مقارنة علمية بين خدمات الطوارئ في المستشفيات المغربية والدول الغربية: فجوة التخصص والبروتوكول
مقارنة علمية بين خدمات الطوارئ في المستشفيات المغربية والدول الغربية: فجوة التخصص والبروتوكول
رصد المغرب/حسن العلامي الرباطي
مقدمة
تُعد أقسام الطوارئ (المستعجلات) في المستشفيات خط الدفاع الأول عن حياة المرضى، وتتطلب كفاءة عالية وسرعة فائقة في اتخاذ القرار والتدخل. وكما أشار المستخدم، فإن هناك فجوة واضحة بين مستوى خدمات الطوارئ في المستشفيات المغربية، سواء العمومية أو حتى بعض المصحات الخاصة، وبين المعايير المطبقة في الدول الغربية المتقدمة. هذه المقارنة لا تنبع من تقييم شخصي، بل تستند إلى المواصفات العلمية والبروتوكولات الدولية التي تحكم إدارة الحالات الحرجة، مثل السكتة القلبية والسكتة الدماغية.
أولاً: المعايير الدولية لخدمات الطوارئ (النموذج الغربي)
تعتمد الدول الغربية في إدارة أقسام الطوارئ على علم طب الطوارئ كاختصاص طبي مستقل، وتلتزم بمعايير صارمة تضمن أعلى مستويات الجودة والسلامة للمريض. ويمكن تلخيص هذه المعايير في ثلاثة محاور رئيسية:
- نظام تصنيف الحالات
يُعد نظام التصنيف حجر الزاوية في أي قسم طوارئ حديث. وهو عملية منهجية لتحديد أولوية الرعاية بناءً على شدة حالة المريض، وليس على أساس أسبقية الوصول.
“الهدف من التصنيف هو ضمان أن الحالات المهددة للحياة تتلقى التدخل الطبي الفوري، بينما يتم توجيه الحالات الأقل خطورة إلى المسار المناسب دون إهدار للموارد أو تأخير للحالات الحرجة.”
تعتمد معظم الأنظمة المتقدمة على مقاييس ذات خمسة مستويات للحدة، مثل مؤشر شدة الطوارئ في الولايات المتحدة، أو مقياس التصنيف الكندي للطوارئ والحدة [3]. وتتطلب هذه الأنظمة أن يتم التصنيف بواسطة ممرض طوارئ متخصص ذي خبرة عالية، قادر على تحديد الحالات التي تحتاج إلى إنقاذ حياة فوري.
في منظومة الطوارئ الطبية، تُصنَّف الحالات حسب مستوى الحدة لتحديد أولوية التدخل وسرعة الاستجابة، بما يضمن توجيه الموارد الطبية إلى من هم في أمسّ الحاجة إليها. ويُعدّ هذا التصنيف من الركائز الأساسية في إدارة أقسام الطوارئ، إذ يسهم في إنقاذ الأرواح وتقليل زمن الانتظار وتحسين جودة الرعاية الصحية.
المستوى الأول (إنقاذ حياة
يشمل الحالات الحرجة التي تهدد الحياة بشكل مباشر، مثل توقف القلب أو التنفس والصدمة الحادة. تتطلب هذه الحالات تدخلاً فورياً دون أي تأخير، لأن كل ثانية قد تحدد مصير المريض. يتم فيها تطبيق بروتوكولات الإنعاش القلبي الرئوي والتدخلات السريعة لإنقاذ الحياة.
المستوى الثاني (طارئ جداً
يتعلق بالحالات الخطيرة التي قد تتطور سريعاً إلى خطر على الحياة، مثل ألم الصدر الحاد أو التغير المفاجئ في الوعي أو النزيف الحاد. يحتاج المريض في هذا المستوى إلى فحص طبي عاجل خلال أقل من 15 دقيقة لتفادي تدهور الحالة وضمان الاستقرار السريع.
المستوى الثالث (طارئ
يشمل الحالات التي تستدعي تدخلاً طبياً عاجلاً لكنها لا تمثل خطراً مباشراً على الحياة، مثل الآلام المتوسطة أو الكسور غير المعقدة. يجب التعامل مع هذه الحالات خلال 30 إلى 60 دقيقة لضمان راحة المريض ومنع تفاقم الأعراض.
المستوى الرابع (أقل طارئ
يتعلق بالحالات البسيطة التي تحتاج إلى فحص أو إجراء واحد فقط مثل تصوير بالأشعة أو فحص سريري محدود. يمكن الانتظار في هذه الحالة بين 60 و120 دقيقة دون أن يشكّل ذلك خطراً على حياة المريض.
المستوى الخامس (غير طارئ
يشمل الحالات التي لا تستدعي موارد قسم الطوارئ، كطلب وصفة طبية أو استشارة بسيطة. هذه الحالات يمكن التعامل معها في أكثر من 120 دقيقة أو إحالتها إلى العيادات الخارجية.
وباختصار، يهدف هذا النظام إلى تحقيق العدالة في تقديم الرعاية، عبر تحديد الأولويات بناءً على خطورة الحالة وليس على أسبقية الوصول. فكلما ارتفع مستوى الحدة، قلّ زمن الاستجابة المطلوب، بما يضمن استثماراً أمثل للوقت والجهد لإنقاذ أكبر عدد من الأرواح بأعلى كفاءة ممكنة.
- الكادر الطبي المتخصص والبنية التحتية
تتطلب المعايير الدولية وجود أطباء اختصاصيين في طب الطوارئ على مدار الساعة، وليس الاعتماد على الأطباء العامين أو الأطباء المقيمين من تخصصات أخرى [4]. كما يجب أن تتوفر البنية التحتية التالية:
- غرف الإنعاش: مجهزة بالكامل بأحدث أجهزة المراقبة والإنعاش، وتكون قريبة من مدخل القسم لضمان سرعة نقل المريض.
- المعدات التشخيصية الفورية: توفر أجهزة الموجات فوق الصوتية المحمولة (POCUS) ومختبرات صغيرة داخل القسم لتقليل زمن التشخيص.
- بروتوكولات السرعة: وجود بروتوكولات واضحة وموحدة للتعامل مع الحالات الحرجة، مثل تقليل زمن “من الباب إلى البالون” في حالات احتشاء عضلة القلب الحاد إلى أقل من 90 دقيقة.
ثانياً: واقع خدمات الطوارئ في المستشفيات المغربية
على النقيض من النموذج الغربي، يشير الواقع في المستشفيات المغربية، وخاصة العمومية، إلى تحديات هيكلية تؤدي إلى تدهور جودة الخدمة، وهو ما يفسر ملاحظة المستخدم حول غياب السرعة والكفاءة المطلوبة [5].
- غياب التخصصية في الكادر الطبي
تُعد هذه النقطة هي الفجوة الأكبر التي أشار إليها المستخدم. ففي الوقت الذي تعتمد فيه الدول الغربية على اختصاصي طب الطوارئ، يعاني المغرب من نقص حاد في هذا التخصص.
- الاعتماد على الكادر العام: تعتمد أقسام المستعجلات بشكل كبير على الأطباء العامين أو الأطباء المقيمين الذين قد لا يمتلكون الخبرة الكافية في إدارة الحالات الحرجة المعقدة، أو على ممرضين يقومون بمهام تتجاوز نطاق تخصصهم.
- تأثير النقص: هذا النقص يؤدي إلى ما أشار إليه المستخدم: “ممرضين يفهمون في كل شيء”، حيث يضطر الكادر المتاح إلى التعامل مع حالات تفوق خبرته، مما يقلل من الكفاءة والسرعة في الحالات التي تستوجب تدخلاً متخصصاً وفورياً، مثل السكتة القلبية.
- ضعف أو غياب نظام التصنيف
على الرغم من وجود خطط للإصلاح، فإن التطبيق الفعلي لنظام تصنيف موحد وفعال لا يزال ضعيفاً في العديد من المستشفيات.
- الفوضى والازدحام: يؤدي غياب التصنيف المنهجي إلى ازدحام شديد (أكثر من 6 ملايين استشارة سنوياً في المستشفيات العمومية) [7]. يتم التعامل مع الحالات البسيطة (المستوى 5) بنفس طريقة التعامل مع الحالات الحرجة (المستوى 1)، مما يؤدي إلى تأخير قاتل في رعاية الحالات المهددة للحياة.
- فترات انتظار طويلة: ينتظر المرضى لفترات طويلة، وغالباً ما يتم التعامل معهم في الممرات بسبب نقص الأسرة، مما يتناقض بشكل صارخ مع أهداف زمن الاستجابة (0-15 دقيقة) في المعايير الدولية.
- البنية التحتية والموارد
تشير التقارير إلى نقص في البنية التحتية والمعدات الأساسية، وعدم توفر الأدوية بشكل دائم، وغياب غرف الإنعاش المجهزة بالكامل وفقاً للمعايير الدولية. هذا النقص يحد من قدرة الكادر الطبي على تطبيق البروتوكولات العالمية حتى لو كان لديه المعرفة اللازمة.
الخلاصة: الطريق نحو المعايير العلمية
توضح المقارنة أن الفرق الجوهري بين المستعجلات في المغرب والدول الغربية لا يكمن في النوايا، بل في التطبيق الهيكلي للمعايير العلمية.
إن تحقيق مستوى خدمات يضاهي المعايير الغربية يتطلب استثماراً ضخماً في ثلاثة مجالات: تكوين اختصاصيي طب الطوارئ، وتطبيق نظام تصنيف فعال، وتجهيز البنية التحتية بما يتناسب مع متطلبات الرعاية الحرجة.
إرسال التعليق