عاجل

حين يغيب الرقم… يتكلم الفراغ

رصد المغرب/ مراد مجاهد 

في المدن التي تحترم نفسها، لا يقاس انتظام المرافق بحجم الشعارات، بل بمدى حضور القاعدة التي تضبطها، تلك القاعدة البسيطة التي لا يراها كثيرون لكنها التي تمنع الفوضى من أن تتحول إلى عادة، وفي فاس، حيث تتقاطع الطرق كما تتقاطع المصالح، يبدو أن مرفق النقل بواسطة سيارات الأجرة من الصنف الأول قد دخل منطقة رمادية لا تُدار بالنص ولا تُترك بالكامل للصدفة، بل تُساق بهدوء نحو شكل من أشكال “التسيب المؤطر”، حيث لا أحد يعلن الخروج عن القانون، لكن الجميع يتصرف كما لو أنه غير موجود.

البداية ليست اليوم، ولا حتى بالأمس القريب، بل تعود إلى تلك اللحظة التي توقفت فيها النصوص عن مواكبة الواقع، حين ظل قرار تنظيمي يعود إلى زمن آخر، بمرجعيته وأرقامه وسياقه، يُستدعى كلما دعت الحاجة إلى “مرجع”، لا لأنه صالح، بل لأنه الوحيد المتاح، وهنا تحديدًا يبدأ الخلل الصامت، لأن النص حين يفقد صلته بالواقع لا يُلغى فورًا، بل يتحول إلى غطاء شكلي، يختبئ تحته كل تأويل ممكن، وفي المقابل، حين جاءت لحظة التحيين الجزئي، وتم تنظيم خطوط جديدة داخل المجال الحضري، لم تُستكمل الحلقة، فبقيت المسارات موجودة بلا تعريفة، والهيكل قائمًا بلا روح اقتصادية تؤطره، وكأننا أمام قرار يرى نصف الطريق ويترك النصف الآخر مفتوحًا لكل من أراد أن يملأه وفق تقديره الخاص.

في هذا الفراغ تحديدًا، وُلدت “الاجتهادات”، لا بوصفها حلولًا، بل كبدائل مؤقتة سرعان ما تحولت إلى سلوك مستقر، حيث أصبح تحديد الثمن في بعض الحالات أقرب إلى تفاوض غير معلن، أو إلى عرف متغير، لا يستند إلى نص واضح، ولا يخضع لرقابة فعالة، وهنا لا يتعلق الأمر باتهام طرف دون آخر، بل بوصف وضع أصبح فيه المهني النزيه في حرج، لأنه ملزم بخدمة عمومية بلا مرجع يحميه، والمستهلك في وضع أضعف، لأنه يؤدي مقابل خدمة لا يعرف قاعدتها، وفي غياب هذه القاعدة، لا تعود المسألة مسألة دراهم معدودة، بل تتحول إلى خلل في ميزان الثقة، ذلك الميزان الذي إن اختل، يصعب ترميمه مهما صدرت بعد ذلك من قرارات.

ولأن الفراغ لا يبقى فارغًا، فقد بدأ يُملأ بخطاب موازٍ، يتحدث عن زيادات محتملة، أو مراجعات ضرورية، تُقدم أحيانًا في سياق تبريري يرتبط بارتفاع التكاليف، وهو معطى لا يمكن إنكاره، لكن الإشكال لا يكمن في مناقشة الكلفة، بل في الجهة التي تملك صلاحية تحويلها إلى ثمن، فبين الكلفة والتعريفة توجد سلطة تنظيم، وهذه السلطة حين تغيب أو تتأخر، لا تتوقف الحياة، بل تتكيف بطرق قد تبدو عملية في الظاهر، لكنها تحمل في عمقها بذور الفوضى، لأن تحويل القرار من مستوى المؤسسة إلى مستوى الأفراد، حتى وإن كان بحسن نية، يفتح الباب أمام تعدد القواعد بدل وحدة القاعدة.

في المقابل، لا يمكن إغفال عنصر آخر دخل على الخط في السنوات الأخيرة، وهو الدعم العمومي الإستثنائي الموجه للقطاع، والذي لم يكن في جوهره مجرد إجراء ظرفي، بل كان يحمل فلسفة واضحة، قوامها الحفاظ على توازن دقيق بين استمرارية المرفق وقدرة المواطن على التحمل، وهذا التوازن لا يتحقق بمجرد ضخ موارد مالية، بل بترجمتها إلى استقرار في الأسعار، أو على الأقل إلى وضوح في كيفية تحديدها، لذلك فإن أي حديث عن مراجعة الأثمنة خارج هذا الإطار، لا يطرح فقط إشكالًا قانونيًا، بل يثير سؤالًا أخلاقيًا حول الغاية من هذا الدعم، وهل ما زال يؤدي الوظيفة التي وُضع من أجلها أم أنه أصبح مجرد رقم في معادلة لا يراها المستهلك في واقعه اليومي.

ومن زاوية أخرى، فإن أبسط حق يمكن أن يُطالب به المرتفق في مرفق عمومي هو أن يعرف مسبقًا مقابل الخدمة التي سيستفيد منها، وهذا ليس ترفًا ولا مطلبًا فئويًا، بل مبدأ مؤطر قانونًا، يندرج ضمن ما يمكن تسميته بالأمن التعاقدي، حيث لا يُترك الطرف الأضعف في العلاقة، وهو هنا المستهلك، في حالة تخمين أو تفاوض، بل يُمكَّن من معطى واضح ومعلن، وحين يغيب هذا المعطى، لا يصبح الخلاف استثناء، بل يتحول إلى جزء من التجربة اليومية، تتكرر صوره في المحطات، وعلى جنبات الطرق، وفي لحظات الصعود والنزول، حيث تختلط الخدمة بالنقاش، والحق بالتأويل.

كل هذا لا يقود بالضرورة إلى خطاب تصعيدي، ولا إلى البحث عن خصم، بل إلى إعادة طرح سؤال بسيط في ظاهره، عميق في أثره: من يحدد التعريفة؟ وحين نطرح هذا السؤال، فإننا لا نطلب جوابًا نظريًا، لأن الجواب موجود في النصوص، بل نبحث عن حضوره الفعلي في الواقع، عن ذلك الجسر الذي ينبغي أن يربط القرار بالإشهار، والتنظيم بالتطبيق، والسلطة بالمرفق، لأن قوة القرار لا تُقاس بتاريخ صدوره، بل بقدرته على أن يكون مرئيًا ومفهومًا ومحترمًا في تفاصيل الحياة اليومية.

ولعل ما يجعل اللحظة الحالية دقيقة هو أنها تقف عند تقاطع مسارين، مسار إداري بدأ يلتقط الإشارة من الداخل، عبر وعي بوجود اختلال يحتاج إلى تصحيح، ومسار مدني بدأ يعبّر عن انشغال مشروع بحماية المستهلك وحقه في الشفافية، وهذان المساران، إن التقيا في نقطة واحدة، لا يصنعان أزمة، بل يفتحان أفقًا لإعادة التوازن، شريطة أن يُترجم ذلك إلى فعل واضح، عنوانه تحيين القاعدة بدل التعايش مع فراغها، وإشهار التعريفة بدل تركها حبيسة الملفات، لأن أخطر ما يمكن أن يصيب أي قرار تنظيمي هو أن يتحول إلى نص صامت، موجود في الأرشيف، غائب في الواقع.

في النهاية، لا يتعلق الأمر بصراع بين طرفين، ولا برغبة في فرض رؤية أحادية، بل بمحاولة إعادة الأمور إلى بساطتها الأولى: خدمة عمومية تحتاج إلى قاعدة واضحة، مهني يحتاج إلى مرجع يحميه، ومستهلك يحتاج إلى معلومة تحصّنه، وبين هذه العناصر الثلاثة تقف الإدارة، لا كطرف، بل كضامن للتوازن، وحين تقوم بدورها في هذا الإطار، لا تُرضي أحدًا على حساب أحد، بل تعيد لكل شيء مكانه الطبيعي، وتُغلق الباب أمام الفراغ، لأن الفراغ، كما علمتنا التجارب، لا يبقى حياديًا طويلًا، بل سرعان ما يتحول إلى سلطة غير مرئية، تتكلم باسم الجميع، دون أن يُحاسبها أحد.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *