رصد المغرب / عبدالكبير بلفساحي
لم يعد النقاش السياسي كما كان في السابق مجالا لتبادل الرؤى والأفكار، ولا فضاءا يعكس نضج الفاعلين السياسيين وقدرتهم على الإقناع بالحجة والمنطق. بل تحول، في كثير من الأحيان، إلى ساحة للتراشق اللفظي واستعراض الخطاب الشعبوي، حيث تغيب أدبيات الحوار وتحضر لغة التبخيس والاستهزاء.
إن المتتبع للشأن العام يلاحظ بوضوح تراجع مستوى الخطاب السياسي، سواء داخل المؤسسات أو عبر المنابر الإعلامية. فبدل أن يكون النقاش مبنيا على الاختلاف المشروع وتقديم البدائل الواقعية، أصبح في أحيان كثيرة مجرد تبادل للاتهامات أو محاولة تسجيل نقاط آنية على حساب جودة النقاش وعمقه. وهو ما يطرح تساؤلات حقيقية حول تكوين بعض الفاعلين السياسيين، ومدى استعدادهم لتحمل مسؤولية التأطير والتواصل مع المواطنين.
الأمر لا يقف عند حدود ضعف الخطاب، بل يتعداه إلى غياب الجرأة السياسية في مواجهة الرأي العام. فحين يعجز مسؤول حكومي عن الحضور في برنامج إعلامي مباشر، ويفضل إرسال ممثل يفتقر إلى الخبرة والتكوين، فإن ذلك يبعث برسائل سلبية حول مستوى الشفافية والاستعداد للمساءلة. كما يعكس نوعا من التهرب من النقاش العمومي، الذي يفترض أن يكون ركيزة أساسية في أي ممارسة ديمقراطية.
وفي مقابل ذلك، نجد أن بعض الوجوه السياسية، رغم تجربتها الطويلة، لم تعد قادرة على مجاراة متطلبات النقاش الراهن، سواء من حيث الأسلوب أو المضمون. وهو ما يجعل الحوار السياسي يدور في حلقة مفرغة، حيث يلتقي ضعف التكوين مع تآكل الخبرة، لينتج خطابا لا يرقى إلى انتظارات المواطنين.
إن ما نعيشه اليوم ليس مجرد أزمة تواصل، بل هو تعبير عن خلل أعمق في الثقافة السياسية، حيث لم تعد قيم الاحترام والإنصات والتدرج في عرض الأفكار تحظى بالأولوية. وفي ظل هذا الوضع، يصبح من الضروري إعادة الاعتبار لأدبيات النقاش، عبر تأهيل الفاعلين السياسيين، وتعزيز دور الإعلام في فرض معايير الجودة، وتشجيع المواطن على التمييز بين الخطاب الجاد والخطاب الشعبوي.
خلاصة، لا يمكن لأي مشروع ديمقراطي أن ينجح دون نقاش عمومي مسؤول، يحترم ذكاء المواطنين ويعكس وعي الفاعلين. فالحوار ليس مجرد تبادل للكلمات، بل هو مرآة لمدى نضج المجتمع وقدرته على بناء مستقبل مشترك.
شارك المقال























Leave a Reply