رصدالمغرب / الدكتور سدي علي ماءالعينين
إن التحولات البنيوية التي شهدها حزب الاستقلال منذ رحيل حميد شباط وإضعاف جناحه النقابي المتمثل في الاتحاد العام للشغالين، لم تكن مجرد تغيير في الأسماء، بل كانت إعلاناً عن نهاية حقبة “الجيوب الشعبية” المنظمة وبداية عصر “الأعيان والوجوه الانتخابية” الوازنة.
هذا المسار الذي يشبه إلى حد بعيد ما اختبره الاتحاد الاشتراكي بعد خروج نوبير الأموي وتفكك كتلته التاريخية، أدى إلى تحلل منظومة المفتشيات التقليدية التي كانت تستمد هيبتها من التحالف العائلي الفاسي، لتتحول القوة التنظيمية اليوم إلى مراكز نفوذ محلية مرتبطة بأشخاص نافذين في الصحراء، وسوس، ومداشر مراكش، وبعض معاقل الشمال.
في هذا السياق، تبرز شخصية نزار بركة كواجهة هادئة تحاول الحفاظ على “بركة” الحزب الوطني التاريخي بعيداً عن صراعات التيارات، لكنها واجهة تجد نفسها اليوم أمام تحدي تحويل هذا الرصيد الرمزي إلى نتائج رقمية ملموسة في صناديق الاقتراع، خاصة وأن الحزب يُقدم في الكواليس كمرشح قوي لتصدر المشهد الانتخابي المقبل.
ومع اقتراب الاستحقاقات، يواجه الحزب معضلة أخلاقية وسياسية تتعلق بكيفية عرض حصيلته الحكومية؛ فمحاولة التملص من نتائج المشاركة بدعوى ممارسة “النقد من الداخل” أو “التمايز” قد تُفهم من قبل الناخب كنوع من التهرب من المحاسبة السياسية، وكأن سنوات الجلوس في المقاعد الوزارية كانت مجرد “نزهة” أو “قاعة انتظار” لمرحلة تالية، وليست مسؤولية كاملة عن قرارات مصيرية مست جيوب المغاربة ومعيشهم.
إن أي محاولة لتقديم الحزب لنفسه كبديل للسياسات التي كان هو جزءاً أصيلاً في صياغتها، قد تضرب صدقيته في العمق وتجعله يبدو في موقف دفاعي أمام خصوم يتربصون بزلاته التدبيرية، مما يفرض عليه الخروج بخطاب يعتز بما أنجز بشجاعة، ويتحمل مسؤولية ما أخفق فيه بوضوح، بدلاً من اللعب على حبال المعارضة بجبة الحكومة.
ولعل الرهان الحقيقي لكسب ثقة الناخب في انتخابات 2026 يكمن في ضرورة الوضوح بخصوص التحالفات القادمة قبل التوجه إلى الصناديق.
فالحزب مطالب اليوم بكشف أوراقه:
هل سيستمر في التحالف الثلاثي الحالي، أم سيميل نحو “الأحزاب الوطنية” لترميم جبهة التسعينات، أم سيبحث عن تقارب أيديولوجي مع حزب العدالة والتنمية لتشكيل “قطب محافظ”؟ إن إعلان التحالفات المسبقة لم يعد ترفاً، بل هو احترام لعقد الثقة مع الناخب؛ فهناك من سيمنحه صوته بناءً على استقرار التحالف الحالي وضمان الاستمرارية لمشاريع كبرى كالمونديال، وهناك من يرى في أي تغيير مفاجئ للتحالف بعد ظهور النتائج “خيانة” للإرادة الانتخابية والتفافاً على البرامج المعلنة.
إن وضوح التموقع هو ما سيحدد ما إذا كانت “حكومة المونديال” ستكون حكومة تكنو-محافظة منسجمة، أم مجرد توليفة هشة لتقاسم الحقائب، وهو ما سيكشف قدرة حزب الاستقلال على القيادة الحقيقية لا مجرد المشاركة التكميلية.
في الإطلالة القادمة سنعرج عند حزب الأصالة والمعاصرة لنخوض في مساره و آفاقه في الانتخابات التشريعية المقبلة .
شارك المقال























Leave a Reply