رصدالمغرب / الدكتور سيدي علي ماءالعينين
في عمق الأزقة الضيقة للمدن المغربية، وتحت لهيب شمس المداشر المنسية، تتحرك سواعد لا تكل، ترسم ملامح الفضاء العام وتؤمن سيره اليومي، لكنها تظل غائبة عن سجلات الحقوق والكرامة الإدارية.
هؤلاء هم عمال الإنعاش الوطني، “جنود الخفاء” الذين يشكلون العمود الفقري المنسي للجماعات الترابية، حيث يجدون أنفسهم عالقين في “برزخ” قانوني غريب، لا هم موظفون عموميون يتمتعون بحماية الدولة، ولا هم أجراء قطاع خاص يحميهم قانون الشغل بصرامته.
تبدأ مأساة هذه الفئة من التسمية ذاتها، “الإنعاش الوطني”، وهو نظام وُضع أصلاً في فترات تاريخية لمواجهة الأزمات الاجتماعية العابرة، لكنه تحول مع العقود إلى هيكل إداري دائم يستنزف طاقات آلاف المواطنين والمواطنات في أعمال شاقة ودائمة، دون أن يمنحهم في المقابل سوى فتات مادي لا يسمن ولا يغني من جوع.
إنها المفارقة الصارخة حين نجد عاملاً يقضي ثلاثين عاماً في كنس الشوارع أو صيانة قنوات الصرف الصحي، ثم يغادر مهنته في سن الشيخوخة صفر اليدين، بلا تقاعد يحفظ كرامته ولا تغطية صحية تداوي أمراض المهنة التي نهشت جسده.
من الناحية القانونية، نحن أمام وضعية سريالية تضع وزارة الداخلية، وهي أم الوزارات المسؤولة عن إنفاذ القانون، في موقف “المخالف” لروح التشريعات الوطنية والدولية.
فكيف يمكن لجهاز رسمي أن يشغل مواطنين مقابل أجر يومي لا يصل في مجموعه الشهري حتى إلى نصف الحد الأدنى للأجور الذي تفرضه الدولة نفسها على الشركات الصغرى والمقاولات؟
شارك المقال























Leave a Reply