حرفيو الزليج بفاس في تصعيد مفتوح بحي بنجليق ضد المكننة
رصد المغرب / عبد العالي بريك
دخل حرفيو الزليج البلدي بمدينة فاس، يوم أمس الإثنين 16 فبراير 2026، مرحلة جديدة من التصعيد الميداني، بتنظيم وقفة احتجاجية بالحي الصناعي بنجليق، المنطقة شبه المهجورة المحاذية لسيدي احرازم، احتجاجا على استمرار اعتماد المكننة في تقطيع الزليج، وما اعتبروه “تهديدا مباشرا لحرفة عريقة ولمصدر رزق مئات الأسر”.
الوقفة التي عرفت حضورا وازنا للمهنيين وأرباب الورش، جاءت امتدادا لمسار طويل من اللقاءات التواصلية التي جمعتهم بعدد من المسؤولين، سواء على مستوى غرفة الصناعة التقليدية لجهة فاس-مكناس، أو مع مسؤولي جهة فاس-مكناس، بحضور ممثلين عن الاتحاد المغربي للشغل الذي واكب مختلف مراحل الحوار.
وتعود فصول هذا الملف إلى لقاءات سابقة احتضنها المقر الجهوي لغرفة الصناعة التقليدية بفاس، كان أبرزها اجتماع 18 غشت 2025، الذي تم خلاله التداول في إشكالية إدخال المكننة إلى قطاع الزليج التقليدي، والتنبيه إلى مخاطرها على جودة المنتوج وعلى استمرارية الحرفة.
كما تلا ذلك لقاء يوم 13 أكتوبر 2025، حيث عبر المهنيون مجددا عن قلقهم العميق من انتشار الآلات الرقمية في تقطيع الزليج البلدي، مؤكدين أن الأمر لا يتعلق فقط بتقنية إنتاج، بل بهوية ثقافية وإرث حضاري متجذر في مدينة فاس، العاصمة الروحية والصناعية التقليدية للمملكة.
وخلال تلك اللقاءات، تم التأكيد على ضرورة الإسراع بإخراج مشروع محطة معالجة الطين، وضمان جودة المواد الأولية، وحماية المنتوج التقليدي من كل ما قد يمس أصالته، حيث أن المحتجين أكدوا، في تصريحاتهم لجريدة “رصد المغرب”، أن “الوعود لم تجد طريقها إلى التنفيذ”، وأن المماطلة استمرت رغم تعاقب الاجتماعات والتطمينات.
ورفع المحتجون شعارات قوية ضد ما وصفوه بـ”الإجهاز على الزليج البلدي”، مؤكدين أن “التراث لا يقاس بمنطق الربح السريع”، وأن المكننة تمثل تهديدا حقيقيا لحرفة تعتمد أساسا على المهارة اليدوية والنقش التقليدي الذي يميز الزليج الفاسي عبر قرون.
وشددوا على أن استمرار الوضع على ما هو عليه سيدفعهم إلى خطوات تصعيدية أخرى، من بينها التلويح بوقف العمل بشكل تام داخل الحي الصناعي بنجليق، في حال عدم القطع النهائي مع المكننة في هذا القطاع.
كما عبروا عن تخوفهم من تشريد مئات الأسر التي تعتمد بشكل كلي على هذه الحرفة كمصدر وحيد للرزق، معتبرين أن إدخال الآلة بشكل موسع يعني تقليص الحاجة إلى اليد العاملة، وبالتالي ضرب الاستقرار الاجتماعي لشريحة واسعة من الحرفيين.
واستحضر المحتجون في كلماتهم التوجيهات الملكية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، الذي أكد في عدة خطب على ضرورة صون التراث الوطني، وحماية الصناعات التقليدية، والاهتمام بالحرفيين باعتبارهم حماة هذا الرصيد الحضاري.
وتداول عدد من الحرفيين سؤالا جوهريا، وهو كيفية التوفيق بين الدعوات المتكررة للحفاظ على الموروث الثقافي، وبين السماح بممارسات قد تنهي حرفة الزليج عن بكرة أبيها؟” معتبرين أن الزليج البلدي ليس مجرد منتوج تجاري، بل هو هوية فنية وروحية تعكس عبقرية الصانع المغربي.
وعلى مستوى تدبير الوقفة، سجل الحاضرون التعامل الحكيم والمسؤول للسلطات المحلية، إلى جانب عناصر الدرك الملكي، الذين واكبوا الشكل الاحتجاجي عن بعد، مكتفين بالمراقبة وتنظيم حركة السير بانسيابية ومسؤولية، في احترام تام لحق المحتجين في التعبير السلمي.
هذا التعاطي المهني ساهم في مرور الوقفة في أجواء هادئة ومنظمة، دون تسجيل أي احتكاكات، في صورة تعكس توازن المقاربة بين حفظ النظام العام وضمان حرية التعبير. ولأن ملف الزليج البلدي بفاس يبدو اليوم على مفترق طرق. فإما تفعيل فعلي للالتزامات السابقة، وإخراج حلول عملية تحمي الطابع اليدوي للحرفة، أو دخول القطاع في مرحلة تصعيد قد تشمل أشكالا احتجاجية أوسع وإضرابا شاملا بالحي الصناعي بنجليق. ليبقى السؤال المطروح، هو هل سيتم الإنصات لنبض الحرفيين باعتبارهم صمام أمان هذا التراث العريق؟ أم أن منطق السرعة والمكننة سيطغى على روح الصنعة التي صنعت مجد الزليج المغربي عبر التاريخ؟
الأيام القادمة كفيلة بكشف مآلات هذا الملف، في انتظار تدخل عاجل يعيد الثقة، ويحفظ للزليج البلدي مكانته كأحد أعمدة الهوية الثقافية والاقتصادية لمدينة فاس والمغرب ككل.
إرسال التعليق