كيف فرضت واشنطن شروطها في صراع التكنولوجيا مع بكين؟
رصد المغرب / عبد الصمد الشرادي
بعد سنوات من الشد والجذب السياسي والقانوني، أسدل الستار أخيرا على أحد أكثر الملفات تعقيدا في عالم التكنولوجيا العالمية، حيث شركة بايت دانس الصينية، المالكة لتطبيق تيك توك، أعلنت اليوم الجمعة 23 يناير 2026 إتمام صفقة وصفت بالتاريخية، أنهت حالة عدم اليقين التي خيمت على مستقبل التطبيق في الولايات المتحدة منذ عام 2020.
الصفقة أسفرت عن تأسيس كيان جديد يحمل اسم TikTok USDS Joint Venture LLC، بهيكل ملكية يمنح المستثمرين الأمريكيين والدوليين حصة مسيطرة تبلغ 80.1%، مقابل 19.9% فقط لبايت دانس، حيث هذا التحول، انتقل بمركز الثقل فعليا من بكين إلى واشنطن، في خطوة تهدف إلى تهدئة المخاوف الأمريكية المتعلقة بالأمن القومي وحماية البيانات.
ويضم التحالف الاستثماري أسماء ثقيلة في عالم التكنولوجيا والتمويل، من بينها Oracle وSilver Lake وMGX، إضافة إلى مستثمرين بارزين مثل مكتب عائلة مايكل ديل، حيث هؤلاء هم من سيتولون، عبر الكيان الجديد، إدارة عمليات تيك توك داخل الولايات المتحدة، بما يشمل الإشراف على البيانات والخوارزميات والبنية التقنية للتطبيق.
الهيكل الجديد يمنح الشركة الأمريكية المشتركة مسؤولية كاملة عن حماية بيانات أكثر من 200 مليون مستخدم أمريكي، مع تطبيق معايير صارمة للأمن السيبراني والامتثال للقوانين المحلية. وهو ما يمثل استجابة مباشرة للضغوط التي تصاعدت منذ محاولة حظر التطبيق خلال الولاية الأولى للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ثم بلغت ذروتها بإقرار الكونغرس عام 2024 قانونا يفرض التخلي عن السيطرة أو مواجهة الحظر.
سياسيا، اعتبرت الصفقة انتصارا للرؤية الأمريكية في ملف “السيادة الرقمية”، حيث رحب الرئيس ترامب بالاتفاق، واصفا إياه بأنه تتويج لسياسات هدفت إلى حماية الأمن القومي دون التضحية بالابتكار أو مصالح المستخدمين. كما أكدت مصادر في البيت الأبيض أن الاتفاق حظي بموافقة رسمية من الحكومتين الأمريكية والصينية، في إشارة نادرة إلى توافق بين القوتين في ملف تقني شديد الحساسية.
واقتصاديا وتكنولوجيا، لا تقتصر أهمية الصفقة على إنقاذ تيك توك من الحظر، بل تتجاوز ذلك إلى رسم نموذج جديد لكيفية تعامل الحكومات مع الشركات التكنولوجية العابرة للحدود. نموذج يقوم على إعادة توزيع الملكية والحوكمة بدل الإقصاء الكامل، وعلى الشراكة بدل المواجهة الصفرية.
وبهذا الاتفاق، يطوي تيك توك صفحة طويلة من الشكوك، ويفتح فصلا جديدا في علاقته بالسوق الأمريكية، السوق الأكبر والأكثر تأثيرا في مسيرته العالمية. كما يبعث برسالة واضحة مفادها أن معارك العصر الرقمي لا تحسم بالحظر وحده، بل بإعادة هندسة المصالح بين السياسة والتكنولوجيا.
إرسال التعليق