رغم مرور سنوات على وفاة “جيفري إبستين” في زنزانته عام 2019، فإن اسمه لم يتحول إلى صفحة مطوية في التاريخ السياسي الأمريكي، بل إلى شبح ثقيل الظل يلاحق مراكز القرار في واشنطن، وعلى رأسها دونالد ترامب، حيث القضية لم تعد مجرد فضيحة أخلاقية لرجل أعمال منحرف، بل باتت في نظر الكثيرين؛ عقدة سياسية وأمنية تكشف تداخل المال والاستخبارات والابتزاز في قلب النظام الدولي.
الإفراج الأخير عن ملايين الوثائق المرتبطة بإبستين أعاد فتح الجرح على مصراعيه، حيث حجم المواد؛ من صور ومقاطع فيديو ومراسلات إلكترونية، يطرح سؤالا جوهريا، وهو كيف استطاع رجل واحد أن يكون حاضرا في دوائر الحكم الأمريكية والبريطانية وبعض العواصم العربية، وأن يبني شبكة علاقات تمس رؤساء دول ووزراء ورجال مال وإعلام؟
واحدة من أخطر النقاط التي أعادت الوثائق تسليط الضوء عليها هي الشبهات القديمة المتجددة حول علاقة إبستين بأجهزة استخبارات، وعلى رأسها الموساد الإسرائيلي، حيث هذه الفرضية لم تعد مجرد همس إعلامي أو نظرية هامشية، بل أصبحت مطروحة بقوة في ضوء مراسلات واتصالات مع شخصيات إسرائيلية بارزة، من بينها رئيس وزراء سابق، إضافة إلى شهادات لمسؤولين أمريكيين تحدثوا سابقا عن “حساسية” التعامل القضائي مع إبستين بسبب موقعه الاستخباراتي.
إن صحت هذه الفرضيات؛ أو حتى جزء منها، فنحن لا نكون أمام مجرم جنسي محمي فقط، بل أمام أصل استخباراتي استخدم لبناء نفوذ وجمع أسرار، وربما ابتزاز شخصيات في أعلى هرم السلطة.
اسم دونالد ترامب يتكرر بكثافة في الوثائق، ليس فقط بوصفه شخصية اجتماعية كانت على تماس مع إبستين، بل باعتباره نقطة ارتكاز في شبكة علاقات معقدة شملت مقربين منه، وعلى رأسهم جاريد كوشنر، حيث هذا التكرار سواء أكان بريئا أم لا، يضع ترامب في موقف سياسي هش، خصوصا في ظل تاريخ من الاتهامات الأخلاقية التي لم تحسم قضائيا، لكنها لم تختف من المجال العام.
المشكلة هنا ليست فقط في وجود الاسم، بل في السياق، لأن هناك حفلات مغلقة وعلاقات مع شخصيات لاحقها القضاء، وشهادات لضحايا تحدثوا عن نمط ممنهج من الاستغلال والترهيب، حيث كل ذلك يجعل من “إبستين” قنبلة مؤجلة في المشهد السياسي الأمريكي، وقابلة للانفجار في أي لحظة.
وهناك أيضا الوثائق، والتي تكشف كذلك عن أدوار غير مباشرة لإبستين في ملفات إقليمية حساسة، لكل من القرن الإفريقي وأرض الصومال، إلى ليبيا وأموالها المجمدة بعد سقوط القذافي، حيث هذه التفاصيل؛ إن ثبتت، تعكس كيف يمكن لشخص واحد خارج أي منصب رسمي، أن يتحول إلى وسيط بين المال والاستخبارات والجغرافيا السياسية. وهنا يصبح السؤال الأخطر هو كم من القرارات الدولية التي نراها اليوم كانت نتاج مصالح خفية، لا نقاشات علنية ولا مؤسسات منتخبة؟
التوقيت ليس تفصيلا ثانويا، حيث عودة ملف “إبستين” إلى الواجهة تأتي في لحظة انقسام أمريكي داخلي حاد، ومع تصاعد توترات دولية كبرى، وأيضا في مثل هذه اللحظات، يصبح “الخطر الخارجي” أداة تقليدية لإعادة ترتيب الداخل، وتحويل الأنظار من الأزمات السياسية والأخلاقية. فهل يمكن أن يستخدم هذا الملف للضغط؟ نعم. وهل يمكن أن يدفع المشهد نحو تصعيد خارجي لصرف الانتباه؟ التاريخ الأمريكي يقول إن هذا احتمال وارد.
“جيفري إبستين” لم يمت سياسيا، بل ربما أصبح، بعد موته أكثر خطورة مما كان عليه في حياته، حيث قضيته ليست عن الجنس فقط ولا عن الفضائح، بل عن بنية قوة تعمل في الظل، وعن هشاشة الخط الفاصل بين الدولة العميقة والدولة المنتخبة، بحيث ما لم تفتح هذه الملفات بشفافية كاملة، ويحاسب المتورطون أيا كانت أسماؤهم، سيبقى “إبستين” كابوسا يطارد البيت الأبيض، ويذكر العالم بأن ما يدار في الخفاء قد يكون أخطر بكثير مما يقال في العلن.
إرسال التعليق