في ظلال الخليج حين تدار السياسة بالهمس لا بالمؤسسات
رصد المغرب / عبد الكبير بلفساحي
في قلب الخليج، حيث يفترض أن تدار شؤون الدول بمنطق السيادة والمصالح الوطنية المعلنة، تتكاثر الروايات عن لعبة نفوذ أكثر قتامة، تحاك بعيدا عن أعين الشعوب، وتقدم بوصفها «واقعية سياسية» بينما تحمل في جوهرها ملامح الخيانة والتآمر، حيث ما أورده موقع “ميدل إيست مونيتور”، نقلا عن مصدر وصف بالرفيع داخل عائلة الحكم الكويتية، ليس مجرد خبر عابر، بل سردية مقلقة عن إعادة هندسة موازين القوى في الخليج، يكون فيها التنسيق السري – وفق هذه الرواية – بين إسرائيل والإمارات أداة لإضعاف السعودية وإزاحتها عن موقعها التقليدي.
سواء اتفقنا أو اختلفنا مع هذه السردية، فإن خطورتها تكمن في السياق الذي تطرح فيه. فالتقرير يربط بين بطء الرياض في توقيع «اتفاقات أبراهام» وبين مساع إقليمية لتغيير مركز الثقل الخليجي، مستفيدا من تحولات داخلية في دول أخرى. هنا لا تعود السياسة مجرد تفاوض بين دول، بل تتحول إلى سباق نفوذ تُستغل فيه الأزمات الدستورية والاختلالات الداخلية.
لأن الكويت التي شكّلت لعقود استثناءً خليجيًا بنظامها البرلماني المنتخب، تجد نفسها في قلب هذا الجدل. قرار الأمير مشعل الأحمد في 10 ماي 2024 تعليق بعض مواد الدستور – وهو قرار أثار جدلا داخليا واسعا – يقدم في هذه الرواية باعتباره نقطة تحول. الإشارات إلى أن أول اتصال تهنئة جاء من أبوظبي، ثم توقيع أكثر من عشر مذكرات تفاهم لاحقا، تستخدم لبناء صورة تقارب استراتيجي «خفي»، لا يقتصر على الاقتصاد أو الأمن، بل يمتد – بحسب المنتقدين – إلى إعادة تشكيل المجال السياسي نفسه.
لا يمكن الجزم بصحة كل ما يتداول من اتهامات حول ضغوط أو «مساعدة» خارجية في ملاحقة المعارضين، لكن مجرد شيوع هذه الروايات يعكس أزمة ثقة عميقة بين السلطة والمجتمع، ويطرح سؤالا جوهريا، وهو لماذا باتت قرارات سيادية داخلية تفسَّر دوما باعتبارها استجابة لإملاءات خارجية؟ أليس في ذلك اعتراف ضمني بضعف الشفافية وغياب المشاركة الشعبية؟
في نهاية المطاف، قد تكون بعض تفاصيل هذه القصة مبالغا فيها، أو مسكونة بمنطق المؤامرة، لكن جوهرها يسلط الضوء على حقيقة لا يمكن إنكارها، الخليج يمر بمرحلة إعادة تشكيل عميقة، تدار فيها التحالفات بعيدًا عن البرلمانات والرأي العام، وتقدم الاستقرارَ ذريعة لتقليص الحريات. وفي مثل هذه اللحظات، لا يكون الخطر الأكبر في المؤامرات بحد ذاتها، بل في قابلية الأنظمة لتصديق أن القوة تبنى بالقمع والصفقات السرية، لا بالشرعية والرضا الشعبي.
رأي اليوم ليس دعوة لتصديق كل رواية، بل للتساؤل، وهو أي خليج نريد؟ خليج تحسم فيه المصائر بالهمس خلف الأبواب المغلقة، أم فضاء تدار فيه السياسة علنؤا، مهما كانت الخلافات، تحت سقف الدستور والمساءلة؟ هذا السؤال، أكثر من أي تقرير، هو ما سيحدد شكل المنطقة في السنوات القادمة.
إرسال التعليق