آخر الأخبار

عبد الإله ابن كيران وحرية التعبير بين الخطاب والممارسة وأزمة الزعامة.

عبد الإله ابن كيران وحرية التعبير بين الخطاب والممارسة وأزمة الزعامة.

رصد المغرب/عبد المولى المروري 

هل ما صرّح به محمد لغروس مدير نشر موقع العمق المغربي من أن عبد الإله ابن كيران الأمين العام لحزب العدالة والتنمية ورئيس الحكومة السابق طلب منه سحب مقالاتي، حقيقة أم افتراء؟

هذا السؤال ليس مدخلا لخصومة، ولا محاولة لإثارة ضجيج إعلامي، بل هو ضرورة منهجية لفهم واقعة تتجاوز البعد الشخصي إلى الفضاء السياسي الواسع، وتستقر في الإطار الحقوقي الواقعي ومن خلاله تمس جوهر حرية الرأي، كما تفتح بابا للبعد النفسي الذي كثيرا ما يهمل عند تحليل الظواهر السياسية.
ولأن الأمر كذلك، ولا يتعلق بكاتبٍ ومقالٍ فحسب، بل بعلاقة الزعامة بحرية التعبير داخل فضاء يرفع شعار الإصلاح والديمقراطية والحق في الاختلاف…، وهذا أخطر ما في الأمر.
في غشت 2018، تلك المرحلة التي كانت البلاد ما تزال تعيش فيها على وقع صدمة مقتل الشاب محسن فكري داخل حاوية الأزبال بمدينة الحسيمة، ومحاكمات شباب حراك الريف، كنت أتابع إجراءات الملف بصفتي محامي أسرة الشهيد محسن فكري، كانت صورة الحاوية لا تزال حاضرة في الوعي الجمعي، وكانت كلمة “الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية” تتردد أكثر من أي شعار سياسي آخر.
هناك، بين أروقة المحكمة بمدينة الحسيمة، ولقاء إنساني مؤثر مع والد الشهيد في بيته — الذي اكتشفت في حديثي معه معرفة قديمة بأخي الشهيد عبد الرزاق — كنت أعود مساءً لأختلي بنفسي. لم يكن التأمل يومها في تفاصيل الملف وحدها، بل في صورة أوسع: في التحولات التي عرفها المشهد السياسي المغربي، وفي ما طرأ على خطاب بعض رموزه، وعلى رأسهم الأستاذ عبد الإله ابن كيران.
كنت أشعر أيضًا بذنب صغير تجاه أسرتي، التي حرمتها طبيعة عملي ونشاطي الحقوقي حينها من فسحة راحة مستحقة، فقررت أن أصطحبهم معي إلى الحسيمة. وهناك، بين مسؤولية الدفاع عن كرامة إنسان، ومسؤولية أب تجاه أسرته، بدأ يتشكل سؤال آخر في داخلي: كيف تتحول الخطابات؟ وكيف يتبدل موقع وأسلوب من كان يرفع شعار «مقاومة التحكم» حين يصبح هو موضوع قراءة ومساءلة؟
هكذا وُلدت فكرة مقال واحد بعنوان: «المسار السياسي لعبد الإله ابن كيران: محاولة لفهم التحول». لم يكن مشروع مواجهة، ولا رد فعل ظرفي، بل محاولة قراءة تحليلية مجردة لمسار سياسي.. لكن المقال الأول استدعى الثاني، ثم الثالث، فتحولت الفكرة إلى سلسلة دون تخطيط مسبق.
عندما نُشرت الحلقة الثالثة، بدأت ردود الفعل تتباين داخل الحزب بشكل لم أكن أتوقعه، وتوالت الاتصالات.. كما سُئلت عن خلفيات الكتابة، بل وأُثيرت مخاوف من أن تكون جهة ما وراءها.
اتصل بي الدكتور عبد العالي حامي الدين، متسائلًا عن خلفية المقالات في ظرفية كان الحزب يعيش فيها تجاذبات داخلية واستهدافًا من خصومه.. وأكد لي أن عبد الإله ابن كيران يخشى أن تكون جهة ما طلبت مني ذلك!!! أجبته بوضوح: ما كتبته اجتهاد شخصي مستقل، لا أقل ولا أكثر.
بعدها بيوم، اتصل بي الأستاذ أحمد المشتالي، أحد مؤسسي الحركة الإسلامية بالمغرب ومن أبرز قياداتها التاريخية، متسائلًا بدوره عن خلفية وأسباب هذه المقالات، أكدت له كما أكدت لغيره أن الفكرة كانت تراودني منذ فترة، وأنها وليدة تأمل شخصي في التحولات السياسية.. فاقترح الأستاذ أحمد المشتالي عقد لقاء بالرباط لمناقشة الموضوع.
قطعت إجازتي القصيرة وعدت أدراجي، والتقيت بمقر مؤسسته ابن غازي بحي الرياض بكل من رضى ابن خلدون، ومحمد البورقادي، وطبعا الأستاذ أحمد المشتالي. كان نقاشًا طويلًا وعميقًا، لن أنشر تفاصيله حفاظًا على أمانة المجلس.
شرحت في ذلك اللقاء أنني لم أتعرض لشخص عبد الإله ابن كيران، ولم أقذفه، ولم أمس كرامته أو سمعته، بل قدمت قراءة تحليلية لمسار سياسي، وهو ما أقرّوا به واعترفوا به صراحة، ولكن مع التحفظ بسبب الظرفية التي يمر بها الحزب.
ونزولًا عند رغبة الأستاذ أحمد المشتالي، الذي أكن له احترامًا خاصًا، قررت أن أتوقف عند الحلقة الرابعة، وألا أنشر الخامسة، احترامًا لاعتبارات داخلية، خاصة وأنهم أظهروا لي أن ذلك كان بطلب من عبد الإله ابن كيران.
وفعلا توقفت…
الجزء الخامس لم يُنشر إلا بعد سنة، في سياق مختلف، أعقب واقعة جنازة والد الدكتور عبد العالي حامي الدين بمدينة فاس، والتي كشفت لي أن المسألة لم تُقرأ كنقاش فكري فحسب، بل تجاوزته إلى أبعد من ذلك بكثير.
في تلك الجنازة، دخل عبد الإله ابن كيران إلى مجلس العزاء وأخذ يصافح الناس واحدا واحدا، حتى وصل دوري، وعندما نظر إلى وجهي أشاح بوجهه عني بطريقة صادمة، وسحب يده بقوة وبطريقة مستفزة وجارحة.. أذكر ذلك لا لاستدرار عاطفة، بل لأن لحظات قصيرة وخاطفة كهذه تكشف ما تخفيه اللغة وتطمسه النفس.
فالجنازة سياق محايد، لحظة إنسانية يُفترض أن تُطفأ فيها الخصومات.. لا أن تصفى فيها الحسابات.. هي لحظات تذكرنا الموت والقبر، فيرق القلب وتذوب الخلافات، وتصفو النفوس، ولو مؤقتا.. وعندما يتحول فيها اللقاء إلى انفعال جسدي حاد، فهذا يعني أن النقد لم يبقَ في مستوى الفكرة، بل أصاب مستوى أعمق في الذات القيادية حتى أنساها لحظة تشكل في الوعي الإسلامي لحظة موعظة واعتبار.
ولكن يبدو أن الأستاذ عبد الإله ابن كيران قد شعر بتهديد شخصي، وحول النقد الفكري إلى خصومة ذاتية، إلى درجة أنه أصبح يجد صعوبة في الفصل بين الفكرة وصاحبها، وهذا شائع عند الزعماء الذين تعودوا على الإحاطة المسانِدة والتصفيق الحار، ولم يتعودوا على النقد من داخل الدائرة الفكرية القريبة..
ومن الناحية الدينامية النفسية داخل الحزب، عندما يكون النقد صادرا من داخل الحزب أو من مقرب سابق، فإن الاستجابة لا تكون مثل أي نقد خارجي عادي، وهناك نظرية في علم النفس السياسي تقول إن مقاومة النقد قد تكون أكثر حدة كلما كان الناقد أقرب إلى الدائرة الداخلية.. لأن النقد يأتي كفصل في إعادة قراءة الذات الجماعية، وقد يُقرأ كتحد للسرد الداخلي للحزب.. وهو ما يولد ردود فعل أقل تسامحا من النقد العام مع الشخصيات البعيدة أو المعارضة رسميا..
فهل كان الزعيم يخشى أن يقرب ذلك النقد والتحليل من تغير في وعي الجمهور حول شخصيته ومساره؟ وبكل صدق وتجرد ومسؤولية، لم يكن ذلك في نيتي أبدًا..
وهنا تظهر المفارقة التي تستحق التأمل؛ رجل قاد حركة إسلامية رفعت شعار الشورى، النقد، الإصلاح، محاربة الاستبداد ثم يتضايق من مقال رأي تحليلي!! وليطرح السؤال الأهم، هل المشكلة في النقد؟ أم في التحول؟ أم في الوعي بالتحول؟
في علم النفس السياسي، يُعدّ فقدان الاتزان في سياق يستحضر فيه الموت والخشوع، وغير صراعيٍّ ولا خصامي مؤشرًا على أن المسألة تمسّ الهوية الرمزية «للقائد»، لا مجرد رأي عابر.
ما لم أكن أعلمه آنذاك هو ما صرّح به مؤخرًا محمد لغروس في الفيديو الأخير، من أن عبد الإله ابن كيران طلب منه في اتصال بينهما سحب المقالات من الموقع، وأكد لغروس أنه رفض طلبه باعتبارها مقالات رأي، وبإمكانه هو أو أحد أتباعه الرد عليه في الموقع نفسه.
هنا يصبح السؤال مشروعًا: هل هذا المعطى صحيح أم لا؟
لأنَّ الأمر إن صحّ (والأحداث التي ذكرت تعضد ما قاله محمد لغروس، وأنا بطبيعة الحال أصدقه حتى يصدر تكذيب من ابن كيران نفسه)، فنحن أمام انتقال من تضايق مفهوم إلى فعل يمسّ استقلالية المنبر وحرية الرأي، فحرية التعبير لا تُختبر عندما نطالب بها لأنفسنا، بل عندما نتحملها حين تُمارَس ضدنا.
ما الذي أزعجه وقض مضجعه؟
ما الذي أرعبه وأخافه من مقالاتي حتى يطلب حذفها من الموقع؟
ماذا تضمنت تلك السلسلة حتى تثير كل هذا القلق؟
وإذا كانت هذه المقالات مجرد تحليل سياسي، فلماذا أحدثت كل هذا الارتباك؟
هل تجاوزت حدود الرأي؟
هل مست الحياة الخاصة؟
هل تضمنت قذفا أو اتهاما؟
هذه الأسئلة مشروعة، ليس بدافع التشكيك، بل بدافع الفهم فقط؟
طبعا لم تكن السلسلة لتتضمن شتيمة.. ولا قذفًا.. ولم تمسّ قط حياته الخاصة.. بل كانت قراءة تفكيكية لمسار سياسي وتحولاته.. فما الذي أزعجه إذن حتى يطلب حذف السلسلة من الموقع؟
من بين أهم ما أشرت إليه في تلك السلسلة (إلى جانب قضايا أخرى كثيرة)، قراءة مفادها أن إعفاء عبد الإله ابن كيران من رئاسة الحكومة لم يكن حدثًا معزولًا، بل قد يكون مرتبطًا في جزء منها بطبيعة بعض تصريحاته السياسية، وبما اعتبرته آنذاك تجاوزًا للتقاليد السياسية المرعية في تدبير العلاقة مع المؤسسة الملكية، أو ما يُعرف سياسيًا بأعراف دار المخزن، أو التقاليد المرعية لدار المخزن، كان ذلك تحليلًا شخصيًا مبنيًا على قراءة للسياق والخطاب.
ولاحقًا، في حوار للمصطفى الرميد أكد فيه عن توبيخ شديد وُجه لابن كيران من طرف الملك بسبب بعض تصريحاته المتنافية مع أعراف وتقاليد رئيس حكومة مع دار المخزن، وهو ما أعاد فتح النقاش حول طبيعة العلاقة التي سادت في تلك المرحلة.. وهنا لا أورد هذا للتأكيد القطعي، بل لأقول إن القراءة السياسية ليست خصومة، وإن التحليل قد يلتقط أحيانًا مؤشرات قبل أن تتكشف بعض تفاصيلها لاحقًا.
وربما هنا تحديدًا قد يكمن جوهر الإزعاج!! ربما..
فطلب زعيم سياسي من منبر إعلامي حذف مقالات نقدية – إذا لم تتضمن قذفا أو سبا أو ادعاءات كاذبة – يفهم كمحاولة ضغط سياسي على الإعلام، وتضييق على حرية التعبير، وحساسية مفرطة تجاه النقد..
وفي الأنظمة الديمقراطية، كلما ارتفعت المسؤولية، إلا واتسع معها الصدر الذي يتلقى النقد.. فالسياسي هناك لا يطلب حذف الرأي، بل يرد عليه، أو يكتب توضيحا، أو يتجاهله إذا كان ضعيفا… أما طلب الحذف، أو بالأحرى الضغط من أجل الحذف فيقرأ سياسيا كخوف من ترسيخ سردية معينة في الوعي العام..
للإشارة فإن ما كتبته حينها لقي تأييد واستحسان العديد من أعضاء الأمانة العامة للحزب، وبعض القيادات التاريخية للحركة الإسلامية، إلى درجة أن أحدهم أسرَّ لي أنني استطعت أقول ما عجزوا هم عن قوله لابن كيران لأزيد من ثلاثين سنة وهم الأقرب إليه من غيرهم، ولا داعي لذكر أسمائهم.. وهذا يعني أن النقد لم يكن معزولا، بل كان يعكس توترا داخليا حقيقيا، وله جذور تاريخية كانت تختفي تحت ضغط الإكراهات السياسية المتلاحقة والكثير من المجاملات المبالغ فيها..
لماذا يطلب زعيم ما أو يضغط من أجل حذف مقال رأي؟
في علم النفس السياسي هناك ما يسمى: “الاستثمار الرمزي في الذات القيادية”..
«الزعيم» لا يرى نفسه فردا فقط، بل يرى نفسه “رمز مرحلة”، “تجسيد مشروع”، “حامل سردية تاريخية” لا يتعب من ترديدها في كل مناسبة… وعندما يُكتب تحليل يفكك “التحول” لديه، يشعر أن صورته التاريخية تعاد صياغتها، روايته الرسمية تُراجع، وإرثه يُعاد تأويله، الأمر الذي يستنهضه ليثير دفاعا نفسيا وبشكل شبه تلقائي..
فالمسألة ليست في استبداد فجّ، بل في ما يمكن تسميته بأمراض الزعامة الناعمة.. والاستبداد المقنع تحت الخط الأخلاقية، تضخم الذات القيادية، الحساسية المفرطة تجاه النقد الداخلي، محاولة التحكم في السردية، الخلط بين الاحترام والتقديس… كلها مؤشرات تدل على بنية نفسية قد تُعيد إنتاج ما كانت الحركة تنتقده.. وإن بدرجة أخف، ولكن بشكل أسوء..
وهناك ثلاث مستويات لاختبار أي زعيم في موضوع الحرية، وتجعل الفرق واضحا بين خطابه وممارسته،
المستوى الأول: عندما يكون معارضا، هنا الحرية تصبح ضرورة، ويستعملها لمواجهة السلطة ويدافع عنها بلا تحفظ..
المستوى الثاني: عندما يصل إلى الحكم، حينها الحرية تصبح عبئا لأنها توجه نحوه..
المستوى الثالث: عندما يُنتقد من داخل المجال الفكري، وهنا الاختبار الحقيقي، ليس في الدفاع عن حرية خصومه، بل في تحمل نقد أصدقاءه..
في علم النفس السياسي أيضا، تعد العلاقة بالمؤسسة المركزية في الأنظمة السياسية المنغلقة منطقة حساسة للغاية بالنسبة لأي قائد حزبي، وعندما يشعر الزعيم أن قراءة ما قد تفسر علاقته بالمؤسسة العليا تفسيرا غير مريح، قد يتحول القلق من “نقد عادي” إلى “خطر رمزي”، وهنا تبدأ آليات الدفاع، التقليل من شأن الكاتب، التشكيك في الخلفية، أو محاولة إسكات المنبر.. ليتأكد أن المسألة ليست في المقال، بل في الصورة التي صنعها المقال في وعي القارئ..
وإذا كانت السلسلة قد لامست نقطا حساسة في مسار ابن كيران، فهل كان الرد الطبيعي هو نقاش الفكرة؟ أم محاولة إيقافها؟
بحسب ما صرح به محمد لغروس، لم يكن الأمر مجرد تضايق أو انزعاج، بل تضمن طلبا مباشرا وواضحا بسحب المقالات من الموقع تحت الضغط.. هنا يتحول السؤال من : هل أغضبته المقالات؟ إلى لماذا يطلب حذف تحليل بدل الرد عليه؟
إذا كان التحليل خاطئا فالرد عليه كفيل بإبطاله… أما السعي إلى حذفه، فيوحي لا محالة بأن الإشكال لم يكن في دقته فحسب، بل فيما أحدثه من أثر عميق..
أنا أنتظر تكذيب الاستاذ والأمين العام للحزب ورئيس الحكومة السابق ورئيس الحركة الإسلامية سابقا أن يكذب ما جاء على لسان محمد لغروس، أما إذا التزم الصمت وتهرب من الجواب فهذا يعني أن الزعيم فعلا ارتكب هذه الفضيحة،فضيحة مصادرة الرأي وقمع الفكر الحر والتدخل في شأن منبر إعلامي مستقل.. ولا أدري كيف سيدافع عنه مريدوه وأتباعه أمام هذه الفضيحة؟!
الحركات الإصلاحية التي نشأت في سياق دعوي أخلاقي، ترفع شعارات الشورى والعدل ومقاومة الاستبداد ومحاربة الفساد، والدعوة إلى الحرية الفكرية واحترام الآخر… تواجه امتحانا أصعب من غيرها حين تصل إلى السلطة الرمزية، لأنها رفعت سقف الأخلاق عاليا جدا.. فإذا ضاقت صدورها بالنقد، فإنها تفقد تفوقها الأخلاقي قبل السياسي.
وإذا كانت الحركة الإسلامية قد نشأت لتقاوم الاستبداد السياسي كأحد أهدافها، فإن أعظم امتحان لها ليس في مواجهة الدولة، بل في مواجهة الاستبداد الكامن داخل بنيتها النفسية، فليس كل استبداد قرار رسميا، بعضه يبدأ من ضيق الصدر.. وليس كل استبداد سجنا، فبعضه يبدأ من طلب حذف مقال..
والزعيم القوي هو الذي لا يخشى المقال، ولا يسعى إلى حذفه، بل يرد عليه.. والزعامة الإصلاحية حين تضيق بالنقد، لا تتحول فورا إلى استبداد فج، لكنها تنتج ما هو أخطر؛ استبدادا ناعما مغطى بخطاب أخلاقي .. وإن أخطر ما قد يصيب أي حركة إصلاحية ليس تضييق الدولة عليها، بل عجزها عن نقد ذاتها.
وهنا تتجلى القابلية للاستبداد، فالقابلية للاستبداد لا تعني وجود طاغية يحمل سوطا، بل وجود بيئة نفسية تنظيمية تخلط بين الاحترام والتقديس، بين النصيحة والعداء، بين الاختلاف والانشقاق… حينها يصبح الزعيم مركزا لا يُمس، وحين يُطلب إيقاف التحليل بدل الرد عليه، وحين يُفهم السؤال كتهديد… فقد بدأ المرض يدب في أوصال التنظيم قبل أن تظهر أعراضه عليه… فالزعيم الذي لا يحتمل إعادة قراءة مساره، قد يضع نفسه خارج منطق التطور السياسي.
أنا هنا لا أكتب هذه الكلمات خصومة، ولا بدافع انتقام شخصي، ولا خلف تصفية حساب، ولا لأثبت أنني على حق.. لأني وبكل بساطة أرفض أخلاقيًا أن أتهم إنسانًا بما ليس فيه، أو أن أبني حكمًا على الظن، لكني في الوقت نفسه أرفض أن تتحول حرية التعبير إلى امتياز ظرفي، يمنح حين يخدم الزعيم، ويُضيق عليه حين ينتقده..
واليوم لسنا في حاجة إلى زعماء محصنين من النقد إلى درجة العصمة، بل بحاجة إلى زعماء يتحملون النقد دون أن يفقدوا توازنهم، فحرية التعبير لا تختبر في وجه الخصوم، بل في وجه الأصدقاء، ولا تقاس في ساحات المعارضة، بل في لحظات السلطة الرمزية…
وإذا كان احترام حرية الرأي يُقاس بالقدرة على تحمل النقد، فإن الوقائع وحدها هي التي تحسم هذا الادعاء.

وأخيرا، هذا السؤال ليس شخصيًا، بل بنيويًا: هل نريد إصلاح الدولة فقط، أم إصلاح علاقتنا بالسلطة داخل أنفسنا وتنظيماتنا أيضًا؟ فلنبدأ بإصلاح الحزب قبل المطالبة بإصلاح الدولة..

إرسال التعليق