رصد المغرب/عبد الحميد الادريسي
في تصعيد يعد من الأكثر حساسية منذ اندلاع المواجهة المفتوحة بين إيران وإسرائيل، دخل اسم ديمونة—المدينة الواقعة في صحراء النقب جنوب إسرائيل، والمرتبطة في الأدبيات الاستراتيجية بالبرنامج النووي الإسرائيلي—واجهة الأحداث، عقب تقارير دولية تحدثت عن وصول صواريخ إيرانية إلى محيطها. هذا التطور لا يمكن قراءته كحلقة عابرة في سياق تبادل الضربات، بل كمؤشر على تحول نوعي في قواعد الاشتباك، ينقل الصراع من استهداف البنى العسكرية التقليدية إلى ملامسة الرموز السيادية الأكثر حساسية.
ووفق معطيات نقلتها وكالة Associated Press، فإن إدراج محيط ديمونة ضمن بنك الأهداف يأتي في سياق رد إيراني على ضربات استهدفت منشات نووية داخل أراضيها، خاصة موقع نطنز، ما يعكس انتقال المواجهة إلى مستوى أكثر جرأة، تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع رسائل ردع سياسية ذات دلالات عميقة. ورغم غياب أي تأكيد رسمي بشأن إصابة مباشرة لمنشآت نووية أو تسجيل تسرب إشعاعي، فإن مجرد وصول الصواريخ إلى هذه المنطقة يكتسب دلالة استراتيجية تتجاوز الأثر الميداني المحدود.
في المقابل، أعلن الجيش الإسرائيلي فتح تحقيق في ما وصفه بـ(إخفاق جزئي) لمنظومات الدفاع الجوي، بعد تمكن بعض الصواريخ من بلوغ محيط ديمونة. هذا المعطى لا يعكس فقط تحديا تقنيا في اعتراض موجات هجومية متطورة، بل يكشف أيضا عن تحول في طبيعة التهديدات، حيث لم يعد العمق الإسرائيلي بمنأى عن الاستهداف، حتى في أكثر مناطقه حساسية. ووفق تحليلات نشرتها Wall Street Journal، فإن هذا التطور يعكس ضغطا متزايدا على أنظمة الدفاع متعددة الطبقات، في ظل استخدام وسائل هجومية أكثر تعقيدا من حيث المدى والدقة والتشويش.
ويأتي هذا التصعيد ضمن سياق إقليمي متسارع منذ أواخر فبراير 2026، حيث تبادلت طهران وتل أبيب ضربات مكثفة استهدفت منشآت عسكرية وطاقية، وامتدت تداعياتها إلى محيط الخليج وقواعد عسكرية غربية، في مشهد يعيد رسم ملامح توازنات هشة، ويضع المنطقة أمام اختبار غير مسبوق لقدرة آليات الردع التقليدية على احتواء الانفجار.
ضمن هذا السياق، تبدو الضربة التي طالت محيط ديمونة أقرب إلى (رسالة استراتيجية محسوبة) منها إلى محاولة تدمير فعلي. رسالة مفادها أن إيران باتت قادرة على الوصول إلى نقاط توصف تاريخيا بأنها خارج نطاق الاستهداف المباشر، دون تجاوز عتبة الانزلاق نحو مواجهة شاملة. إنها معادلة دقيقة تجمع بين إظهار القدرة على الاختراق، والحفاظ على هامش ضبط يمنع تفجير صراع ذي طابع وجودي.
غير أن هذا الهامش يظل هشاً بطبيعته. فاستهداف مواقع ذات صلة بالبنية النووية، حتى بشكل غير مباشر، يفتح الباب أمام سيناريوهات شديدة الخطورة، خصوصاً في ظل تحذيرات مراكز بحثية دولية من أن أي إصابة مباشرة لمنشآت نووية قد تؤدي إلى تداعيات إشعاعية وإنسانية عابرة للحدود، يصعب احتواؤها في بيئة إقليمية متوترة ومتشابكة.
في المحصلة، لم يعد التصعيد بين إيران وإسرائيل مجرد تبادل تقليدي للضربات، بل تحول إلى اختبار معقد لحدود الردع في منطقة تقف على حافة الانفجار. ديمونة، التي ظلت لعقود عنواناً للغموض النووي الإسرائيلي، تجد نفسها اليوم في قلب معادلة جديدة، حيث تتآكل الخطوط الحمراء تدريجياً، وتُعاد صياغة قواعد الاشتباك على إيقاع تهديد يقترب، أكثر من أي وقت مضى، من تخوم الخطر النووي.
Share this content:


