لا نهضة دون تحرير النصوص من اللصوص – قراءة في كتاب “الدين والتاريخ ومتطلبات المستقبل”
لا نهضة دون تحرير النصوص من اللصوص – قراءة في كتاب “الدين والتاريخ ومتطلبات المستقبل”
رصدالمغرب / ياسين العمري(باحث في دراسات الدين والسياسة)
يتكون كتاب “الدين والتاريخ ومتطلبات المستقبل” لمؤلفه الدكتور مخلص السبتي من 296 صفحة، من نشر وتوزيع الدار العالمية للكتاب للطباعة والنشر والتوزيع بالدار البيضاء بالمملكة المغربية، صدرت طبعته الأولى سنة 2020، وهو مقسّم إلى بابين، يتضمن الباب الأوّل أربعة فصول، والثاني ستّة، بالإضافة إلى مقدّمة وخاتمة.
صدمة الربيع العربي
يرى المؤلّف أنّ الموجة الأولى ممّا سمّي بالربيع العربي قد فشلت وأدّت إلى مزيد من التشتيت والتفتيت، ومزيد من العنف والتدمير، ولم يكن ذلك فقط بفعل عوامل خارجية مصادمة لإرادة الشعوب العربية، بل كان أيضاً بفعل عوامل داخلية أصابت البناء الداخلي بالصّدأ، فأحدثت فيه من التّصدّعات والتّشقّقات ما كان معه الحفاظ على الوحدة الوطنية مجرّد أوهام سرعان ما انقشعت.
ويرى الكاتب أنّه بعد تراكم وقع سنوات طويلة من القهر والاستبداد داخل الوطن العربي، خرجت الجماهير غاضبة في تونس والقاهرة ودمشق وطرابلس وغيره… ونادت بإسقاط النظام أو إسقاط الفساد أو استقالة الرئيس… لكن بمجرد أن غاب الرئيس أو كاد ظهر الفراغ القاتل، فالجماهير الغاضبة لم تكن تعرف ماذا تريد على وجه الدقة، بل كانت مكتفية بمعرفة ما لا تريد، وهذا الوضع إن أسقط ما اعتبرته الشعوب فاسدين، فإنّه لم يمكّن للصالحين، ويقصد المؤلّف بالصلاح في هذا المقام معناه الواسع القائم على مبادئ الحرية والمساواة وتداول السلطة، وتعميم التعليم والتفكير النقدي … الخ، بل وحتى إن مكّن لهم (أي للصالحين)، فلن يمنحهم الأجواء التي فيها ينتجون، إذ تنتفي الرؤية الجامعة أو شبه الجامعة الممتدّة شعبيا، والصّادرة في وثيقة مكتوبة تبلور تصوراً أو فلسفة مرضياً عنها.
هذا الطرح الذي أصّل له الكاتب بالحديث عن مآل الربيع العربي في موجته الأولى على الأقلّ، على اعتبار أنّ موجاته لا زالت تتلاحق، فهو يتماهى في تقديري مع عدّة أفكار أوّلها أنّ الثورات تأكل أبنائها، وثانيهما أنّ الثورات يقوم بها ويؤدّي ضريبتها الشجعان ولكن يستفيد منها ويقطف ثمارها الجبناء، وآخرها ما ذكره الكاتب المصري عاطف فتحي في معرض تناوله للثورة العرابية في مصر ضدّ بريطانيا وحليفها المحلّي الخديوي توفيق، وذلك في مؤلّفه الذي يحمل عنوان “حكاية محمود سامي البارودي شاعر الثورة العرابية”، حيث ذهب إلى أنّ الثورة أيّة ثورة حين تنتصر يظهر لها آباء كثيرون، ويركبها على الفور الانتهازيون المحترفون لتحقيق مطامعهم، ويستولي عليها في النهاية كبار الأوغاد باعتبارهم المنتصرين، وينسحب غالباً من صنعوا الثورة دون أن يجنوا حصاد ما صنعت أيديهم، وحين تبوء الثورة بالهزيمة والخسران، يتبرأ منها أبناؤها الحقيقيون، من قاموا بها وخطّطوا لها وشاركوا فيها، كأنها رجس من عمل الشيطان أو خطيئة أقدموا عليها في حالة غياب العقل والرشاد.
أمّا ما جاء به المؤلّف في معرض حديثه عن الجماهير ودورها في الربيع العربي، فهو في تقديري يقارب طرح الفيلسوف الفرنسي غوستاف لوبون في كتابيه سيكولوجية الجماهير، وروح الثورات والثورة الفرنسية، حيث تحدّث عن واقع الجماهير التي تنقاد بطبيعتها وراء عواطفها الجيّاشة دون أن تكون تحرّكاتها مدروسة، وذات أهداف، فهذه الأخيرة تحدّدها النخب التي تتحكّم في الجماهير وتسوقهم سوقاً لتحقيق مآربها، دون وعي منهم أو إدراك، وهذا المعنى يتقاطع أيضاً مع كتاب عالم الاجتماع الروسي سيرج تشاكوتين، الذي يحمل عنواناً له دلالة خطيرة على ما يقع بالجماهير التي تتبع الدعاية أو البروباغندا المستخدمة من لدن أهل السياسة، والعنوان هو”اغتصاب الجماهير” دلالة على الهتك القسري لعقول الجماهير واستخدامهم كأدوات لتحقيق مآرب معيّنة لا يدركها إلا من يحرّكهم، وحتى مع افتراض التسليم بالقول بأنّ الربيع العربي كانت شرارته الأولى عفوية، إلا أنّه فيما بعد تمّ استخدام الجماهير من طرف أحزاب وجماعات لها إيديولوجيات مختلفة، وأهداف موحّدة.
لكن ما هو الدرس؟ وكيف يمكن تحويل الأوضاع الكارثية إلى محفّز يدفع نحو التغيير والسعي إلى التقدّم والنهوض؟
يجيب المؤلّف بأن فشل ثورات الربيع العربي وعجز محاولات النهوض قبلها سواء على المستويات السياسية والاجتماعية، أو على المستويات التربوية والتعليمية، مردّه بالأساس إلى ما سمّاه “غياب الرؤية الجماعية” المنطلقة من الوعي بالتاريخ، وهو ما دعا المؤلّف لاستدراكه، وأكّد على وجود إمكانية لذلك، ليتحقّق التقدّم المبني على نهضة شاملة، فما هي خطّة المؤلّف لتحقيق هذا التقدّم المنشود؟ وما هي شروط وأسس النهضة التي ينبغي أن يقوم وينبني عليها؟ هذا ما سنتطرّق له في المحور الثاني من هذه القراءة في كتاب المؤلّف.
للتقدم مقدمات وممهدات
إنّ الهدف من الكتاب -بحسب المؤلف – هو أن يكون للقيادات الاجتماعية والسياسية علم بالتاريخ يمكّنهم من إدراك سننه، ويرشدهم إلى مكمن الحكمة في قراراتهم ومواقفهم، على أن لفظ التاريخ عنده لا يعني مجرّد العلم بأحداث وقعت سابقاً في الماضي، بل له ثلاث دلالات أولها السياق الذي تقع ضمنه الأحداث والذي يحكم مواقفنا منها، ثانيها الأحداث نفسها في فترة زمنية محدّدة وفي مكان محدّد، وثالثها الكلِّيات العامّة الحاكمة للأحداث، والقواعد المستخلصة من جزئيات لا متناهية ممتدّة في المستقبل كما هي في الماضي البعيد، وبالتالي فالكتاب وثيقة موجهة لمن بيدهم القرار أو لهم الطموح على إحداث تغيير مجتمعي .
ولا يخفى أن شرط التقدّم أن تسبقه نهضة ممتدّة تربويا وإعلامياً وفنياً تثور على الجمود، وتواجه الوهن والفساد المتسربان إلى الدّين والثقافة والسياسة، على أن هذه النهضة بدورها لا ينبغي إلا أن تكون مسبوقة بحركة إصلاح ديني تقودها نخبة من العلماء والمفكّرين – متعددي التخصصات – تحسن التمييز بين المبادئ والإجراءات في تعاليم الأنبياء، وبين الغايات والوسائل، وبين الدّين والتّاريخ، ذلك أنّ الدين وهو المشكل لأغلب مكونات الثقافة المجتمعية، والموجه لوجدان الشعوب الاسلامية عموما ، قد تم تمثله منذ آماد طويلة وفق أنماط متناقضة ومتغيرة لم تثبت على حال، وهذا وحده كفيل بخلط الأوراق وإرباك الرؤية، وجعل الناس – أو الكثير منهم – يقدمون ما حقّه التأخير، ويؤخرون ما حقّه التّقديم، ويحافظون على ما حقّه الإلغاء، ويلغون ما حقّه الإبقاء .
إن لكلّ حركة نهضوية في العالم أسلوبها الخاصّ في الجمع بين المحافظة والتغيير، والجديد والقديم، والوافد والأصيل، ولكل نهضة أدواتها الإجرائية وأساليبها التدبيرية الخاصّة في ذلك، وعليه فلا مفرّ لحركة النهضة المأمولة من إبداع أدوات وأساليب تلائم التحدّيات الناشئة أمامها، لهذا يدعو المؤلف إلى ضرورة أن يدرك الفاعلون الاجتماعيون قوانين التاريخ بالحسّ والتجربة أو بالدراسة والتتبّع، حتى يتمكنوا من الجمع بين جرأة الثوريين ومحافظة التقليديين، ولا نهضة دونما جرأة في الإلغاء والإبقاء، ودونما تحرير النصوص من اللصوص.
إرسال التعليق