رصد المغرب / عبد الفتاح الحيداوي
في أحياء مثل تابريكت وحي السلام بمدينة سلا، لا يبدو سؤال الفضاء العمومي مطروحا في وعي المنتخب بقدر ما يختزل في معادلة تقنية باردة، وهي تبليط، تعبيد، وبناء، رغم أن أكبر ميزانية تناقش على صعيد الجماعة، ويرصد لها أكبر مبلغ هي المساحات الخضراء وصيانتها. غير أن المدينة ليست مجرد كتل إسمنتية متراصة، بل كائن اجتماعي حي، يتنفس عبر حدائقه، ويستريح في ظلال أشجاره، ويتوازن في فضاءاته المفتوحة.
حين نقارن واقع هذه الأحياء بما نشاهده في مدن أوروبية، لا يتعلق الأمر فقط بفارق الإمكانيات، بل بفارق في الفهم. هناك، ينظر إلى الفضاء العمومي كحق جماعي، وكاستثمار طويل الأمد في الصحة النفسية والاجتماعية للمواطن. أما هنا، فيعامل الفضاء غالبا كاحتياطي عقاري، أو كمساحة يجب “تأهيلها” بالإسمنت بدل الطبيعة، وميزانية المناطق الخضراء وصيانتها تفسر غي أشياء مبهمة لا يستوعبها العقل السلاوي.
المفارقة الصارخة أن مدينة مثل سلا، التي تعرف نسبة مهمة من كبار السن، تكاد تخلو من فضاءات مهيأة لراحتهم، حيث لا مسارات آمنة للمشي، لا مقاعد مريحة داخل حدائق منظمة، ولا أماكن تجمع تحفظ كرامة الشيخوخة. وفي المقابل، يعيش الأطفال نقصا واضحا في فضاءات لعب آمنة وطبيعية، تنمي خيالهم بدل حصرهم بين الجدران.
الإشكال لا يكمن فقط في قلة الفضاءات، بل في غياب تصور متكامل لمعنى “الفضاء” نفسه. فالفضاء ليس أرضا فارغة تملأ، بل وظيفة اجتماعية ونفسية وثقافية. هو مكان للتلاقي، للتنفس، ولتعزيز الإحساس بالانتماء. وحين يختزل في التبليط، نفقد روحه، ونحول المدينة إلى فضاء طارد بدل أن يكون حاضنا.
خذ مثال الغابة القريبة من سجن سلا. فهي مساحة طبيعية كان يمكن أن تتحول إلى متنفس بيئي متكامل، بممرات منظمة، ومناطق جلوس، وألعاب للأطفال، وإنارة مناسبة. لكنها تركت في وضع بدائي، وكأنها خارج حسابات التدبير الحضري. في مدن مثل باريس أو برشلونة، تعتبر مثل هذه المساحات ثروة حضرية، تستثمر بعناية لتصبح قلبا نابضا للحياة اليومية، فما الفرق بينها وبين غابة السويسي؟ ايبقى السؤال الجوهري إذن هو هل يفتقر المنتخب المحلي إلى الإمكانيات، أم إلى الرؤية؟
الجواب، في كثير من الأحيان، يكمن في هيمنة ما يمكن تسميته بـ”العقل الإسمنتي”، وهو عقل يرى في البناء إنجازا ملموسا، وفي الإسمنت دليل عمل، بينما يعجز عن إدراك القيمة غير المرئية للفضاءات الخضراء، والتي هي الراحة، التوازن، الصحة، والانسجام الاجتماعي.
إن إعادة الاعتبار للفضاء العمومي في سلا ليست ترفا، بل ضرورة حضرية وإنسانية. تبدأ بإعادة ترتيب الأولويات، وتمر عبر إشراك الساكنة في تصور مدينتهم، وتنتهي بالقطع مع منطق التدبير القصير الأمد الذي يستهلك المجال بدل أن يطوره.
لقد أصبح واضحا أن الرهان الحقيقي ليس فقط على من يدبر، بل على كيف يفكر. وبين منتخب بعقل إسمنتي، وآخر برؤية إنسانية، يتحدد مصير المدينة، فإما فضاء للعيش، أو مجرد مكان للإقامة.
شارك المقال























Leave a Reply