قوارب من بلد الثروة. لماذا يفر الجزائريون إلى البحر؟
رصد المغرب / عبد الكبير بلفساحي
يشهد البحر الأبيض المتوسط في الأسابيع الأخيرة مشاهد صادمة تعيد إلى الأذهان صور النزوح الجماعي من مناطق الحروب، حيث هناك قوارب مكتظة، وعائلات كاملة، وأطفال رضع، ونساء حوامل، وحتى المرضى والمسنون، جميعهم يخاطرون بحياتهم في عرض البحر. خلال أسبوع واحد فقط، تم تسجيل عبور نحو 130 قاربا انطلقت جميعها من الجزائر باتجاه السواحل الأوروبية، خاصة إسبانيا، في مشهد يطرح سؤالا جوهريا، وهو هل نحن أمام بلد يعيش حربا فعلية، أم أمام أزمة من نوع آخر أكثر تعقيدا؟
لطالما ارتبط اسم الجزائر بثرواتها الطبيعية الهائلة، فهي من أكبر مصدري الغاز في إفريقيا، وعضو فاعل في منظمة الدول المصدرة للنفط، وتمتلك احتياطات معتبرة من النفط والمعادن. كما تعد شركة سوناطراك إحدى أبرز شركات الطاقة في القارة، حيث من الخارج، تبدو الصورة واضحة، كبلد غني بالموارد، واستقرار أمني نسبي، وموقع استراتيجي مهم.
غير أن وفرة الموارد لا تعني بالضرورة رخاءا اقتصاديا شاملا أو توزيعا عادلا للثروة. فالاقتصاد الجزائري يعتمد بدرجة كبيرة على عائدات المحروقات، ما يجعله هشا أمام تقلبات الأسواق العالمية. ومع تراجع أسعار النفط في فترات مختلفة، برزت تحديات حقيقية تتعلق بالتشغيل، والتنويع الاقتصادي، وتحسين مستوى الخدمات العامة.
إن الهجرة غير النظامية ليست ظاهرة جديدة في الضفة الجنوبية للمتوسط، لكن ما يثير القلق اليوم هو الطابع العائلي المتزايد لهذه الرحلات، لأن الأمر لم يعد مقتصرا على شباب يبحثون عن فرص عمل، بل أصبحنا أمام عائلات بأكملها تغامر بحياتها، وهذا التحول يعكس مستوى عميقا من فقدان الثقة في المستقبل.
فالبطالة، خصوصا بين الشباب وخريجي الجامعات، تبقى من أبرز التحديات. كما أن الشعور بانسداد الأفق، وصعوبة تحقيق الاستقرار المهني والاجتماعي، يدفع كثيرين إلى البحث عن بدائل خارج الحدود. في عالم باتت فيه وسائل التواصل الاجتماعي تنقل صور الحياة في أوروبا بشكل يومي، تتضخم الفجوة بين التطلعات والواقع. والسؤال الواجب طرحه، هو كيف يهرب هؤلاء من بلد الغاز والبترول؟ الأمر يبدو مشروعا، لكنه يفترض ضمنيا أن الثروة الطبيعية كافية لضمان الرفاه الاجتماعي، لأن التجارب العالمية تثبت عكس ذلك. ما يحدد جودة الحياة ليس فقط حجم الموارد، بل كيفية إدارتها، وشفافية توزيعها، وفعالية المؤسسات.
إن الجزائر لا تعيش حربا مسلحة كما حدث خلال “العشرية السوداء”، لكنها تواجه تحديات اقتصادية واجتماعية عميقة. الأزمة هنا ليست عسكرية، بل أزمة ثقة وأفق، وعندما تشعر فئات واسعة أن الحراك الاجتماعي محدود، وأن فرص التقدم ضئيلة، تصبح الهجرة خيارا محتوم، و لو كان محفوفا بالموت.
ما يحدث في البحر المتوسط ليس شأنا جزائريا داخليا فحسب، بل هو انعكاس لاختلالات أوسع في العلاقة بين ضفتيه، حيث الفوارق الاقتصادية الكبيرة، وسياسات الهجرة الأوروبية الصارمة، وغياب قنوات تنقل قانونية كافية، كلها عوامل تسهم في دفع الناس نحو القوارب بدل الطائرات، وتكرار مشاهد القوارب المكتظة يجب ألا يختزل في أرقام أو بيانات أمنية، لأن كل قارب يحمل قصة، وكل موجة تعكس أزمة مركبة تتجاوز حدود بلد واحد.
ليست الجزائر في حالة حرب، لكن مشاهد الهجرة الجماعية تكشف عن معركة من نوع آخر، وهي معركة التنمية، والعدالة الاجتماعية، واستعادة الثقة في المستقبل، لأن الثروات الطبيعية قد تمنح الدولة إمكانات، لكنها لا تضمن وحدها الاستقرار أو الرضا المجتمعي. وحين يختار الناس ركوب البحر بأطفالهم ومرضاهم، فذلك مؤشر خطير على عمق الإحباط. لأنها كارثة إنسانية صامتة، تستدعي قراءة عقلانية ومسؤولة، بعيدا عن التبسيط أو الاتهام، وقبل أن يتحول البحر المتوسط مرة أخرى إلى مقبرة مفتوحة للأحلام.
إرسال التعليق