آخر الأخبار

منير الطاهري: العدالة الانتقالية في المغرب تنزلق نحو “عدالة نقوصية” وملف المعتقلين الإسلاميين يكشف عمق المأزق

منير الطاهري: العدالة الانتقالية في المغرب تنزلق نحو “عدالة نقوصية” وملف المعتقلين الإسلاميين يكشف عمق المأزق

رصد المغرب /الحيداوي عبد الفتاح 

بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان، احتضنت ندوة فكرية نظمتها اللجان العمالية المغربية – فرعها الحقوقي، بتنسيق مع التنسيقية المغربية لقدماء المعتقلين الإسلاميين، تحت عنوان: «العدالة الانتقالية الغائبة: حالة المعتقلين الإسلاميين السابقين»، مداخلة وصفت باللافتة للباحث والفاعل الحقوقي منير الطاهري، قدم خلالها تشخيصا نقديا لمسار العدالة الانتقالية بالمغرب، محذرا من تحوله إلى ما سماه بـ«العدالة النقوصية» ذات الانعكاسات الخطيرة على الديمقراطية وحقوق الإنسان.

الطاهري شدد، في مستهل مداخلته، على أن النقاش لا يهم فئة بعينها، ولا يرتبط بملف جزئي أو ظرفي، بل يطال جوهر العلاقة بين الدولة والمجتمع، ويعيد طرح السؤال الجوهري حول طبيعة الانتقال الديمقراطي بالمغرب: هل هو مسار تاريخي تراكمي لبناء دولة حديثة، أم مجرد آلية تقنية لتدبير الأزمات؟

وفي تفكيكه المفاهيمي، ميز المتدخل بين العدالة الانتقالية بمعناها المتعارف عليه دوليا، وبين مفهوم “العدالة النقوصية”، مستحضرا وثائق للمركز الدولي للعدالة الانتقالية، اعتبرت هذا النمط من العدالة آلية لإخفاء الانتهاكات وضمان الإفلات من العقاب، وفرض مصالحات مهينة على الضحايا بدل إنصافهم.

وأوضح الطاهري أن العدالة الانتقالية ليست مجرد تعويضات مالية أو جلسات استماع رمزية، بل مسار شامل لإعادة بناء الثقة، يقوم على كشف الحقيقة، والمساءلة، وجبر الضرر، وحفظ الذاكرة، وإصلاح المؤسسات الأمنية والقضائية لضمان عدم تكرار الانتهاكات. واعتبر أن غياب هذا الإصلاح البنيوي يجعل أي مصالحة منقوصة وعاجزة عن تحقيق السلم المدني.

وبخصوص التجربة المغربية، أقر المتدخل بأن إحداث هيئة الإنصاف والمصالحة سنة 2004 شكل لحظة أمل، غير أن غياب الإرادة السياسية، وعدم تفعيل توصيات الهيئة، خاصة المتعلقة بإصلاح الأجهزة الأمنية والقضائية، أفقد التجربة بعدها الاستراتيجي، وحولها إلى محطة ظرفية لتدبير انتقال سياسي محدود.

وسجل الطاهري أن أحداث ما بعد 2003، ثم وقائع مخيم أكديم إيزيك، وحراك الريف، كشفت عودة قوية لمنطق القبضة الأمنية والعقاب الجماعي، ما يؤكد، حسب تعبيره، أن الإصلاحات المعلنة لم تمس جوهر السلطوية.

أما دستور 2011، فاعتبره المتدخل نتاجا لسياق احتواء حراك 20 فبراير أكثر منه عقداسياسيا يؤسس لانتقال ديمقراطي حقيقي، مشيرا إلى أن لغته الحقوقية المتقدمة رافقها غموض سمح بتأويلات كرست مركزية السلطة، دون دسترة صريحة للعدالة الانتقالية أو مبدأ عدم الإفلات من العقاب.

وفي محور لافت، توقف الطاهري مطولا عند وضعية قدماء المعتقلين الإسلاميين، معتبرا أنهم من أكثر الفئات تهميشا في مسار العدالة الانتقالية. وأبرز أن معاناتهم لم تتوقف عند سنوات السجن وما رافقها من تعذيب وسوء معاملة، بل استمرت بعد الإفراج عبر الإقصاء الاجتماعي والاقتصادي، والوصم المجتمعي، وحرمانهم وأبنائهم من فرص الاندماج، في غياب تام لبرامج الدعم النفسي والاجتماعي.

وانتقد المتدخل ما سماه “الفهم الأمني الضيق للعدالة”، داعيا إلى مقاربة شاملة تعتبر الإنصاف وإعادة الإدماج مدخلا أساسيا لبناء الثقة والسلم الاجتماعي، لا تهديدا أمنيا.

وفي أفق الحلول، دعا الطاهري إلى إطلاق مسار جديد للعدالة الانتقالية الشاملة، يقوم على حوار وطني صريح، والاعتراف بالمعاناة الإنسانية، وجبر الضرر المادي والمعنوي، مع إخضاع برامج الإنصاف والإدماج للمساءلة والشفافية. كما شدد على أن العفو العام عن معتقلي الرأي والحركات الاجتماعية يشكل خطوة مركزية لأي مصالحة وطنية حقيقية.

وختم الطاهري مداخلته بالتأكيد على أن الخطر الحقيقي لا يكمن في مطالب الشارع، بل في “عدالة تخاف من الحرية”، محذرا من أن استمرار العدالة النقوصية يعني إدانة المواطن وتبرئة المنظومة، وإغلاق آفاق الانتقال الديمقراطي.
وأكد أن معيار الديمقراطية لا يُقاس بالشعارات، بل باتساع فضاء الحرية، واستقلال القضاء، وقدرة المواطنين على النقد دون خوف، باعتبارها البوصلة الحقيقية لأي مستقبل ديمقراطي ممكن في المغرب.

إرسال التعليق