.
وفي المحصلة، يرسم تقرير رئاسة النيابة العامة لسنة 2024 مشهدا إعلاميا وقضائيا معقدا، حيث بين خطاب الترشيد وتراجع المبادرة التلقائية للمتابعة، يقابله ارتفاع قياسي في العدد الإجمالي للقضايا، واعتماد شبه كلي على الشكاوى المباشرة، ما يوحي بأن الضغط القضائي على الصحافيين لم يتراجع، بل أعيدت صياغته بأدوات أقل مباشرة وأكثر قابلية للتوظيف، وهو ما يطرح تحديا حقيقيا أمام ضمان حرية الصحافة واستقلالها في المغرب.
إرسال التعليق