سقف الإصلاح السياسي بالمغرب بين الطموح والواقع من امتصاص الغضب (2011) إلى إنهاء الإصلاح (2021) الحلقة الثانية

رصد المغرب /عبد المولى المروري 

لم يشكل دستور 2011 قطيعة حقيقية مع منطق وأسلوب تدبير الإصلاح السياسي بالمغرب، بقدر ما مثّل إعادة ترتيب ذكي للسقف الذي يُسمح له بالحركة داخله، بعد أن حصل على شبه «إجماع وطني» ضم الفاعلين السياسيين والشعب. فمنذ تلك اللحظة، لم يعد السؤال المطروح هو: هل هناك إصلاح؟ بل ما هو السقف الذي يجب ألا يتجاوزه الإصلاح، وبأي وظيفة سياسية يكون ذلك؟

ويُظهر تتبع حكومات ما بعد 2011 أن «الإصلاح السياسي» الذي يحمله الدستور لم يتقدم في اتجاه إعادة توزيع السلطة أو تعزيز المحاسبة، بل دخل مسارًا تنازليًا انتهى عمليًا بإغلاق أفقه، وتحويل الحكومة – بمضمون الدستور لا بمنطوقه – من فاعل إصلاحي مفترض إلى أداة لضبط المجتمع وتنزيل سياسات تُتخذ خارجها (أي خارج الحكومة).

أولًا: حكومات ما بعد دستور 2011 وحقيقة وظيفة الحكومة

1 حكومة عبد الإله ابن كيران (2011–2016)، من امتصاص الغضب إلى تحييد السياسة:

شكّلت حكومة عبد الإله ابن كيران المرحلة الأولى في تنزيل دستور 2011، ويمكن توصيفها بكونها مرحلة امتصاص الغضب الشعبي الناتج عن حركة 20 فبراير أكثر من كونها مرحلة التنزيل الفعلي للدستور، أو إصلاح سياسي بنيوي.

ويمكن تقسيم ولاية حكومة ابن كيران إلى ثلاث مراحل كبري:

المرحلة 1 – مرحلة امتصاص الغضب (2011–2013)

في بدايتها، أدّت الحكومة وظيفة سياسية مزدوجة تتمثل في إعادة قدر محدود من الثقة في المؤسسات عبر خطاب مباشر وشعبوي (كما يصفه بعض المحللين)، واحتواء الاحتقان الاجتماعي دون تغيير قواعد السلطة أو مراكز القرار.

حيث شكّلت هذه المرحلة لحظة سياسية استثنائية في تاريخ المغرب الحديث، ليس لأنها دشّنت انتقالًا ديمقراطيًا فعليًا، بل لأنها أدّت وظيفة سياسية دقيقة تمثّلت في امتصاص الغضب الشعبي الناتج عن حركة 20 فبراير، وإعادة إدماج الشارع المحتج داخل النسق المؤسساتي، دون تعديل جوهري في بنية السلطة أو منطق وشكل اتخاذ القرار.

1. توقف حركة 20 فبراير، من الشارع إلى المؤسسات:

بعد انتخابات نونبر 2011 وتعيين ابن كيران رئيسًا للحكومة، بدأ الزخم الاحتجاجي لحركة 20 فبراير في التراجع التدريجي، إلى أن توقفت عمليًا خلال سنة 2012. هذا التوقف لم يكن نتيجة تحقيق مطالب الحركة، بل نتيجة تحويل جزء مهم من الأمل الاحتجاجي إلى رهان انتخابي–حكومي.

فقد تم تقديم الحكومة الجديدة بوصفها ثمرة “إرادة شعبية”، وتسويق فكرة أن التغيير أصبح ممكنًا من داخل المؤسسات، واعتُبر استمرار الاحتجاج بمثابة تشويش على “التجربة الديمقراطية الوليدة”. وهكذا، تحقّق الهدف المركزي وذلك بتفريغ الشارع دون تفكيك منطق وأسلوب السلطة.

2. الخطاب الشعبوي التواصلي – السياسة بالكلام لا بالقرار:

لعب عبد الإله ابن كيران، خلال هذه المرحلة، دورًا محوريًا بفضل قدرته التواصلية العالية، التي مكّنته من احتلال الفضاء العمومي، وإعادة توجيه النقاش السياسي من سؤال السلطة إلى سؤال الخطاب.

فقد تميّزت خرجاته الإعلامية آنذاك بلغة مباشرة وبسيطة، وقريبة جدا من المزاج الشعبي، بل ومنسجمة معه إلى حد بعيد، كما تميزت باستعمال النكتة والسخرية لتخفيف الاحتقان، وتقديم نفسه في صورة “رئيس حكومة صادق لكنه محاصر”، ثم نقل الصراع من كونه سياسيًا بنيويًا إلى كونه أخلاقيًا وشخصيًا.

وبهذا المعنى، لم تكن تلك الخرجات مجرد تواصل، بل أداة حكم ناعمة لامتصاص الغضب، وتحويله إلى تعاطف وانتظار.

3. البرلمان كفضاء للتنفيس السياسي:

عرفت هذه المرحلة ارتفاعًا غير مسبوق في منسوب المتابعة الإعلامية للجلسات البرلمانية، خصوصًا بسبب مداخلات رئيس الحكومة، حيث تحوّل البرلمان إلى فضاء للخطابة أكثر منه مؤسسة للتشريع والرقابة، ومنصة للتنفيس عن الغضب الشعبي بالكلمات بدل القرارات، ومسرح لإظهار “الجرأة الكلامية” دون ترجمتها إلى سلطة فعلية.

وقد ساهم ذلك في صناعة وهم سياسي مفاده أن «حرية الكلام» هو تعويض عن «ضعف القرار»، وأن الصدام اللفظي يغني عن الصراع المؤسساتي الحقيقي.

4. تدبير القرارات غير الشعبية، مثال الزيادة في المحروقات:

من أبرز مؤشرات وظيفة الامتصاص في هذه المرحلة، طريقة تدبير الحكومة لأولى القرارات ذات الكلفة الاجتماعية، وعلى رأسها الزيادة في أسعار المحروقات.

فقد تم تمرير زيادات تدريجية (منها الزيادة بحوالي درهمين)، وقد كان تسويق القرار بخطاب أخلاقي واقتصادي، نُقل على القناتين المغربيتين معا، يحمّل المسؤولية للحكومات السابقة، وإقناع شريحة واسعة من المواطنين بضرورة “التضحية” باسم إنقاذ المالية العمومية.

وهنا يظهر بوضوح بداية انتقال الحكومة من أداة أمل سياسي إلى «وسيط نفسي» بين الدولة والمجتمع، يشرح القرارات بدل التفاوض حولها، ويبررها بدل مراجعتها.

5. حصيلة المرحلة – نجاح سياسي بلا إصلاح بنيوي:

يمكن القول إن المرحلة الأولى من حكومة ابن كيران نجحت في امتصاص الغضب الشعبي، وإعادة الثقة الشكلية في المؤسسات، وتفكيك الزخم الاحتجاجي، والمساهمة في إحداث استقرار سياسي مؤقت. لكنها – في نظري – فشلت، أو لم تكن لها رغبة أصلًا، في رفع سقف الإصلاح السياسي، وإعادة توزيع السلطة، وتحويل «الشرعية الانتخابية» التي منحها لها الشعب إلى «سلطة تقريرية» تترجم بها وعودها الانتخابية وتطبق برنامجها الحكومي.

وبذلك، أدّت الحكومة وظيفتها التاريخية الأولى المتمثلة في الاحتواء لا التحول، والتهدئة لا الإصلاح، وهو ما مهّد لاحقًا للمرحلة الموالية، حيث أصبح هذا الدور وهذا الأسلوب نفسه – على بساطته وشكليته – مصدر إزعاج وتوجس لمراكز القرار.

مع مرور الوقت، برز توتر بنيوي بين الحكومة ومراكز القرار (الدولة)، بعدما فشل سابقا ما عُرف سياسيًا وإعلاميًا ب G8 كآلية ضغط وضبط سياسية قبل انتخابات 2011؛ فترجم هذا التوتر بخروج حزب الاستقلال من الحكومة؛ ثم إعادة تشكيل الأغلبية بدخول التجمع الوطني للأحرار.

وللاشارة فقط، فظهور “G8” في أكتوبر 2011، كتحالف ضغط وتوازن ضمّ أحزابًا لا يجمعها لا برنامج سياسي ولا تصور إيديولوجي باستثناء العداء لحزب العدالة والتنمية، من بينها حزب الاستقلال والتجمع الوطني للأحرار، كان عملية استباقية فاشلة أشرفت عليها الدولة للوقوف أمام زحف وقوة حزب العدالة والتنمية، هذا الأخير الذي عرف كيف يستفيد من احتجاجات حركة 20 فبراير رغم أن ابن كيران كان ضدها، ووظف آنذاك السخط الشعبي ضد رموز الاستبداد بطريقة ذكية بوأته فوزا ساحقا في هذه الانتخابات..

هذا التوتر لم يكن شخصيًا أو ظرفيًا، بل بنيويًا، ويمكن تفصيله في أربعة مستويات مترابطة:

– مستوى الخطاب السياسي: ابن كيران أدخل إلى رئاسة الحكومة خطابًا مباشرًا وغير تقني، ولغة شعبية بسيطة كسرت الأعراف المخزنية في التواصل، ونزع إلى تسمية بعض الاختلالات، ولو بحدود.

كما أعاد هذا الخطاب السياسة إلى المجال العام، وأربك منطق “التدبير الهادئ دون ضجيج”، وجعل الحكومة مرئية ومكشوفة وقريبة من المواطنين أكثر مما ينبغي في تصور الدولة وأعرافها وتقاليدها.

– مستوى الشرعية الانتخابية، حيث كانت حكومة ابن كيران أول حكومة تُقدَّم باعتبارها ثمرة مباشرة لحراك شعبي، وتحظى بشرعية انتخابية وشعبية غير مسبوقة نسبيًا. وهذا النوع من الشرعية يقيّد هامش التحكم غير المرئي التي اعتادت الدولة على ممارسته مع كل الحكومات السابقة، وينتج نوعًا من الندية الرمزية غير المرغوب فيها حتى وإن لم تُترجم إلى سلطة فعلية.

– مستوى العلاقة مع المؤسسات الرسمية غير المنتخبة، والتي أظهر ابن كيران في أكثر من مناسبة ارتباكًا في فهم حدود تدخله، أو ميلًا إلى توسيع هامش الحكومة «خطابيًا» دون امتلاك أدوات فرض ذلك عمليًا، وهو ما جعل وجوده غير مريح، لا هو رئيس حكومة تقني منزوع السياسة، ولا هو فاعل قادر على فرض تحول سياسي مؤسساتي.

– مستوى الخوف من السوابق، ذلك أن الدولة لا تشتغل فقط بمنطق اللحظة، بل بمنطق السوابق. وكان التخوف الأساسي يظهر في الأسئلة التالية:

ماذا لو تحوّل هذا النموذج إلى قاعدة؟

ماذا لو ترسّخ وعي شعبي بأن الحكومة لها إمكانية أن تصبح فاعلًا سياسيًا حقيقيًا، وصاحب قرار وسلطة؟ ألن يقوض هذا نفوذ الدولة ويحد من سلطويتها وتغولها؟

لذلك اتخذت الدولة من التدابير الاستباقية ما يجعل الحكومة في وضع مرتبك وغير مستقر قبل أن تحقق شرعية سياسية تنضاف إلى شرعيتها الانتخابية.. فكانت المرحلة التالية..

المرحلة 2 – مرحلة انسحاب حزب الاستقلال (ماي 2013)، الانسحاب الوظيفي وحدود المعارضة من داخل النسق:

شكّل انسحاب حزب الاستقلال من حكومة عبد الإله ابن كيران في ماي 2013 لحظة سياسية مفصلية، ليس فقط لأنه أنهى الصيغة الأولى للأغلبية الحكومية، بل لأنه كشف بوضوح حدود الفعل الحزبي، وحدود المعارضة الممكنة من داخل النسق السياسي المغربي بعد دستور 2011.

فمن حيث الشكل، قدّم الحزب انسحابه باعتباره موقفًا سياسيًا احتجاجيًا على طريقة تدبير الحكومة، وعلى ما اعتبره اختلالات اقتصادية واجتماعية، وضعفًا في الانسجام الحكومي، وتفردًا في القرار. غير أن ما يلفت الانتباه في هذا الانسحاب ليس أسبابه المعلنة وغير المقنعة فحسب، بل سقفه السياسي، وطريقة ممارسته، والجهة التي وُجّه إليها.

إذ لم يتحول الانسحاب إلى مواجهة سياسية مع منطق الحكم، ولا إلى مساءلة لبنية القرار أو حدود صلاحيات رئاسة الحكومة، ولا إلى نقاش علني حول تأويل دستور 2011 أو اختلال مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. بل بقي نقد الحزب محصورًا في مستوى التدبير الحكومي، وأداء رئيس الحكومة، والاختيارات الاقتصادية، أي داخل الهامش الذي يسمح به النسق دون المساس بمراكزه الأساسية.. وبالتالي إن الصراع بين الحزبين أو «الزعيمين» لم يكن صراعا سياسيا، بل مهمة وظيفية أُسندت خلال هذه المرحلة لحميد شباط لأسباب ستتضح أكثر بعد تعويض الاستقلال بالأحرار (المرحلة 3).

الأكثر دلالة في هذا السياق هو الرسالة التي وجّهها حزب الاستقلال إلى الملك، والتي أعادت – بشكل صريح – مركز التحكيم السياسي إلى خارج المؤسسات المنتخبة. فبدل تحويل الخلاف إلى صراع سياسي مؤسساتي داخل البرلمان أو أمام الرأي العام، تمّ اللجوء إلى المرجعية الملكية بوصفها سلطة فوق النزاع الحزبي، وهو ما يعكس من جديد طبيعة العلاقة بين الأحزاب والدولة، وحدود استقلالية الفعل الحزبي حتى في لحظة “الخروج” من الحكومة.

بهذا المعنى، لم يكن انسحاب حزب الاستقلال خروجًا من النسق، بقدر ما كان عودة واعية إلى مركزه؛ ولم يكن تحديًا لسقف الإصلاح، بل تأكيدًا على انخفاضه. فقد انتهى هذا الانسحاب، لا إلى إرباك الدولة أو توسيع هامش السياسة، بل إلى إعادة هندسة الأغلبية الحكومية بطريقة أكثر انسجامًا مع منطق “الحكومة المنفّذة”، وتقليص الهامش السياسي لرئاسة الحكومة.

كما تكشف هذه الواقعة أن حتى فعل الانسحاب، الذي يُفترض فيه أن يكون لحظة تصعيد سياسي، يخضع بدوره لسقف غير مكتوب، يُحدّد ما يجوز قوله، وما لا يجوز طرحه، وما يمكن تحويله إلى صراع، وما يجب إعادته إلى منطق التحكيم والاستقرار.

فلقد كان الهدف من هذه المناورة ممارسة ضغط سياسي على حكومة ابن كيران، وتعطيل مبادراتها داخل البرلمان وخارجه، ثم إعادة ضبط ميزان القوى خارج منطق الأغلبية/المعارضة الكلاسيكية.. لذلك لم يكن هذا الصراع حول توسيع سقف الإصلاح، بل حول ضبط الحكومة داخل الحدود المرسومة لها.

كما لم يكن هذا التوتر صراعًا حول الإصلاح السياسي، بل صراعًا حول الوظيفة الفعلية للحكومة نفسها: هل يجب أن تكون فاعلًا سياسيًا منبثقًا عن الإرادة الشعبية، أم مجرد أداة لتنزيل اختيارات تُحدَّد خارجها؟ وقد انتهى هذا الصراع لصالح الخيار الثاني للأسف الشديد..

وعليه، فإن انسحاب حزب الاستقلال لم يكن لحظة كسر في مسار حكومة ابن كيران، بل حلقة ضمن عملية أوسع لإعادة ضبطها، والانتقال بها من مرحلة الاحتواء السياسي إلى مرحلة التحجيم الوظيفي، وبتعبير أدق، النسق السياسي يعيد ضبط الفاعلين مهما اختلفت مواقعهم، ويحوّل حتى الانسحاب من التحالف الحكومي إلى أداة استقرار سياسية تمهيدًا لتحييد السياسة نفسها في ما سيأتي لاحقًا.

Share this content:

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *