مقاطعة الامتحانات بالمدرسة الوطنية للتجارة والتسيير بالقنيطرة

رصد المغرب / عبدالعالي بريك


تشهد المدرسة الوطنية للتجارة والتسيير بالقنيطرة حالة من الاحتقان غير المسبوق، توّجت بإقدام عدد من الطلبة على مقاطعة الامتحانات، في خطوة احتجاجية تعكس عمق الأزمة التدبيرية التي تعرفها المؤسسة، وتطرح تساؤلات جدية حول احترام الحق الدستوري في التعليم وجودته.

لم تأتِ مقاطعة الامتحانات من فراغ، بل كانت نتيجة تراكمات طويلة من الاختلالات التدبيرية والبيداغوجية، عبر عنها الطلبة مرارا عبر مراسلات ووقفات احتجاجية سلمية. ومن بين أبرز هذه الاختلالات، غياب التواصل الفعال بين الإدارة والطلبة، وتأخر الإعلان عن جداول الامتحانات، إضافة إلى تغييرات مفاجئة في برمجة المواد وشروط التقويم، دون إشراك المعنيين أو تبرير بيداغوجي واضح.

كما يشكو الطلبة من ضعف التأطير الأكاديمي، ونقص الموارد البشرية، وتفاوت معايير التقييم بين الشعب والأساتذة، ما يضرب في العمق مبدأ تكافؤ الفرص، ويجعل الامتحانات أداة للضغط بدل أن تكون آلية تربوية لقياس الكفاءات.

ينص الدستور المغربي بوضوح على أن التعليم حق أساسي لكل مواطن، وعلى الدولة والمؤسسات العمومية ضمان جودته وتكافؤ الولوج إليه. غير أن ما تعيشه المدرسة الوطنية للتجارة والتسيير بالقنيطرة يكشف عن فجوة مقلقة بين النص الدستوري والممارسة اليومية، حيث يجد الطلبة أنفسهم ضحايا تدبير ارتجالي يفتقر إلى الحكامة والشفافية.

إن حرمان الطلبة من شروط اجتياز امتحانات عادلة ومنظمة، أو دفعهم إلى المقاطعة كخيار أخير لإسماع صوتهم، يشكل مسا مباشرا بهذا الحق، ويحول المؤسسة التعليمية من فضاء للتكوين والتحصيل إلى بؤرة للتوتر والصراع.

رغم ما تسببه مقاطعة الامتحانات من قلق ومخاوف بشأن المستقبل الدراسي، فإنها تظل، في هذا السياق، شكلا من أشكال الاحتجاج السلمي المشروع، الذي لجأ إليه الطلبة بعد استنفاد قنوات الحوار، حيث هي رسالة واضحة مفادها أن الاستقرار البيداغوجي لا يمكن أن يتحقق في ظل غياب الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة.

إن تجاوز هذه الأزمة يقتضي فتح حوار جاد ومسؤول بين إدارة المؤسسة وممثلي الطلبة، يقوم على الاعتراف بالاختلالات ومعالجتها بشكل مؤسساتي، بعيدا عن منطق التهديد أو العقوبات التأديبية. كما يستدعي الأمر تدخل الجهات الوصية لتقييم الوضع، وضمان احترام المعايير الوطنية للتعليم العالي، بما يحفظ كرامة الطلبة ويصون مصداقية الشهادات الممنوحة.

إن ما يحدث بالمدرسة الوطنية للتجارة والتسيير بالقنيطرة ليس حالة معزولة، بل مؤشر على إشكالات أعمق يعرفها تدبير بعض مؤسسات التعليم العالي. ومقاطعة الامتحانات، وإن بدت إجراءا استثنائيا، فهي صرخة احتجاج ضد واقع لا ينسجم مع طموحات الطلبة ولا مع الالتزامات الدستورية للدولة. ويبقى الرهان الحقيقي هو تحويل هذه الأزمة إلى فرصة لإصلاح حقيقي يعيد الاعتبار للجامعة العمومية، ويجعل من الحق في التعليم ممارسة فعلية لا مجرد شعار.

وفي رسالة مفتوحة، من الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان، حول مقاطعة الامتحانات وتدبير الأزمة بالمدرسة الوطنية للتجارة والتسيير بالقنيطرة، موجهة إلى السيد وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وإلى السيد رئيس جامعة ابن طفيل، جاءت كالآتي:

 تتابع الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان، بقلق بالغ، ما تشهده المدرسة الوطنية للتجارة والتسيير بالقنيطرة من احتقان وتوتر بلغ حدّ مقاطعة الامتحانات، وهو وضع استثنائي نؤكد للرأي العام أنه محصور حصريًا داخل هذه المؤسسة، ولا يمتد إلى باقي المدارس الوطنية للتجارة والتسيير بمختلف الجامعات على ربوع الوطن، التي تواصل اشتغالها الأكاديمي وامتحاناتها في ظروف عادية.

إن هذا التوضيح ليس تفصيلاً ثانويًا، بل معطى جوهري يؤكد أن الأمر لا يتعلق بأزمة قطاعية أو وطنية، وإنما بأزمة تدبير إداري محلي داخل مؤسسة بعينها، بما يطرح بشكل مباشر مسألة المسؤولية القانونية والإدارية في حسن تدبير المرفق العمومي الجامعي، طبقًا لمبادئ الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة المنصوص عليها دستورياً.

وإذ تؤكد الرابطة أن الاختلافات المهنية أو النقابية داخل الجامعة تظل مشروعة ومكفولة في إطار القانون، فإنها ترفض بشكل قاطع الزجّ بالمصلحة العليا للطلبة في صراع بين الإدارة وبعض مكونات هيئة التدريس، أو تحويل الامتحانات إلى وسيلة ضغط، لما في ذلك من مساس صريح بـالحق الدستوري في التعليم ومبدأ تكافؤ الفرص, بالاضافة إلى الأمن البيداغوجي والاستقرار الأكاديمي للطلبة, وهو ما يشكل إخلالاً بواجب حماية حقوق المرتفقين، المنصوص عليه في التشريعات المؤطرة للمرفق العمومي.

إن الرابطة تعتبر أن المسؤولية الأولى عمّا آلت إليه الأوضاع تتحملها إدارة المؤسسة، وعلى رأسها مدير المدرسة الوطنية للتجارة والتسيير بالقنيطرة، لعدم حسن تدبير المرحلة، وغياب المقاربة الاستباقية في معالجة الخلافات، وعدم إعطاء الأولوية القصوى لمصلحة الطلبة، كما يفرض ذلك القانون والأعراف الإدارية الرشيدة.

وانطلاقًا من دورها الدستوري والحقوقي في حماية الحقوق والحريات، فإن الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان تطالب بـ:

• تدخل عاجل وفوري من وزارة التعليم العالي ورئاسة الجامعة لاحتواء الأزمة داخل ENCG القنيطرة.

• ضمان عدم تحميل الطلبة تبعات اختلالات لا علاقة لهم بها.

• تحميل إدارة المؤسسة، وعلى رأسها المدير، المسؤولية الكاملة عن اختلالات تدبير المرحلة، وترتيب الآثار الإدارية والقانونية اللازمة.

• اتخاذ تدابير وقائية وهيكلية تضمن عدم تكرار مثل هذه الأزمات، وتحصّن الجامعة العمومية من منطق الارتجال والتصعيد.

وتؤكد الرابطة، في الختام، أن الطلبة ليسوا طرفًا في أي صراع إداري أو نقابي، ولا يجوز قانونًا ولا أخلاقيًا تحويلهم إلى أداة ضغط أو وقود نزاع، وأن أي تهاون في حماية حقوقهم يشكل مساسًا خطيرًا بمصداقية الجامعة العمومية وبمبدأ سيادة القانون داخل المؤسساتو وإذ نوجّه هذه الرسالة المفتوحة للرأي العام الوطني، فإننا نحتفظ بحقنا في اتخاذ كافة المبادرات الحقوقية والقانونية المشروعة دفاعًا عن حقوق الطلبة، وصونًا للمرفق العمومي الجامعي.

المملكة المغربية في: 09/01/2026

الرئيس الوطني: ادريس السدراوي

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *