آخر الأخبار

حين يتحول الانخراط إلى قناع، وتضيع المزاولة بين الورق والواقع

حين يتحول الانخراط إلى قناع، وتضيع المزاولة بين الورق والواقع

رصد المغرب/ مراد مجاهد 

إذا كانت الأمانة شرط الكتابة، فإن أول ما يجب قوله دون مواربة هو أن الاشتراك في الحماية الاجتماعية واجب مهني وأخلاقي، وأن جزءًا كبيرًا ممن تراكمت عليهم الديون مزاولون فعليًا ويعرفون ذلك قبل غيرهم، ونحن أبناء الميدان لا نحتاج إلى الاختباء خلف التأويلات القانونية لنقول الحقيقة كما هي، لأن ما نكتبه ليس بلاغًا نقابيًا ولا مناورة ظرفية، بل شهادة مسؤولية. غير أن قول هذه الحقيقة لا يمنع من طرح السؤال الجوهري الذي تفر منه البلاغات وتتحاشاه الإدارة: كيف اختلط المزاول الحقيقي بالسائق الشبح؟ وكيف تحولت الحماية الاجتماعية من ورش للكرامة إلى أداة لخلط الأوراق؟
القانون 98.15، في مادتيه الأولى والثالثة، لم يتحدث عن حاملي صفات ولا عن مالكي وثائق، بل عن أشخاص يزاولون نشاطًا خاصًا بصفة فعلية، وهو فرق جوهري تم القفز عليه حين جرى اعتماد لوائح مبنية على حيازة رخص الثقة والبطائق المهنية فقط، بدل لوائح مبنية على المزاولة الميدانية المؤطرة بعقود العمل والتنقيط المنتظم كما نصت على ذلك المذكرات الوزارية 444 و455، وهذا القفز هو أصل الارتباك، لأنه جعل من الرخصة دليلًا على النشاط، ومن الورق بديلاً عن الواقع.
وما زاد الصورة تعقيدًا أن القطاع لا يتكوّن فقط من مزاولين قارّين وأشباح مهنيين، بل يضم أيضًا فئة ثالثة معترف بها إداريًا في الدورية الوزارية 336، سائقون يزاولون بصفة مؤقتة أو موسمية، يعوضون الغير في حالات المرض أو الغياب أو العطل، دون عمل قار ولا دخل منتظم، وهي فئة هشة بطبيعتها، لا يمكن أخلاقيًا ولا اجتماعيًا التعامل معها بنفس منطق من يشتغل طيلة السنة. هؤلاء مكانهم الطبيعي، إلى حين حصولهم على عقد قار، يجب أن يكون ضمن آلية دعم وتضامن محددة، لا ضمن قوائم الديون، لأن الحماية الاجتماعية في فلسفتها الأصلية وُجدت لتراعي الفوارق لا لتطمسها. وحين نتحدث عن هذه الآلية فنحن لا نقصد طريقة عمياء تُسقط الجميع في سلة واحدة، بل منطقًا واضحًا يفرز الوضعيات الحقيقية، وهو ما أكدته وثائق وزارة الداخلية نفسها حين أقرت بوجود فئة السائقين غير الأجراء الخاضعين للقانون 98.15، وفئة السائقين الأجراء الخاضعين لمدونة الشغل، وفئة ثالثة هشة يُفترض أن تستفيد من AMO تضامن عند توقفها عن العمل.
وهنا تتجلى أهمية المواد 14 و14 مكرر من القانون 98.15: المادة 14 تجعل المزاولة أصل الحق، وتقر بأن الانقطاع عن العمل لأكثر من ثلاثة أشهر يوقف الاستفادة، ومن ثَمَّ فإن أي مديونية عن فترة التوقف يجب أن تتجمد أو تُسقط منطقيًا. والمادة 14 مكرر تجعل الاستمرار في النظام بعد فقدان شرط المزاولة حقًا اختياريًا لا قيدًا إجباريًا، أي أن الاشتراك بعد التوقف اختيار للسائق لا فخًا إداريًا لتحصيل مبالغ عن فترات بطالة أو انقطاع. وبالدمج مع وضعية الفئة الهشة، يصبح المعنى واضحًا: عند التوقف تُحال على AMO تضامن، وعند المزاولة بعقد قار تُدرج ضمن فئة الالتزامات العادية، وهذا هو جوهر التضامن الذكي.
الإدارة من جهتها استعملت المادة السابعة لتفعيل التسجيل التلقائي وأشعرت السائقين، وصمتُ الغالبية داخل الآجال القانونية حسم وضعيتهم شكليًا، وهذه حقيقة لا يجب الهروب منها، لكن الحقيقة الأكبر أن نفس الإدارة التي استعجلت تفعيل الواجبات عطلت الضمانة الوحيدة التي تثبت المزاولة، وتركت المستغلين خارج أي إلزام فعلي بالتصريح بالسائقين وإبرام العقود معهم، فصار السائق يؤدي باعتباره مزاولًا حين يتعلق الأمر بالاشتراك، ويُعامل كغير مثبت المزاولة حين يتعلق الأمر بحقوقه المهنية.
والأخطر من ذلك أن الإدارة تمتلك أصلًا أدوات الفرز، فالدورية 336 أحدثت نظام SIGTT لتتبع وضعية السائقين بين مزاول ومتوقف ومنقطع، وجاءت المذكرة الوزارية رقم 107 لسنة 2024 لتعترف ضمنيًا بضعف نسب الانخراط وبالحاجة إلى إعادة ترتيب الملف، وتدعو إلى تحيين معطيات هذا النظام. هذا الاعتراف في حد ذاته دليل على أن المديونيات السابقة بُنيت على معطيات غير محينة، وعلى أن التنزيل الأول كان مختلًا، ورغم ذلك ما زال منطق اللوائح العامة هو المعتمد بدل منطق المعطى الميداني.
هنا يتولد التناقض القاتل: كيف يُقبل استعمال بطاقة الانخراط لإثبات المزاولة عند طلب رخصة بيومترية، ثم يُرفض نفس المنطق عند المطالبة بالحقوق؟ وكيف تُحرم فئة من تجديد الرخصة بدعوى غياب التنقيط، بينما تُعتبر مزاولة تلقائيًا لأغراض التحصيل؟ هذا العبث لا يصنعه القانون، بل يصنعه سوء تنزيله.
ومع ذلك، لا يمكن تبرئة الذات الجماعية داخل القطاع من كل مسؤولية. جزء من الأزمة نتاج ضعف في الوعي القانوني وغياب ثقافة مهنية راسخة لدى فئات واسعة، في ظل بيئة تنظيمية لم تساعد أصلًا على الفهم ولا على الانضباط. النصوص كانت منشورة، والتنبيهات كانت موجودة، لكن غياب التأطير الجدي وترك السائق وحيدًا أمام تعقيد المساطر جعل كثيرين يتعاملون مع الملف بالاستخفاف أو بالصمت، لا عن سوء نية دائمًا، بل عن ارتباك وخوف وتيه. لذلك فالمعركة اليوم ليست معركة لوم، بل معركة وعي مشترك ومسؤولية متقاسمة.
المشكل إذن ليس في وجود الديون ولا في مبدأ الأداء، بل في غياب فرز حقيقي يميز بين من يشتغل فعلاً وبانتظام، ومن يشتغل بصفة متقطعة، ومن لا يشتغل أصلًا. وبدون هذا الفرز سيظل الضمان الاجتماعي قناعًا يتخفى وراءه الأشباح، وعبئًا على المزاولين الحقيقيين، وإقصاءً للفئة الهشة من موقعها الطبيعي داخل منظومة التضامن.
إن معركتنا ليست ضد الحماية الاجتماعية، ولا ضد الصندوق، ولا ضد مبدأ الاشتراك، بل ضد اختزال قطاع متشعب في معادلة محاسباتية واحدة. معركتنا من أجل أن يُعاد بناء وعاء المديونية على أساس الواقع لا الافتراض، وعلى أساس الفئات القانونية المعترف بها إداريًا لا تصور واحد جامد. فالسائق غير الأجير له مساره، والسائق الأجير له مساره، والسائق الهش غير القار له حقه في AMO تضامن، وكل محاولة لطمس هذه الفوارق ليست إصلاحًا بل إنتاج جديد للفوضى. وحده نظام فرز قانوني واضح، يربط الواجب بالوضعية الحقيقية، هو ما يمكن أن يعيد للمنظومة معناها، وللحماية الاجتماعية روحها، وللقانون هيبته.

تعليق واحد

comments user
بوسوري

أكثر من رائع

إرسال التعليق