سيناريوهات الصراع بين الحكومة الفيدرالية الصومالية وحركة الشباب المجاهدين (2026-2028)

رصد المغرب / عبدالفتاح الحيداوي


مقدمة
منذ عام 2007، استطاعت حركة الشباب المجاهدين المرتبطة بتنظيم القاعدة الحفاظ على وجودها كفاعل سياسي وعسكري موازٍ للدولة، مستغلة الفراغات الأمنية والانقسامات السياسية. ومع حلول عام 2026، يواجه الصومال منعطفا تاريخيا يتمثل في إعادة هيكلة الدعم الدولي وتزايد الاعتماد على القوات الوطنية، مما يطرح تساؤلات ملحة حول مستقبل التوازن العسكري والسياسي.

أولا: البيئة الاستراتيجية للصراع في الصومال

تشكل البيئة الاستراتيجية للصراع في الصومال واحدة من أكثر البيئات تعقيدا في إفريقيا المعاصرة، حيث تتداخل فيها عوامل تاريخية وسياسية واقتصادية واجتماعية تجعل من مسار الاستقرار مسألة شديدة الصعوبة. فمنذ انهيار الدولة المركزية عام 1991 بعد سقوط نظام Siad Barre، دخلت البلاد في حالة من الفراغ المؤسسي الطويل الذي أعاق بناء دولة حديثة قادرة على احتكار العنف المشروع وإدارة المجال السياسي والاقتصادي. وعلى الرغم من الجهود التي بذلت لاحقا لإعادة بناء المؤسسات، خصوصا مع تشكيل الحكومة الفيدرالية ودعم المجتمع الدولي، فإن الدولة الصومالية ما تزال تعاني من أزمة مزدوجة تتمثل في ضعف الشرعية السياسية وهشاشة المؤسسات الإدارية والأمنية. وفي قلب هذه الأزمة يقف العامل العشائري الذي يشكل البنية العميقة للمجتمع الصومالي، حيث يقوم النظام السياسي الحالي على صيغة تقاسم السلطة المعروفة بمعادلة (4.5)، وهي صيغة تمنح أربع عشائر رئيسية حصصا متساوية في السلطة، مع منح نصف حصة لمجموع العشائر الصغرى. ورغم أن هذه المعادلة وفرت حدا أدنى من التوازن ومنعت احتكار السلطة من طرف قبيلة واحدة، فإنها في الوقت نفسه كرست منطق المحاصصة العشائرية داخل مؤسسات الدولة، الأمر الذي أضعف بناء هوية وطنية جامعة، وجعل الولاءات العشائرية تتقدم في كثير من الأحيان على الولاء للدولة. وقد انعكس ذلك بشكل واضح على بنية الجيش والأجهزة الأمنية، حيث تعاني هذه المؤسسات من الانقسامات الداخلية واختراقات الولاءات المحلية، ما يقلل من قدرتها على خوض حرب طويلة الأمد ضد الجماعات المسلحة.

وفي ظل هذا السياق المؤسسي الهش، تتفاقم التوترات بين الحكومة الفيدرالية في Mogadishu والولايات الإقليمية التي تتمتع بدرجة من الحكم الذاتي، مثل Jubaland وPuntland. فهذه الكيانات الإقليمية تسعى إلى تعزيز نفوذها السياسي والاقتصادي، وغالبا ما تدخل في خلافات مع الحكومة المركزية حول قضايا حساسة مثل تقاسم الموارد، وإدارة الموانئ، وتنظيم الانتخابات، وتحديد صلاحيات السلطة الفيدرالية. وتتحول هذه الخلافات إلى نقاط ضعف بنيوية داخل النظام السياسي الصومالي، إذ تستفيد منها الحركات المسلحة، وعلى رأسها حركة الشباب، لإعادة التموضع وتوسيع نفوذها في المناطق المتنازع عليها أو المهمشة. فعندما تنشغل النخب السياسية بالصراع على السلطة، تتراجع الأولوية الأمنية، مما يخلق فراغات تستغلها الحركة لإعادة تنظيم صفوفها أو تنفيذ هجمات نوعية ضد مؤسسات الدولة.

ومن العوامل التي تفسر قدرة الحركة على الاستمرار رغم الضربات العسكرية المتكررة هو امتلاكها اقتصادا سياسيا متماسكا يمكنها من تمويل عملياتها بصورة مستقلة نسبيا عن الدعم الخارجي. فقد طورت الحركة ما يشبه (اقتصاد دولة ظل) يعمل بالتوازي مع مؤسسات الدولة الرسمية، بل ويتغلغل أحيانا داخل المناطق التي يفترض أنها تحت سيطرة الحكومة. ويعتمد هذا الاقتصاد على شبكة واسعة من الجبايات والضرائب غير الرسمية التي تفرضها الحركة على الأنشطة الاقتصادية المختلفة. وتشمل هذه الجبايات ما تسميه الحركة (الزكاة) على المزارعين والرعاة، إضافة إلى إتاوات على التجار والشركات المحلية، ورسوم عبور على الشاحنات والبضائع التي تمر عبر الطرق الحيوية. وتشير تقارير دولية إلى أن حجم الأموال التي تجمعها الحركة من هذه الأنشطة قد يصل في بعض الأحيان إلى مستويات تفوق ما تحصله الدولة نفسها من الضرائب في بعض المناطق، الأمر الذي يمنحها قدرة مالية مهمة تتيح لها دفع رواتب مقاتليها، وشراء السلاح، وتمويل عملياتها العسكرية والإعلامية.

ولا يقتصر نفوذ الحركة الاقتصادي على فرض الإتاوات، بل يمتد أيضا إلى التحكم في بعض مفاصل النشاط التجاري، خصوصاً في المناطق الريفية التي تعتمد على التجارة البرية ونقل السلع بين الأقاليم. ففي هذه المناطق، تفرض الحركة نظاما صارما للرسوم على الشاحنات التي تنقل البضائع، كما تفرض (تراخيص) على بعض الأنشطة التجارية، مما يجعل الكثير من التجار يفضلون التعامل معها لتجنب الخسائر أو المخاطر الأمنية. ومع مرور الوقت، أدى هذا النظام إلى خلق نوع من الاعتماد الاقتصادي المتبادل بين بعض الفاعلين المحليين والحركة، حيث يجد التجار أنفسهم مضطرين للتكيف مع قواعدها لضمان استمرار أعمالهم.

إلى جانب ذلك، استطاعت الحركة أن تعزز نفوذها الاجتماعي من خلال إنشاء منظومة قضائية موازية تعتمد على تفسيرها الخاص للشريعة الإسلامية. ففي ظل بطء النظام القضائي الرسمي وضعف قدرته على الوصول إلى المناطق الريفية، يلجأ كثير من الصوماليين إلى محاكم الحركة لحل النزاعات المتعلقة بالأراضي أو التجارة أو الخلافات العائلية. ورغم الطابع القسري لسلطة الحركة، فإن سرعة البت في القضايا وانخفاض التكاليف مقارنة بالمحاكم الحكومية يمنحان هذه المحاكم نوعا من القبول الاجتماعي البراغماتي. وهكذا لا تقوم الحركة فقط بدور جماعة مسلحة تقاتل الدولة، بل تحاول أن تقدم نفسها كبديل إداري وقضائي في المناطق التي تعاني من غياب الخدمات الحكومية، الأمر الذي يعزز قدرتها على البقاء والاستمرار.

إن تداخل هذه العوامل هشاشة الدولة، وتعقيدات النظام العشائري، والخلافات بين المركز والأقاليم، وامتلاك الحركة لاقتصاد ظل فعال يخلق بيئة استراتيجية مواتية لاستمرار الصراع في الصومال. ففي مثل هذه البيئة، لا يكفي التفوق العسكري وحده لحسم المواجهة، لأن جذور المشكلة تتعلق ببنية الدولة نفسها وبقدرتها على بناء شرعية سياسية ومؤسسات فعالة قادرة على تلبية احتياجات المجتمع. ولذلك فإن أي استراتيجية ناجحة لمواجهة التمرد المسلح في الصومال تحتاج إلى الجمع بين المعالجة الأمنية والإصلاح السياسي وبناء المؤسسات الاقتصادية والقضائية، بما يحد من الفراغات التي تستغلها الجماعات المسلحة لإعادة إنتاج نفوذها.

ثانيا: السيناريوهات المحتملة لمسار الصراع (2026-2028)

تشير المعطيات الميدانية والسياسية المتراكمة حتى مطلع عام 2026 إلى أن الصراع بين الحكومة الفيدرالية الصومالية وحركة الشباب يدخل طورا يمكن توصيفه في أدبيات الدراسات الاستراتيجية بحالة )التوازن غير المستقر في حروب التمرد(. ففي هذه المرحلة لا يعود الصراع محكوما بمنطق الحسم العسكري السريع، بل بمنطق إدارة الاستنزاف طويل الأمد، حيث يسعى كل طرف إلى تقويض قدرة خصمه على الاستمرار أكثر مما يسعى إلى تحقيق نصر نهائي مباشر. وقد أظهرت التطورات منذ عام 2022، عندما أطلقت الحكومة الصومالية بدعم من مليشيات عشائرية محلية عرفت باسم )معويسلي(وبمساندة دولية، أن الدولة قادرة على تحقيق اختراقات ميدانية محدودة واستعادة بعض المناطق في وسط البلاد. غير أن هذه المكاسب كشفت في الوقت ذاته حدود القدرة العسكرية للدولة عندما لا تكون مدعومة ببنية حكم فعالة قادرة على تثبيت السيطرة في المناطق المستعادة.

فقد أظهرت حركة الشباب خلال الأعوام اللاحقة قدرة تكيف تنظيمية عالية تعكس خصائص الحركات التمردية المرنة التي تعتمد على شبكات محلية متجذرة أكثر من اعتمادها على السيطرة الترابية المباشرة. وتشير التقارير الأمنية المتعلقة بعام 2025 إلى استمرار قدرة الحركة على تنفيذ عمليات معقدة في قلب البيئة الأمنية للعاصمة مقديشو ومحيطها، بما في ذلك الهجوم الذي استهدف موكب الرئيس الصومالي قرب القصر الرئاسي في مارس 2025، إضافة إلى هجمات على منشآت عسكرية وأمنية مثل أكاديمية )جعالي سياد( العسكرية ومراكز تجنيد للجيش. ويعكس هذا النمط العملياتي قدرة الحركة على الجمع بين حرب العصابات التقليدية والهجمات عالية الرمزية السياسية، بما يسمح لها بالحفاظ على حضورها كفاعل أمني مؤثر حتى في ظل الضربات العسكرية المتكررة.

في هذا الإطار، يبدو أن المسار الأكثر ترجيحا للصراع خلال الفترة الممتدة بين 2026 و2028 يتمثل في استمرار نمط الاستنزاف المتبادل، وهو نمط يتجسد في شكل تقسيم ميداني غير رسمي للسلطة. فالحكومة الصومالية، بدعم من الشركاء الدوليين وبعثة الاتحاد الإفريقي، تحافظ على سيطرتها على المدن الكبرى والموانئ والممرات الاقتصادية الاستراتيجية، وهي المناطق التي تتركز فيها مؤسسات الدولة والموارد الاقتصادية الأساسية. في المقابل، تواصل حركة الشباب ترسيخ حضورها في الأرياف والمناطق الزراعية وشبكات الطرق الثانوية، حيث تعتمد على منظومة من الإدارة غير الرسمية والجباية القسرية، بما يوفر لها مصادر تمويل مستقلة وقدرة على إعادة إنتاج قوتها التنظيمية. ويعكس هذا النمط من التوزيع المكاني للسلطة ما تصفه بعض الأدبيات الاستراتيجية بـ )الازدواجية السلطوية(، حيث تتعايش سلطة الدولة الرسمية مع سلطة موازية غير رسمية تفرض نفسها على قطاعات واسعة من المجال الاجتماعي.

وتزداد قابلية هذا السيناريو للاستمرار بفعل البيئة السياسية الداخلية في الصومال، التي ما تزال تتسم بدرجة عالية من الانقسام المؤسسي والعشائري. فالنظام الفيدرالي الصومالي، رغم أهميته في إدارة التوازنات المحلية، يخلق في الوقت نفسه توترات متكررة بين الحكومة المركزية والولايات الفيدرالية، وهو ما يحد من قدرة الدولة على بناء استراتيجية أمنية موحدة طويلة الأمد. كما أن البنية العشائرية للمجتمع الصومالي تظل عاملا مزدوج التأثير فهي توفر للحكومة في بعض المناطق قاعدة تعبئة محلية ضد الحركة، لكنها في مناطق أخرى قد تولد تنافسات داخلية تضعف تماسك الجبهة المناهضة لها. وتشير تقارير دولية إلى أن حركة الشباب نجحت مرارا في استثمار هذه الانقسامات من خلال توظيف علاقات عشائرية محلية أو استغلال التوترات بين السلطات الفيدرالية والإقليمية، وهو ما يسمح لها بالحفاظ على هامش مناورة استراتيجي حتى في ظل الضغوط العسكرية.

إضافة إلى ذلك، فإن قدرة الدولة على تثبيت سيطرتها في المناطق المستعادة ما تزال محدودة بسبب ضعف البنية المؤسسية والاقتصادية. ففي العديد من الحالات بقيت السيطرة الحكومية ذات طابع عسكري مؤقت لا يرافقه حضور إداري أو خدمي مستدام، الأمر الذي يخلق فراغا في الحكم يسمح للحركة بالعودة تدريجيا عبر شبكاتها المحلية. وقد ظهرت هذه الظاهرة بوضوح في بعض مناطق إقليمي شبيلي الوسطى وهيران، حيث تعرضت مواقع حكومية لهجمات مضادة أو تسلل تدريجي للحركة بعد انسحاب القوات أو ضعف الحضور الأمني المحلي. ويؤكد هذا النمط أن الصراع في الصومال لا يتعلق فقط بالسيطرة العسكرية على الأرض، بل بقدرة الدولة على إنتاج نظام حكم قادر على توفير الأمن والخدمات في المناطق الريفية التي ظلت تاريخيا خارج نطاق الدولة.
ورغم ترجيح سيناريو الاستنزاف المتبادل، فإن احتمال الانهيار التدريجي لحركة الشباب يظل قائما إذا تمكنت الحكومة الصومالية من تحويل العمليات العسكرية الجارية إلى استراتيجية شاملة متعددة الأبعاد. ويتطلب ذلك، في المقام الأول، بناء تحالف عشائري واسع ومستقر ضد الحركة، بحيث يتحول الرفض الاجتماعي المحلي إلى عامل ضغط مستمر يحد من قدرتها على الحركة والتجنيد. كما يتطلب الأمر العمل بشكل منهجي على تجفيف مصادر تمويل الحركة، ولا سيما شبكات الضرائب غير الرسمية والتهريب التي تشكل العمود الفقري لاقتصادها التنظيمي. أما العنصر الثالث فيتمثل في تعزيز الحضور الحكومي في المناطق المحررة من خلال مؤسسات الأمن المحلي والخدمات الأساسية، بما يمنع نشوء فراغات سلطوية يمكن للحركة استغلالها للعودة مجددا. وتظهر التجارب السابقة في الصومال أن الحركة تصبح أكثر عرضة للتراجع عندما تواجه مزيجا من الرفض العشائري الواسع والدعم العسكري الفعال للدولة، غير أن تحقيق هذا السيناريو يبقى مشروطا باستمرار الدعم الدولي الجوي واللوجستي وبقدرة الحكومة على إدارة المناطق المستعادة بكفاءة.

في المقابل، يبقى سيناريو التوسع الاستراتيجي لحركة الشباب أقل احتمالا في المدى القريب، لكنه يظل احتمالا قائما في حال حدوث صدمات سياسية أو أمنية كبيرة داخل الدولة الصومالية. فاحتمال تدهور العلاقة بين الحكومة الفيدرالية والولايات الإقليمية، أو حدوث تراجع حاد في الدعم الدولي، أو تفاقم الأزمة الإنسانية والاقتصادية، قد يخلق بيئة مواتية للحركة لتعزيز نفوذها. وتشير المؤشرات الإنسانية إلى أن ملايين الصوماليين يواجهون مخاطر الجوع والنزوح نتيجة الجفاف وارتفاع الأسعار، وهي ظروف يمكن للحركة استغلالها لتوسيع شبكات التجنيد وتعزيز حضورها في المناطق الريفية. وفي مثل هذا السياق قد تتمكن من استعادة بعض المدن الثانوية أو تهديد خطوط الإمداد المؤدية إلى مقديشو، وهو ما قد يعيد الصراع إلى مرحلة أكثر حدة.

وعليه، فإن الاتجاه العام للصراع خلال السنوات القليلة المقبلة يشير إلى استمرار حالة من التوازن القلق بين طرفين يمتلك كل منهما مصادر قوة مختلفة. فالحكومة الصومالية تستند إلى الشرعية الدولية وإلى دعم عسكري ولوجستي خارجي، إضافة إلى سيطرتها على المراكز الحضرية والموارد الاقتصادية الأساسية. في المقابل، تعتمد حركة الشباب على مرونة تنظيمية عالية وشبكات اجتماعية محلية وقدرة على تمويل نفسها عبر اقتصاد ظل متجذر في المناطق الريفية. ومن ثم فإن مستقبل الصراع لن يتحدد فقط في موازين القوة العسكرية، بل في قدرة الدولة الصومالية على التحول من كيان يركز جهوده على مكافحة التمرد إلى دولة قادرة على بسط الحكم الفعلي وتوفير الأمن والخدمات عبر كامل المجال الوطني. فغياب هذا التحول البنيوي هو العامل الذي سمح لحركة الشباب بالحفاظ على حضورها كفاعل رئيسي في المشهد الصومالي طوال العقدين الماضيين، وهو العامل نفسه الذي سيحدد ما إذا كان الصراع سيتجه نحو التاكل التدريجي للحركة أم نحو استمرار حالة الاستنزاف الطويلة.

خاتمة

تخلص الدراسة إلى أن الصراع في الصومال قد تجاوز الحلول العسكرية الصرفة. إن عام 2026 سيمثل اختبارا حقيقيا لقدرة الصومال على الصمود الذاتي.

Share this content:

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *