رصد المغرب / عبدالكبير بلفساحي
اليوم بات القريب والبعيد يدرك أننا لا نعيش حربا تقليدية، بل نمر بمرحلة إعادة تشكيل واسعة لموازين هذا العالم. لم يكن أحد يتخيل أن نصل إلى لحظة يخرج فيها رئيس البيت الأبيض دونالد ترامب لا ليتحدث بلغة الدبلوماسية، بل ليهاجم حلفاءه بأسلوب صادم يخلو من الأعراف السياسية. وفي المقابل، تبرز جبهة اليمن التي حاولت قوى كثيرة إخمادها لسنوات، لتتحول إلى لاعب حاسم يطلق صواريخه نحو النقب ويعيد رسم قواعد الصراع.
في هذا السياق، جاء خطاب ترامب في ميامي كحدث مفصلي. ففي مؤتمر تدعمه أموال سعودية، وقف متحدثا بلهجة متعالية، مقللا من شأن شخصيات حاضرة، ومختزلا علاقاته في المال والنفوذ. لم يكتف بذلك، بل وجه كلمات جارحة لحلفائه، مشيرا إلى أنهم عادوا إليه طلبا للحماية بعد أن انتقدوه سابقا، مدعيا أنه أنقذهم من تهديدات كبرى. وهنا يبرز التساؤل، وهو هل ما يقدمه هو حماية حقيقية؟ أم مجرد ابتزاز سياسي علني؟
الأخطر من ذلك، أنه وضع دول الخليج في قلب المواجهة، معلنا أنهم شركاء في المعركة، لا مجرد داعمين لوجستيا. هذا التصريح يفتح الباب أمام مخاطر مباشرة على أمن تلك الدول، خاصة مع تصاعد التهديدات الإقليمية.
وفي المقابل، جاء التطور من الجنوب، حيث أعلنت القوات اليمنية تنفيذ عمليات صاروخية باتجاه جنوب فلسطين، في تصعيد يظهر أن الحرب دخلت مرحلة جديدة. ولم يعد الأمر مقتصرا على الضربات، بل امتد إلى التهديد باستخدام ورقة باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم. وإذا ما أغلق هذا المضيق بالتزامن مع اضطرابات مضيق هرمز، فإن الاقتصاد العالمي سيواجه شللا حقيقيا، مع ارتفاع حاد في أسعار النفط وتداعيات واسعة على التجارة الدولية.
وأما داخليا، فلا يبدو أن ترامب يحظى بإجماع داخل بلاده. فقد شهدت الولايات المتحدة موجة احتجاجات واسعة، حيث خرج الملايين في مظاهرات ترفض ما يرونه نزعة استبدادية في الحكم، رافعين شعار “لا للملوك”. ومع ارتفاع الأسعار وتزايد الضغوط الاقتصادية، بدأ المواطن الأمريكي يشعر بثقل هذه السياسات، خصوصا مع إرسال الجنود إلى مناطق صراع دون أهداف واضحة.
هذا الانقسام الداخلي يتزامن مع تصعيد عسكري خطير، حيث تشير تقارير إلى استهداف قواعد عسكرية أمريكية في المنطقة، ما أدى إلى إصابات وخسائر في المعدات، في مؤشر على أن تلك القواعد لم تعد آمنة كما كانت.
واقتصاديا، يقف العالم على حافة أزمة كبرى. أسعار النفط ترتفع بشكل مقلق، مع توقعات بوصولها إلى مستويات غير مسبوقة إذا استمرت التوترات، خاصة في حال تعطل الإمدادات من الممرات الحيوية.
في خضم كل ذلك، يبدو أن الدبلوماسية تتراجع أمام لغة القوة. فبينما تسعى بعض الأطراف لإيجاد مخرج سياسي، تتسارع الأحداث على الأرض بشكل يجعل الحلول السلمية أكثر صعوبة.
نحن إذا أمام مشهد معقد وخطير، فهناك تصعيد عسكري، وتوتر اقتصادي، وانقسام سياسي داخلي في القوى الكبرى. إنها لحظة تاريخية قد تعيد رسم ملامح العالم، لكن ثمنها قد يكون باهظا على الشعوب التي تجد نفسها عالقة بين صراعات الكبار.
شارك المقال























Leave a Reply